يقول الكاتب (ص ٤٦): «النموذج السابع: تكفير الإمامية:
تكفير الإمامية ومَن شك في كفرهم فهو كافر (١٠/ ٣٦٩)، نقل هذا عن المقدسي وأقره، مع أن ابن تيمية له كلام صريح بأن هؤلاء مبتدعة وليسوا كفارًا، لكن الشيخ ﵀ يجمع الشدائد، وتكفير الإمامية سهل إذا عرفنا أن الشيخ يكفر كل المتكلمين، ومنهم الأشاعرة، ويكفر العلماء والقضاة من أتباع المذاهب الأربعة».
وجوابه:
أن هذا الموطن الذي انتقده المالكي ليس من كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وإنما جاء ضمن فتوى للشيخ (عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين)، وتقع هذه الفتوى في (المجلد العاشر/ الدرر السنية) من (ص ٣٦٠ إلى ٣٧٥)، وموطن نقده جاء في (ص ٣٦٩)، وبهذا يتبين عدم تثبته في نقده -هذا مع حسن الظن به! - أما إن كان متعمدًا نقد الشيخ محمد بكلام غيره فالأمر أدهى وأمر، ومع هذا فما انتقده على كلام الشيخ (أبا بطين) ليس بصحيحٍ.
[ ١٣٣ ]
والرد عليه من عدة وجوه:
الوجه الأول: أن النقل الذي أشار إليه ليس فيه ذكر للإمامية، وهذا لفظه: «مَنْ زعم أن الصحابة ارتدوا بعد رسول الله ﷺ إلا نفرًا قليلًا لا يبلغون بضعة عشر، أو أنهم فسقوا فلا ريب في كفر قائل ذلك، بل مَنْ شك في كفره فهو كافر» (^١).
والقول بردة الصحابة إلا قليلًا منهم، وإن كان هو عقيدة الرافضة الإمامية، إلا أنه ليس في هذا الموطن تصريح بالإمامية؛ فيظهر كذب الكاتب فيما ادعاه.
الوجه الثاني: أن تكفير الرافضة ليس مما يشنع به على الشيخ محمد ولا على الشيخ (أبا بطين) ولا غيرهما من العلماء، بل القول بكفرهم هو الحق الذي لا شك فيه؛ لمناقضة أقوالهم لأصل الدين من وجوه كثيرة.
ومن ذلك: اعتقادهم تحريف القرآن.
يقول المفيد -أحد كبار أئمتهم في القرن الخامس-: «إن الأخبار جاءت مستفيضةً عن أئمة الهدى من آل محمد باختلاف القرآن وما أحدثه بعض الظالمين فيه من الحذف والنقصان» (^٢).
ومن عقائدهم المكفرة: غلوهم في الأئمة حتى أنزلوهم منزلة الرب T، ومما جاء في كتبهم ما ذكره الصفار في كتاب: (بصائر الدرجات) فيما نسبه لعلي أنه قال: «أنا عين الله، وأنا يد الله، وأنا جنب الله، وأنا باب الله» (^٣).
_________________
(١) الدرر السنية (١٠/ ٣٦٩).
(٢) أوائل المقالات (ص ٩١).
(٣) بصائر الدرجات (ص ٨١).
[ ١٣٤ ]
وفي كتاب (علم اليقين) ما نسبوه لابن عباس أنه قال: «إن الله تعالى يوم القيامة يولي محمدًا حساب النبِيين، ويولي عليًّا حساب الخلق أجمعين» (^١).
وجاء في (كتاب الكافي) -وهو من أصح كتبهم عندهم- تحت باب: «إن الأئمة ﵈ يعلمون علم ما كان وما يكون، وأنه لا يخفى عليهم شيءٌ -صلوات الله عليهم-»: «عن أبي عبد الله أنه قال: ورب الكعبة، ورب البنية (أي: الكعبة)، ثلاث مراتٍ، لو كنت بين موسى والخضر لأخبرتُهما أني أعلم منهما، ولأَنبَأتُهما بِما ليس في أيدهما؛ لأن موسى والخضر ﵉ أُعطِيَا علم ما كان، ولم يُعطَيا علمَ ما يكون وما هو كائن حتى تقوم الساعة، وقد ورثناه من رسول الله ﷺ وراثةً» (^٢).
ويقول الخميني: «فإن للإمام مقامًا محمودًا، ودرجةً ساميةً، وخلافة تكوينية تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرات هذا الكون، وإن من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقامًا لا يبلغه ملَكٌ مقربٌ، ولا نَبِي مرسَلٌ» (^٣).
ومن عقائدهم الباطلة المخرجة من الملة: اعتقادهم كفر الصحابة إلا نفرًا يسيرًا منهم.
على ما جاء في الكافي فيما -نسبوه إلى أبي جعفر- أنه قال: «كان الناس أهل ردة بعد النبِي ﷺ إلا ثلاثة. فقلت: وَمَنْ الثلاثة؟ فقال: المقداد بن الأسود، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، رحمة الله وبركاته عليهم، ثم عرف أناسٌ بعد يسير،
_________________
(١) علم اليقين (٢/ ٦٠٥).
(٢) أصول الكافي (١/ ٢٦١).
(٣) الحكومة الإسلامية (ص ٥٢).
[ ١٣٥ ]
وقال: هؤلاء الذين دارت عليهم الرحا، وأبَوا أن يبايعوا حتى جاءوا بأمير المؤمنين مكرهًا فبايع» (^١).
إلى غير ذلك من أقوالهم المكفرة التي لا يشك أحدٌ من أهل العلم أنها كُفرٌ بينٌ من غير ترددٍ.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «والصحيح أن هذه الأقوال التي يقولونها التي يعلم أنها مخالفة لما جاء به الرسول ﷺ كُفرٌ، وكذلك أفعالهم التي هي من جنس أفعال الكفار بالمسلمين هي كفر أيضًا» (^٢).
ولهذا لا يعرف عالم بالكتاب والسنة إلا وهو يكفرهم، وأما مَنْ لم يكفرهم من العلماء؛ فلأنه لم يطلع على أقوالهم وعقيدتهم.
وإنما استعظم المالكي القول بكفرهم لشدة ميله لهم، بل تشبثه بعقيدتهم المنحرفة، كما تقدم تقرير ذلك في صدر هذا الكتاب.
الوجه الثالث: دعوى الكاتب أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب نقل القول بتكفير الإمامية عن المقدسي، ومخالفة شيخ الإسلام له كذب وباطل، فإن الكلام أصلًا ليس للشيخ محمد، وإنما هو للشيخ عبد الله أبا بطين، كما تقدم التنبيه عليه.
وأيضًا: فالكلام المشار إليه -والذي تقدم نقله في الوجه الأول- ليس من كلام ابن قدامة كما زعم؛ بل نقله الشيخ (أبا بطين) عن شيخ الإسلام ابن تيمية وهو موجود بنصه في آخر كتاب: «الصارم المسلول على شاتم الرسول» (^٣)، لشيخ الإسلام ابن تيمية.
فليتأمل القارئ عظيم خذلان الكاتب عندما انتقد هذا النقل بكلام شيخ الإسلام، وهو من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية.
_________________
(١) الروضة من الكافي (٨/ ٢٤٥ - ٢٤٦).
(٢) مجموع الفتاوى (٢٨/ ٥٠٠).
(٣) انظر: الصارم المسلول (ص ٥٨٦).
[ ١٣٦ ]
الوجه الرابع: دعوى الكاتب أن الشيخ محمدًا يكفر المتكلمين ومنهم الأشاعرة ..».
كذب وبهتان، فأين موطن هذا من كتب الشيخ؟
﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١، والنمل: ٦٤].
وقد تقدم في ثنايا هذا الرد النقل عن الشيخ ﵀ أنه لا يكفر إلا مَنْ دلت النصوص على كفره وقد قامت عليه الحجة بذلك؛ بل صرح بأنه لا يكفر «إلا مَنْ عرف دين الرسول، ثم بعدما عرفه سبه ونهى الناس عنه» (^١).
وأما الأشاعرة، فهم وإن وقعوا في البدع، وانحرفوا عن طريقة أهل السنة في باب الصفات وغيره إلا أن الشيخ لم يكفرهم، بل كان يصفهم عند ذكرهم بالبدعة، وهذا هو الذي درج عليه أئمة أهل السنة قبل الشيخ، وبعده أنهم يبدعون الأشاعرة ولا يكفرونهم.
يقول الشيخ محمد ﵀ في سياق رده على بعض المخالفين: «وقوله أيضًا: ويثبتون ما أثبته الرسول ﷺ: السمع، والبصر، والحياة، والقدرة، والإرادة، والعلم، والكلام … إلى آخره، وهذا أيضًا من أعجب جهله، وذلك أن هذا مذهب طائفة من المبتدعة يثبتون الصفات السبع وينفون ما عداها ولو كان في كتاب الله ويؤولونه» (^٢).
فوصف أصحاب هذا المذهب وهو (مذهب الأشاعرة) بأنهم «طائفة من
_________________
(١) انظر: (ص ١٢٤، ١٢٨) من هذا الكتاب.
(٢) مجموع مؤلفات الشيخ (٣/ ٧٤).
[ ١٣٧ ]
المبتدعة»، ولم يقل: «من الكفار»، وفي هذا دليل على عدم تكفيره للأشاعرة، والشواهد من كلامه في هذا المعنَى كثيرة.
الوجه الخامس: دعوى الكاتب أن الشيخ ﵀ يكفر العلماء والقضاة من أتباع المذاهب الأربعة.
هذا من أبطل الباطل؛ فالشيخ ﵀ متبع للأئمة الأربعة، كما صرح بذلك في قوله: «فنحن مقلدون الكتاب والسنة، وصالح سلف الأمة، وما عليه الاعتماد من أقوال الأئمة الأربعة؛ أبي حنيفة النعمان بن ثابت ومالك بن أنس، ومحمد بن إدريس وأحمد بن حنبل ﵏» (^١).
فكيف يعقل بعد هذا أن يكفر الشيخ أتباع الأئمة الأربعة وهو منهم؟!
وقد كان الشيخ ﵀ يعتني بكتب العلماء المتأخرين من أتباع الأئمة الأربعة، وأهل الحديث ويأخذ ما وافق الحق منها.
يقول ﵀: «وأما المتأخرون-﵏ فكتبهم عندنا فنعمل بما وافق النص منها، وما لا يوافق النص لا نعمل به» (^٢).
وكان ﵀ يطلب من مخالفيه مناظرتهم بكلام علماء مذاهبهم الفقهية، فيقول: «قلت لهم: أنا أخاصم الحنفي بكلام المتأخرين من الحنفية، والمالكي والشافعي والحنبلي، كُلٌّ أخاصمه بكتب المتأخرين من علمائهم الذين يعتمدون عليهم، فلما أبوا ذلك نقلت كلام العلماء من كل مذهب لأهله وذكرت كل ما قالوه» (^٣).
_________________
(١) مجموع مؤلفات الشيخ (٣/ ٥٥)، والدرر السنية (١/ ٩٧).
(٢) مجموع مؤلفات الشيخ (٣/ ٥٨)، والدرر السنية (١/ ١٠٠).
(٣) مجموع مؤلفات الشيخ (٣/ ٨٨).
[ ١٣٨ ]
ويقول ﵀: «ولا يخفاك أني أعرض على أهل الأحساء وغيرهم وأقول: كل إنسانٍ أجادله بمذهبٍ: إن كان شافعيًّا فبكلام الشافعية، وإن مالكيًّا فبكلام المالكية، أو حنبليًّا أو حنفيًّا فكذلك، فإذا أرسلت إليهم ذلك عدلوا عن الجواب؛ لأنهم يعرفون أني على الحق وهم على الباطل، وإنما يمنعهم من الانقياد التكبر والعناد» (^١).
ويستفاد من كلام الشيخ هذا عدة فوائد:
الأولى: براءة الشيخ مما رماه به هذا الأفاك من تكفير أتباع الأئمة الأربعة، لعنايته بكتبهم واقتنائها، فما كان ليفعل ذلك لو كان يرى تضليلهم فضلًا أن يعتقد تكفيرهم.
الثانية: سعة اطلاعه على كلام العلماء من أتباع الأئمة الأربعة، ويظهر ذلك من محاجته أصحاب كل مذهبٍ بكلام علمائهم، وعدم مقدرة الخصوم على مناظرته في ذلك، وهذا مما يؤكد براءته من تهمة تكفيرهم؛ إذ كيف يكفر مَنْ تكون له هذا العناية البالغة بكتبهم وهو يحاج بكلامهم في تقرير مذهبه على خصومه؟!
الثالثة: أن الغالب على أتباع الأئمة الأربعة أنهم على السنة، خصوصًا المتقدمين منهم، وأن الانحراف عن السنة إنما نشأ من قبل بعض المتأخرين الذين كانوا ينتسبون لبعض المذاهب الفقهية، مع جهلهم بطريقة أئمة المذهب المنتسبين إليه؛ ولذا كان الشيخ ﵀ يرد على هؤلاء المخالفين بكلام أئمتهم الذين كانوا على السنة والحق.
_________________
(١) مجموع مؤلفات الشيخ (٣/ ٨٠).
[ ١٣٩ ]