قال السبكي: «ففعْلُ ذلك بدعةٌ ولا ينبغي أن يدخل في الدين ما ليس منه، ولا أن نعتقد في شيء أنه سنة حتى يكون له شبيه أصل، ولا يكفي كونه مباحًا، فإن جَعْله من الدين، أو مطلوبًا، وسنة وشعارًا؛ إنما يكون من جهة الشرع، وما لأحد أن يحدثه، لا شيخ ولا غيره» (^١).
تنبيه: يصحُّ التعبُّد بالمباح في حال واحدةٍ، وهو أن يكون عونًا على فعل الطاعات، فلا يُتعبَّد به لذاته، وإنما لغيره من باب الوسائل، ويدلُّ لهذا ما روى مسلم (^٢) عن أبي ذرٍّ أن رسول الله -ﷺ- قال: «وفي بُضع أحدكم صدقةٌ» قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته ويكون له أجرٌ؟ قال: «أرأيتم لو وضعها في الحرام أكان عليه وزرٌ؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجرٌ»، وأخرج الشيخان (^٣) عن سعد بن أبي وقاصٍ أن رسول الله -ﷺ- قال: «إنك لن تنفق نفقةً تبتغي بها وجه الله، إلا أُجرتَ عليها، حتى ما تجعل في فيِّ امرأتك» وروى البخاري (^٤) أن أبا موسى قال لمعاذ بن جبل: فكيف تقرأ أنت يا معاذ؟ قال: أنام أوَّل الليل، فأقوم وقد قضيت جزئي من النوم، فأقرأ ما كتب الله لي، فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي».
_________________
(١) فتاوى السبكي (٢/ ٥٥١).
(٢) رقم (١٠٠٦).
(٣) أخرجه البخاري رقم (٥٦)، ومسلم رقم (١٦٢٨).
(٤) رقم (٤٣٤١).
[ ٢٥ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وأما إذا فعل المؤمن ما أُبيح له قاصدًا للعدول عن الحرام إلى الحلال لحاجته إليه، فإنه يُثاب على ذلك، كما قال النبي -ﷺ-: «وفي بضع أحدكم صدقةٌ …» (^١).
وقال: «وإذا عرف أن لذَّاتِ الدنيا ونعيمَها إنما هي متاعٌ ووسيلةٌ إلى لَذَّات الآخرة، وكذلك خُلقت، فكل لذةٍ أعانت على لذات الآخرة فهو مما أمر الله به ورسوله، ويُثاب على تحصيل اللذة بما يثوب إليه منها من لذات الآخرة التي أعانت هذه عليها …» (^٢).
وقال: «ومن كان إنما يفعل ما يحبه الله ويرضاه، ويقصد أن يستعين بما أبيح له على ما أمره الله، فهو من أولئك» (^٣).
قال ابن القيم: «والعبد إذا عزم على فعل أمرٍ فعليه أن يعلم أولًا هل هو طاعةٌ أم لا؟ فإن لم يكن طاعةً فلا يفعله إلا أن يكون مباحًا يستعين به على الطاعة، وحينئذٍ يصير طاعةً …» (^٤).
قال ابن رجب بعد حديث أبي ذر السابق: «وظاهر هذا السياق يقتضي أنه يؤجر على جِماعِهِ لأهله بنيِّة طلب الولد الذي يترتب الأجر على تربيته وتأديبه في حياته ويحتسبه عند موته …» (^٥).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٧/ ٤٨).
(٢) الاستقامة (٢/ ١٥٢).
(٣) الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (ص ٣٧).
(٤) إعلام الموقعين (٢/ ١٢٢).
(٥) جامع العلوم والحكم (٢/ ٦٢).
[ ٢٦ ]
قال ابن حجر: «المباحات يؤجر عليها بالنية إذا صارت وسائلَ للمقاصد الواجبة أو المندوبة أو تكميلًا» (^١)، وقال - أيضًا -: «طريقة النبي -ﷺ- الحنيفية السَّمحة، فيُفطر ليتقوى على الصوم، وينام ليتقوَّى على القيام، ويتزوج لكسر الشهوة وإعفاف النفس وتكثير النسل» (^٢).