قال (ص ٤٤): «النموذج الأول: علماء نجد وقضاتها كانوا يعبدون الأصنام!! هذا لازم قول الشيخ محمد وإن لم يكن صريحه؛ فالشيخ محمد بن عبد الوهاب يكفر كل علماء نجد الذين عاصرهم وشيوخهم وشيوخ شيوخهم، ويرى أنهم لا يعرفون معنى: (لا إله إلا الله) ولا دين الإسلام
والدليل على ثبوت ذلك عن الشيخ في قوله كما في الدرر السنية (١٠/ ٥١): لقد طلبت العلم واعتقد من عرفني أن لي معرفة، وأنا في ذلك الوقت لا أعرف معنى (لا إله إلا الله)، ولا أعرف دين الإسلام! قبل هذا الخير الذي مَنَّ الله به، وكذلك مشايخي ما منهم رجل عرف ذلك، فمن زعم من علماء العارض أنه عرف معنى (لا إله إلا الله) أو عرف معنَى الإسلام قبل هذا الوقت! أو زعم من مشايخه أن أحدًا عرف ذلك فقد كذب وافترى، ولبس على الناس أو مدح نفسه بما ليس فيه».
ثم قال (ص ٤٥): «أقول: لا ريب عندي وعند كل منصفٍ -إن شاء الله- أن هذا فيه تكفير صريح للصفوة من علماء، وقضاة أهل نجد، وشيوخهم، وشيوخ شيوخهم فكيف بالعوام؟ …» إلى آخر كلامه.
[ ١٢٢ ]
وجوابه:
أنه أقر بأن ما نسبه إلى الشيخ محمد ﵀ (من أن علماء نجد وقضاتها كانوا يعبدون الأصنام)، ليس هو صريح قول الشيخ، وإنما لازم قوله، والمقرر عند العلماء: أن لازم المذهب أو القول ليس بمذهب إلا إذا التزمه صاحب القول.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وأما قول السائل: هل لازم المذهب مذهب، أم ليس بمذهب؟
فالصواب: أن (^١) مذهب الإنسان ليس بمذهب له إذا لم يلتزمه، فإنه إذا كان أنكره ونفاه كانت إضافته إليه كذبًا عليه» (^٢).
وعلى هذا، يكون هذا الكاتب كاذبًا فيما نسبه إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب على ما قرره شيخ الإسلام هنا.
هذا مع أنه لا يسلم له أن ما ادعاه هو لازم قول الشيخ ﵀؛ وإنما غاية ما جاء في كلام الشيخ الذي نقله هو فشو الجهل في ذلك الزمان بمعنى: (لا إله إلا الله)، وحقيقة التوحيد؛ حتى إن المشايخ الذين ينتسبون للعلم ويقومون بالتدريس ما عرفوا ذلك.
وهذا لا يستلزم تكفيرهم والحكم بخروجهم من الدين؛ لجهلهم بحقيقة الدين، فضلًا أن يدعي أن لازم قول الشيخ هنا أنهم عبدة للأصنام؛ بل ظاهر من كلام
_________________
(١) هكذا في المصدر، والذي يظهر من السياق أنه سقطت كلمة: (لازم)، فيكون الصواب: «أن لازم مذهب الإنسان …»، والله أعلم.
(٢) مجموع الفتاوى (٢٠/ ٢١٧).
[ ١٢٣ ]
الشيخ عدم تكفيره لهم؛ لكونهم من أهل الجهل الذين لم يميزوا بين دين النبي ﷺ ودين المشركين، ومن كانت هذا حاله لا يكفر حتى يعلم وتقوم عليه الحجة.
وهذا أمر مقرر عند الشيخ ﵀ وغيره من العلماء.
يقول ﵀: «وأما ما ذكره الأعداء عني أني أكفر بالظن وبالموالاة أو أكفر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة، فهذا بهتان عظيم يريدون به تنفير الناس عن دين الله ورسوله» (^١).
ويقول أيضًا: «وأما التكفير فأنا أكفر مَنْ عرف دين الرسول ثم بعدما عرفه سبه ونهى الناس عنه، وعادى مَنْ فعله، فهذا الذي أكفر، وأكثر الأمة -ولله الحمد- ليسوا كذلك» (^٢).
وفي كلام الشيخ ﵀ هنا وغيره مما هو في معناه مما جاء في كتبه دحض لهذه الفرية من أصلها، وبيان براءة الشيخ من تكفير مَنْ لا يستحق الكفر من المسلمين، بل براءته من تكفير مَنْ قام به قول أو فعل مكفر ولم تقم عليه الحجة بذلك، كما صرح به أنه: «لا يكفر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة»، وإنما يكفر «مَنْ عرف دين الرسول ثم بعدما عرفه سبه ونهى عنه».