سلك الكاتب في تأليف كتابه منهجًا غريبًا عجيبًا، مما يدل على جهله بمبادئ وأصول البحث العلمي، وقواعده المتعارف عليها بين الباحثين المعاصرين.
ففي الصفحة الأولى من كتابه عقد عنوانًا جانبيًّا بقوله: (أولًا: أمور تمهيدية).
وقوله: (أولًا) هنا لا نجد لها في بحثه ثانيًا ولا ثالثًا، بل عقد في (ص ٦) عنوانًا بقوله: (صعوبات التجديد)، وفي (ص ٩) عقد عنوانًا: (الملحوظات العامة على مقررات التوحيد)، فلا يعلم هل هذه العناوين داخلة تحت الفقرة الأولى أم أنها مستقلة؟ فإن كانت مستقلة فَلِمَ لَم يجعلها مرَقمةً بعد قوله: (أولًا) في العنوان الأول؟
ثم في (ص ١١) عقد عنوانًا متوسطًا: (المبحث الأول في مفهوم التوحيد)، ثم ذكر تحته عنوانين جانبيين: (مفهوم التوحيد في اللغة)، و: (مفهوم التوحيد في القرآن الكريم)، ولم يذكر مفهومه في السنة، ولو قال: (مفهومه في الشرع) لم يطالب بهذا، لكن ذِكر مفهومه في القرآن يقتضي ذكر مفهومه في السنة، مع أن هذا من ناحية شرعية خاطئ، فلا يفرق بين القرآن والسنة في المفهوم الشرعي؛ ولهذا جرت عادة
[ ٢٣ ]
العلماء عند تفسير المفردات أن يذكروا معناها في اللغة، ثم في الشرع دون تفريق بين القرآن والسنة في هذا، وهذا مما لا يدركه المالكي الذي نصب نفسه مقومًا لمناهج التوحيد في عامة مراحل التعليم!!
ثم في (ص ١٣) عقد عنوانًا متوسطًا: (المبحث الثاني: النقد العام لمقررات التوحيد)، وفي (ص ١٧) عقد عنوانًا متوسطًا: (المبحث الثالث: نماذج الملحوظات التفصيلية على مقررات التوحيد).
وهذا المبحث الثالث الذي هو في (ص ١٧) هو آخر عهد الكاتب بذكر المباحث، في حين أن كتابه استغرق (٧٠) صفحة مع اشتماله على كثيرٍ من العناوين، كان من المتعارف عليه بحسب قواعد البحث العلمي أن تكون مباحث جديدة.
وفي (ص ٥٧) يفاجئ الكاتبُ القارئَ بعنوانٍ جانبِي في أسفل الصفحة: (الفصل الثالث: المسيرة تتواصل)، وهذا الفصل فصل يتيم في كتاب المالكي، لا نجد قبله ولا بعده ذكرًا لغيره، مع أنه يزعم أنه فصل ثالث، وإنما سبقه ثلاثة مباحث كما ذكرت سابقًا.
ثم قوله: (المسيرة تتواصل) معلوم لدى طلبة (المرحلة الثانوية في التعليم العام) الذين ينتقد مناهجهم أن مثل هذه الجملة لا تصلح عنوانًا في بحث علمي، فضلًا أن تكون عنوانًا للفصل الوحيد في كتاب المالكي.
وما بين (المباحث الثلاثة) المذكورة، و(الفصل الثالث) نجد الكاتب يعرض عن تقسيم بحثه إلى مباحثَ أو فصولٍ، ويعدل عن ذلك كله للترقيم؛ ففي صفحة
(٤٠) يعقد عنوانًا جانبيًّا في أعلى الصفحة: (١ - الجذور الفكرية للمناهج التعليمية) ثم لا نجد بعد الرقم (١) هنا في هذا العنوان ذكرًا لرقم آخر في الكتاب كله كأن يُعَنون لفقرات أخرى بقوله: (٣)، (٤) …
[ ٢٤ ]
وتحت عنوانه المذكور: (الجذور الفكرية للمناهج التعليمية) بدأ يعدد الجذور الفكرية بحسب زعمه، فذكر في (ص ٤١): (الجذر الأول: العلماء المعاصرون)، وفي (ص ٤٤): (الجذر الثاني: كتب ورسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب)، ثم تحت الجذر الثاني -بزعمه- بدأ يذكر عدة نماذج؛ ففي (ص ٤٤) قال: (النموذج الأول …)، وفي (ص ٤٥) قال: (النموذج الثاني)، وفي (ص ٤٦) قال: «الجذر الثالث: المسلمون ينكرون البعث. (كتب ورسائل علماء الدعوة)»، ثم في الصفحة نفسها رجع لذكر (النماذج التعليمية المتعلقة بالجذر الثاني)، فذكر (النموذج الرابع والخامس، والسادس، والسابع …) إلخ.
فجعل ما ادعى أنه (جذر ثالث) مقحم بين نماذج (الجذر الثاني) بزعمه، وبهذا يظهر جهل الكاتب بأدنَى أصول وقواعد البحث العلمي، وعجزه عن تقسيم كتابه تقسيمًا منهجيًّا صحيحًا، موافقًا لقواعد البحث العلمي.
وإنما انتقدتُه في هذا؛ لأن المقام يقتضيه؛ وذلك أن هذا الجاهل عندما نصب نفسه مقومًا لمناهج التوحيد، كان على أضعف تقديرٍ أن يكون ملمًّا بقواعد البحث العلمي التي يحتاج إليها الناقد في هذا المقام، وأما أن يكون مفلسًا من العلم جاهلًا بهذا الباب، فهذا من أعظم البلايا وأشد الرزايا.
والكاتب مع كل هذا لم يسلم من التلبيس والتدليس على القارئ عندما ألحق بكتابه هذا تسع صفحات تحت عنوان: (التكفير والتبديع في كتب الحنابلة)، وقد نقلها بنصها من كتابه: «قراءة في كتب العقائد»، وهي في كتابه هذا (ص ٦١ - ٦٩)، وفي كتابه: «قراءة في كتب العقائد» من (ص ١٠٥ - ١٢١)، -وقد سبق أن نوهت عن هذا-، وهذا إنما يسلكه للتكثير من عدد المؤلفات، وإيهام الناس بأن في هذا
[ ٢٥ ]
الكتاب غير الذي في الآخر، وإنما هو تكرار لأباطيله وأكاذيبه السابقة.