قال (ص ٦٧) تحت عنوان: (ابن القيم والتكفير): «بما أن ابن القيم مقلد لابن تيمية،
_________________
(١) أخرجه البخاري (الصحيح مع الفتح ٨/ ١٧٦) (ح ٤٤٩٧).
(٢) أخرجه مسلم (١/ ٩٤) (ح ٩٣).
[ ١٩٩ ]
فهو تلميذه والناشر لعلومه؛ فلابد أن يكون في أبحاثه ومؤلفاته تكفير لبعض المسلمين، إن لم أقل لكثيرٍ من المسلمين، على سبيل المثال لا الحصر نجد ابن القيم ﵀ قد عقد فصلًا في نونيته بعنوان: (فصل في بيان المعطل مشرك!!)، ويقصد بالمعطلة هنا ما ذكره الشارح الدكتور محمد خليل هراس بأنهم: (الفلاسفة والمعتزلة والأشعرية والقرامطة)، فهناك خلط بين القرامطة والأشعرية، فضلًا عن الخلط بين المعتزلة والقرامطة.
يقول ابن القيم ﵀ وسامحه- في قصيدته النونية:
لكن أخو التعطيل من أخي … الإشراك بالْمَعقول والبرهان
إن الْمُعطل جاحد للذات أو … لكمالها هذان تعطيلان
والْمُشركون أخف فِي كفرانهم … وكلاهما من شيعة الشيطان
أقول: فهذا تكفير واضح لجمهور المسلمين؛ فإن الحنابلة قلة سواء في عصر ابن القيم أو قبله أو بعده، أغلب المسلمين إما أشاعرة، أو شيعة، أو معتزلة، وهم الذين يؤولون الصفات التي يُسميها ابن القيم (تعطيلًا)، ولهم حجج في هذا كما أن للمثبتين حججهم، لا يهمني استعراض هذه الحجج أو تلك، إنما يهمني أن أؤكدَ أن تكفير بعضهم لبعضٍ محرمٌ شرعًا».
وجوابه:
إن ابن القيم لم يكفر أحدًا من المسلمين حتى يدعي هذا الرجل أنه كفر جمهور المسلمين، وكلامه لا يدل على هذا، وإنما ذكر أن شرك التعطيل شر مِنْ شرك مَنْ جعل مع الله إلهًا آخر؛ لأن المعطل إما معطل لذات الله، أو معطل للأسماء والصفات
[ ٢٠٠ ]
المستلزمة كمال الذات، وهذا بخلاف المشرك في الألوهية؛ فإنه إن سلم من هذا التعطيل فهو دون المعطل؛ لأنه يثبت وجود الذات والأسماء والصفات، لكن يجعل لله شريكًا في عبادته.
وكلام ابن القيم هذا حق، وقد دلت عليه الأدلة النقلية والعقلية، وقد بسط الإمام ابن القيم هذا المعنَى أيضًا في الجواب الكافي (^١).
وهذا الكلام من الأحكام المطلقة التي لا تتنَزل على المعينين إلا بشروطٍ، كما أن الأحكام العامة المطلقة في الكتاب والسنة كذلك، فوجود التعطيل في طوائفَ من الأمة وأفرادها لا يستلزم الحكم على كل معينٍ من هؤلاء بمقتضى الحكم المطلق، إلا بعد قيام الحجة عليه واستيفاء شروط التكفير وانتفاء موانعه في حقه.
وقد سبق تقرير ذلك مفصلًا، وأنه من الأصول المعتبرة عند أهل التحقيق من أهل السنة (^٢).
وأصل الشبهة عند هذا الرجل وأمثاله -كما نبهت على هذا مرارًا- أنه لا يفرق بين إطلاقات العلماء العامة التي هي من قبيل (الحكم المطلق)، وبين تنزيل ذلك على المعينين الذي هو من قبيل (الحكم على المعين)، فيظن بهذا أن العلماء إذا أطلقوا هذه الأحكام العامة يعتقدون تكفير كل مَنْ تلبس بشيءٍ من تلك الأخطاء التي ذكروا حكمها على سبيل الإطلاق، ثم يرتب على هذا الفهم الخاطئ أن هؤلاء العلماء قد كفروا خلقًا كثيرًا من المسلمين، والعلماء يحتاطون لتكفير المعين وإن قام به الكفر فلا
_________________
(١) انظر: الجواب الكافي (ص ١٩٣ - ١٩٨).
(٢) انظر: (ص ٨١ - ٨٢، ١٠٥ - ١٠٦، ١٠٩ - ١١٠).
[ ٢٠١ ]
يكفرونه إلا بعد تحقق شروط التكفير في حقه وقيام الحجة عليه بذلك.
وهذه الشبهة التي عرضت لهذا الرجل شبهة قديمة قد وقع فيها خلق كثير قبله، فتوهموا من النصوص وكلام العلماء مثل ما توهم.
كما نبه على هذا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حيث يقول: «وسبب هذا التنازع: تعارض الأدلة؛ فإنهم يرون أدلة توجب إلحاق أحكام الكفر بهم، ثم إنهم يرون من الأعيان الذين قالوا تلك المقالات مَنْ قام به مِنَ الإيمان ما يمتنع أن يكون كافرًا، فيتعارض عندهم الدليلان.
وحقيقة الأمر:
أنهم أصابهم في ألفاظ العموم في كلام الأئمة ما أصاب الأولين في ألفاظ العموم في نصوص الشارع، كلما رأوهم قالوا: مَنْ قال كذا فهو كافر. اعتقد المستمع أن هذا اللفظ شامل لكل مَنْ قاله، ولم يتدبروا أن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين، وأن التكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع.
يبين هذا: أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات لم يكفروا أكثر مَنْ تكلم بهذا الكلام بعينه» (^١).
وبه اختتام هذا الرد على المالكي في كتابه: «مناهج التعليم، قراءة نقدية لمقررات التوحيد لمراحل التعليم العام».
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٢/ ٤٨٩).
[ ٢٠٢ ]
أسأل الله العظيم كمَا مَنَّ بإنجاز هذا العمل أن يجعله خالصًا لوجهه، وأن يكون مؤديًا لغرضه، نافعًا لِمَنْ يطلع عليه من المسلمين، والله تعالى أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه أجمعين.
كتبه
إبراهيم بن عامر الرحيلي
وكان الفراغ منه يوم الأحد
١٤/ ١١/ ١٤٢٥ هـ
[ ٢٠٣ ]