قال المالكي (ص ٤٧): «تكفير مَنْ سب صحابيًّا (١٠/ ٣٦٩).
وهذا غير صحيح؛ فالإمام علي لم يكفر الخوارج، وهم يكفرونه ويسبونه، وكذلك أبو بكر الصديق ثبت عنه في مسنده في المسند بسندٍ صحيحٍ النهي عن إيذاء مَنْ يسبه، ثم لماذا يجعلون سب الصحابي كفرًا وهم يدافعون عن معاوية، وقد كان يسب عليًّا؟ ألم يثبت في صحيح مسلم أمره بسب علي بن أبي طالب ﵁، أم أنه حمى علي مباحة، وحمى غيره مصونة؟ ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾» [الصافات: ١٥٤، والقلم: ٣٦].
وجوابه:
أن دعواه تكفير الشيخ محمد (لِمَنْ سب صحابيًّا)، في الموطن الذي أحال إليه، وهو (الدرر السنية: ١٠/ ٣٦٩)، غير صحيحٍ.
وهاهو ذا النص الذي بنَى كلامه عليه: قال: «مَنْ سب الصحابة، أو أحدًا منهم، أو اقترن بسبه دعوى أن عليًّا إله أو نبي، أو أن جبريل غلط؛ فلا شك في كفر هذا …».
وهذا الموطن من (الدرر السنية) ليس هو من كلام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀، وإنما هو من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ نقله عنه الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين ﵀، في معرض جوابه عن سؤال ورد عليه عن معنَى كلام منقول عن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وهذا الموطن الذي نقله الشيخ (أبا بطين) عن شيخ الإسلام ابن تيمية موجود في كتاب: «الصارم المسلول» لشيخ الإسلام ابن تيمية.
[ ١٤٠ ]
ونصه: «أما مَنْ اقترنَ بسبه دعوى أن عليًّا إِلَهٌ، أو أنه كان هو النبِي وإنما غلط جبرئيل في الرسالة، فهذا لا شك في كفره، بل لا شك في كفر مَنْ توقف في تكفيره» (^١).
فظاهر من كلام شيخ الإسلام ﵀ أن القطع بكفر مَنْ سب الصحابة إنما هو في حق مَنْ اقترن سبه للصحابة بما ذكر من دعوى ألوهية علي أو نبوته، وهذا مِما لا شك في كفره.
والنقل الموجود في الدرر السنية الذي يظهر أنه حصل فيه تصحيف، إما عند طباعة الكتاب، أو في أصل النسخة الخطية؛ حيث جاء النقل هكذا: «مَنْ سَب الصحابة، أو أحدًا منهم، أوِ اقترن بسبه دعوى أن عليًّا إِلَهٌ أو نَبِي …». إلخ.
فأوهم هذا القطع تكفير مَنْ سب الصحابة أو أحدًا منهم، سواء اقترن السب بما ذكر أم لم يقترن؛ فإن (أو) تدل على التخيير، كما هو معلومٌ عند النحاة.
وهذا مخالفٌ لكلام شيخ الإسلام الذي هو صريحٌ في أن القطع بكفر الساب إنما هو في حال اقتران السب بما ذكر.
وعلى كل حالٍ؛ فشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب مما لا شأن له بكل هذا، لا مِنْ قريبٍ أو بعيدٍ.
وبهذا يظهر كذب المالكي على الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀؛ حيث ذكر هذا الموطن ضمن النماذج المنتقدة على الشيخ محمد، وليس هو من كلامه أصلًا.
والمقصود هنا: تحرير هذا الموطن، وبيان أنه ليس من كلام شيخ الإسلام
_________________
(١) الصارم المسلول (ص ٥٨٦).
[ ١٤١ ]