قال (ص ٤٢) تحت عنوان: (من نماذج الغلو: غلو العلماء المعاصرين في الأحكام ما يخص التعليم): «سأذكر النماذج دون الإشارة إلى أسماء قائليها؛ منعًا للإحراج؛ ولأن الهدف نقد الفكرة وليس نقد الأشخاص».
ومما ذكره قوله: «وفي فتاواهم التحريم والنهي عن كل العلوم غير الشرعية كالرسوم، والأشغال، والرياضة، والألعاب، والحقوق، والطبيعة، والتصوير …».
وقال: «وحرموا لعب الكرة للطلاب وغيرهم، وأنها سرت إلى المسلمين من الغرب، فلم تكن على عهد الخلفاء الراشدين، ولا ملوك المسلمين».
وقال: «وبالغوا في تحريم الدخان حتى أبلغوه لدرجة الخمر، وأنه مسكر كالخمر».
إلى غير ذلك مما ذكره من نماذج من هذا القبيل.
وجوابه من عدة وجوه:
الوجه الأول: نسبته هذه الأقوال التي ذكرها للعلماء المعاصرين من حيث العموم كقوله: (بالغوا)، و(أفتوا)، و(حرموا)، لا شك أنه من أعظم التلبيس والكذب على العلماء؛ فهذه الأقوال إن صحت نسبتها لبعض مَنْ نقلها عنهم، فهي في الحقيقة لا تمثل إلا آراء قائليها، فكيف يلزم بها عامة العلماء.
_________________
(١) انظر: (ص ١٣ - ١٨).
[ ١١٦ ]
الوجه الثاني: أنه لا يخفى تكلف الكاتب في التنقيب عن أخطاء لعلماء هذه البلاد في ثنايا الكتب.
ولهذا لما لم يجد ما يطعن به على العلماء من كتبهم الحديثة على كثرتها لجأ إلى التنقيب في بطون الكتب القديمة عن فتاوى قديمة لبعض العلماء؛ ليشنع بها على سائر علماء هذه البلاد ويلزمهم بها على سبيل التعميم.
الوجه الثالث: ما ادعاه من الإفتاء بتحريم العلوم غير الشرعية؛ كالرسوم والأشغال والرياضة، ليس صحيحًا، والفتاوى التي أحال عليها ليست صريحةً في تحريم هذه العلوم، وإنما فيها التحذير من التوسع فيها على حساب العلوم الدينية.
جاء في فتوى الشيخ عبد الله بن حميد في سياق ذكره أسباب ضعف الطلاب في المواد الدينية: «وما ذاك إلا بسبب هذه الفنون المعوقة؛ كالرسوم والأشغال والرياضة البدنية والألعاب الأخرى مع وجود عوامل أخرى» (^١).
فظاهر من كلام الشيخ ﵀ أنه لم يقطع بتحريم تعلم تلك الفنون، ولكن يشير إلى أن التوسع فيها مع أسبابٍ أخرى كانت من المعوقات عن طلب العلم، وهذا حق لا ينكره إلا مكابر.
وكذلك دعواه تحريم كرة القدم غير صحيحٍ، والموطن الذي أحال عليه من الدرر السنية (١٥/ ٢٠٠ - ٢٠٤) إنما تضمن النهي عن لعبة الكرة لما يصحبها من الأمور المنكرة كمزاولتها في أوقات الصلوات، أو ما يلحق لاعبيها من الأخطار على الأبدان، وكذلك تحيز بعض مشاهديها لبعض اللاعبين، وتجاوز ذلك إلى
_________________
(١) الدرر السنية (١٦/ ١٥).
[ ١١٧ ]
الاعتداء على الآخرين بالضرب وغيره بحسب ما جاء في فتوى لسماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ (١٥/ ٢٠١ - ٢٠٥).
ومعلوم أن نهي العالم عن شيءٍ لا يقتضي القطع بتحريمه؛ بل قد يكون للتنزيه، أو للتوجيه لما هو أولى، مع أن لعب كرة القدم وغيرها من الألعاب الأخرى متَى ما صاحبها شيءٌ من المخالفات الشرعية فلا شك في تحريمها لما أفضت إليه من المحرمات.
وأما دعواه مبالغة العلماء في تحريم الدخان حتى أوصلوه إلى درجة الخمر؛ فغير صحيحٍ على هذا الإطلاق، والموطن الذي أحال عليه من الدرر السنية (١٥/ ٥٩)، إنما جاء فيه ضمن فتوى لسماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀: «فأقول: لا ريب في خبث الدخان، وإسكاره أحيانًا وتفتيره، وتحريمه بالنقل الصحيح والعقل الصريح، وكلام الأطباء المعتبرين».
فالشيخ لم يقل بأنه مسكر، وإنما قال: «وإسكاره أحيانًا». ولعل هذا محمولٌ على ما إذا صنع من مادةٍ مسكرةٍ؛ فإن بعض أنواعه تصنع من مواد مسكرةٍ كالحشيش وأشباهه.
وبهذا يظهر تجني هذا الرجل على العلماء وكذبه عليهم فيما نسبه إليهم من أقوال وفتاوى لم تصدر منهم.
الوجه الرابع: أن هذه الفتاوى لو ثبت اشتمالها على أخطاء علميةٍ بحق؛ فقد كانت في وقتٍ قديمٍ لم تتحرر لقائليها صور تلك المسائل على الوجه الصحيح؛ لكونها من المسائل الطارئة في ذلك الوقت، فليس من الإنصاف تعميم الحكم في تلك المسائل على عامة العلماء -كما تقدم التنبيه على ذلك-، بل ليس من الإنصاف في حق قائلها تجاهل
[ ١١٨ ]
قوله الحديث في المسألة والتشنيع عليه بقولٍ قديمٍ قد يكون رجع عنه.
ومن هنا كان العلماء المحققون ينقلون مذهبَي الشافعي ﵀ (القديم والجديد)، فيقولون: «قال في القديم، وقال في الجديد»؛ تحريًا للدقة والإنصاف، خلافًا لهذا الكاتب الذي لم يقتصر على التشنيع على صاحب القول حتى عم بهذا سائر علماء هذه البلاد، فعليه من الله ما يستحق.