قال المالكي (ص ٤٧): «النموذج العاشر: تكفير البدو:
تكفير البدو (١٠/ ١١٣، ١١٤)، (٨/ ١١٩، ١١٨، ١١٧)، وأنهم أكفر من
[ ١٤٨ ]
اليهود والنصارى، وأنه ليس عندهم من الإسلام شعرة، وإن نطقوا بالشهادتين. انظر: الدرر السنية (٩/ ٢، ٢٣٨)».
وجوابه:
أن الشيخ ﵀ لم يكفر من البوادي إلا مَنْ أظهر الكفر الصريح، مما لا يتنازع فيه اثنان من العلماء أنه كفر.
وقد كان الشيخ ﵀ يرد في المواطن التي أحال عليها المالكي من الدرر السنية على بعض علماء السوء الذين كانوا يقرون بما كان عليه الكثير من البوادي من الكفر والشرك وعبادة غير الله، ثم يزعمون أنهم لا يكفرون بذلك؛ لأنهم يقولون: لا إله إلا الله.
يقول الشيخ ﵀: «فلما بينت ما صَرَحت به آياتُ التنزيل وعَلمَه الرسول ﵌ أمتَه، وأجمع عليه العلماء: أن مَنْ أنكر البعث أو شك فيه، أو سب الشرع، أو سب الأذان إذا سمعه، أو فضل فرائض الطاغوت على حكم الله، أو سب مَنْ زعم أن المرأة ترث، أو أن الإنسان لا يؤخذ في القتل بجريرة أبيه وابنه: أنه كافر مرتد، قال علماؤكم: معلوم أن هذا حال البوادي لا ننكره، ولكن يقولون: لا إله إلا الله، وهي تحميهم من الكفر، ولو فعلوا ذلك».
فهذا هو الموطن الأول الذي انتقده المالكي على الشيخ محمد وزعم فيه أن الشيخ قد كفر فيه البوادي، موهمًا أن تكفيره إياهم كان بغير حق وإنما لجهلهم بالدين.
وأما الموطن الثاني وهو بحسب ما جاء في الدرر (٨/ ١١٧، ١١٨) يقول الشيخ ﵀: «أعظم من ذلك وأكبر تصريحهم -أي: العلماء- بأن البوادي ليس
[ ١٤٩ ]
معهم من الإسلام شعرة، ولكن يقولون: لا إله إلا الله، وهم بهذه اللفظة إسلام، وحرم الإسلام مالهم ودمهم، مع إقرارهم أنهم تركوا الإسلام، وتفضيلهم دين آبائهم مخالفًا لدين النبِي ﵌، مع هذا يصرح هؤلاء الشياطين المردة الجهلة أن البدو إسلام، ولو جرى منهم ذلك كله؛ لأنهم يقولون: لا إله إلا الله أيضًا».
وهذا الموطن كسابقه في أن الشيخ لم يكفر إلا مَنْ ظهرت عليه علامات الردة الصريحة عن الإسلام على ما ذكره من صورٍ وأمثلةٍ لذلك.
وهنا ألفت النظر إلى ما زعمه المالكي من أن الشيخ يقول في البوادي: (ليس عندهم من الإسلام شعرة)، فإن هذه اللفظة كما تقدم في النص ليست من كلام الشيخ، وإنما نقلها الشيخ عن العلماء الموالين للبوادي أنهم صرحوا بذلك في البوادي الموالين لهم، فأخذ المالكي هذه الجملة وزعم أنها من كلام الشيخ ليشنع بها عليه، وفي الحقيقة هي من شهادة العلماء على أولئك البوادي، وهي حجة للشيخ لا عليه.
فهذه أجوبة بعض ما ادعاه المالكي من نماذج من كلام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ زاعمًا دلالتها على تكفير الشيخ للمسلمين، وقد اكتفيت بالرد عليها دون غيرها من نماذج أخرى زعم دلالاتها على ما ذكر، طلبًا للاختصار وعدم إثقال القارئ بذلك، ولأن ما بقي من النماذج التي ذكر داخلة في معنَى ما رددت عليه فيها، ولا تخرج عنها من حيث الجملة، فما أجيب به عن هذه هو جواب عن تلك.
ومن أمثلة ذلك: ما ذكره في النماذج (الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر، والرابع عشر) مما ادعاه من تكفير الشيخ لبعض القبائل بأعيانها من البادية؛ فهي في الحقيقة داخلة في عموم ما ذكر من الحكم على البادية في ذلك الوقت، ولكن
[ ١٥٠ ]
المالكي بطريقته هذه يريد تكثير الأمثلة والنماذج في نقد الشيخ؛ ليلبس بذلك على الناس موهمًا كثرة أخطاء الشيخ، ولكن يأبى الله إلا أن يحق الحق.
وإن مما يلفت النظر ويدل على خذلان المالكي: أنه بعدما أورد النماذج التي ادعى دلالاتها على تكفير الشيخ محمد للمسلمين أورد نماذج أُخرى من أقوال الشيخ تحت عنوان: (هل تناقض الشيخ) وذلك (ص ٥٥) من كتابه.
وهذه النماذج تتضمن نقولًا مهمة من كتب الشيخ في براءته من التكفير وبطلان ما ادعاه عليه خصومه من تكفير المسلمين، فيكون المالكي بهذا قد رد على نفسه بنفسه، وأظهر الله الحق على يده رغم أنفه، ونكث ما أبرمه من مكرٍ وخديعةٍ وهو لا يشعر ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢].
اتهام المالكي أئمة الدعوة بعد الشيخ محمد بتكفير المسلمين، والرد عليه:
زعم المالكي في (ص ٥٧، ٥٨) تحت عنوان: (المسيرة تتواصل) أن تلاميذ الشيخ ومقلديه واصلوا تكفير المسلمين بعده.
ومما ذكره من الأمثلة لذلك بزعمه:
- تكفير مَنْ وافق أهل بلده -كالحجاز أو اليمن أو الشام- ولو كان في الباطن محبًّا للوهابية مبغضًا لقومه (٨/ ١٢١)، جاء هذا على لسان سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب.
- تكفير ابن عربي وابن الفارض وأنهما من أكفر أهل الأرض، كما في الدرر (٨/ ٣٦٦)، وهذا عند الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن.
- التصريح بأن مكة والمدينة ديار كفرٍ. الدرر (٩/ ٢٨٥).
[ ١٥١ ]
- تكفير قبيلة قحطان. الدرر (١٠/ ٥٠٣)، وهذا عند ابن سحمان.
- تكفير قبيلة العجمان. الدرر (١٠/ ٥٠٣)، وهذا عند ابن سحمان أيضًا.
- تكفير أهل حايل. الدرر (٩/ ٢٩٢، ٢٩١) وأن جهادهم أفضل الجهاد.
- تكفير الإباضية. الدرر (١٠/ ٤٣١، ٤٣٨)، عند عبد الله بن عبد اللطيف.
والرد عليه من وجهين: أحدهما مجمل، والآخر مفصل:
أما المجمل: فيقال له: إن إطلاق الكفر على فعلٍ أو قولٍ دلت النصوص على أنه كفر مما لا يُقدَح به على عالمٍ، بل هو حق؛ كيف لا وقد جاءت النصوص به كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥١].
وقول النبِي ﵌: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة؛ فَمَنْ تركها فقد كفر» (^١).
ومن هذا القبيل: ما جاء عن السلف من إطلاق الكفر على بعض الأعمال المكفرة كقول سفيان بن عيينة ﵀: «القرآن كلام الله ﷿، مَنْ قال مخلوق فهو كافر، ومَن شك في كفره فهو كافر» (^٢).
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في المسند (٣٨/ ٢٠)، (ح ٢٢٩٣٧)، والترمذي (٥/ ١٤)، وقال: حديث حسن صحيح (٥/ ٦)، وابن ماجه (١/ ٣٤٢)، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبِي. المستدرك مع التلخيص (١/ ٤٨)، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه (١/ ١٧٧)، (ح ٨٨٤).
(٢) رواه عبد الله بن أحمد في السنة (١/ ١١٢).
[ ١٥٢ ]
وإطلاق القول بتكفير مَنْ قال: القرآن مخلوق ثابت عن طائفةٍ كبيرةٍ من السلف (^١).
وكذلك تكفير بعض السلف مَنْ أنكر القدر كقول ابن عباس: «كلام القدرية كفر» (^٢).
وكلامهم في هذا كثير مشهور عند أهل العلم.
والمقصود: أن النصوص قد جاءت وكذلك أقوال السلف بإطلاق الكفر على بعض الأعمال المكفرة، ولكن هذا لا يستلزم تكفير مَنْ قام به هذا العمل المكفر من المعينين حتى تقام عليه الحجة وتتحقق فيه شروط تكفير المعين.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «والتحقيق في هذا: أن القول قد يكون كفرًا كمقالات الجهمية الذين قالوا: إن الله لا يتكلم، ولا يُرَى في الآخرة، ولكن قد يخفى على بعض الناس أنه كفر، فيطلق القول بتكفير القائل كما قال السلف: مَنْ قال: القرآن مخلوق فهو كافر، ومَن قال: إن الله لا يُرَى في الآخرة فهو كافر، ولا يكفر الشخص المعين حتى تقوم عليه الحجة» (^٣).
والتكفير المطلق له مرتبتان (^٤): تكفير بالوصف الأعم؛ كأن يقال: مَنْ قال القرآن مخلوق فهو كافر، وتكفير بالوصف الأخص؛ كأن يقال: الجهمية كفار.
_________________
(١) انظر الآثار في هذا في: الشريعة للآجري (ص ٧٩ - ٨٢)، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (٢/ ٢٥١، ٢٥٢).
(٢) رواه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٤/ ٦٤٤).
(٣) مجموع الفتاوى (٧/ ٦١٩).
(٤) انظر: إحياء علوم الدين للغزالي (٣/ ١٢٣).
[ ١٥٣ ]
وعلى هذا، فإن العلماء إذا أطلقوا القول بتكفير طائفةٍ اشتهرت بقولٍ مكفرٍ لا يستلزم تكفير كل فردٍ من هذه الطائفة.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «مع أن أحمد لم يكفر أعيان الجهمية، ولا كل مَنْ قال إنه جهمي كفره، ولا كل مَنْ وافق الجهمية في بعض بدعهم، بل صلى خلف الجهمية» (^١).
وبهذا يعلم أن ما وجد في كتب العلماء أو ما نقل عنهم من تكفير طائفةٍ من الطوائف المتلبسة ببعض الأقوال أو الأعمال المكفرة أنه لا يستلزم تكفير ذلك العالم لكل فردٍ من أفراد هذه الطائفة حتى تقوم عليهم الحجة، كما أنه من باب أولى إذا ما أطلق ذلك العالم الكفر على فعلٍ أو قولٍ ما ألا يستلزم تكفير مَنْ فعله أو قال به إلا بعد قيام الحجة على ذلك المعين.
وما يشنع به المالكي على الشيخ محمد بن عبد الوهاب وتلاميذه من بعده مدعيًا تكفيرهم للمسلمين كثير منه هو من هذا الباب، لكن هذا الجاهل لما جهل طريقة العلماء في ذلك ظن أن هذا يستلزم تكفير المعين؛ فجمع بين الجهل بمذهبهم وكلامهم وبين الكذب عليهم واتهامهم.
أما الرد المفصل:
فما ذكره من أمثلة لما ادعاه من تكفير أولئك العلماء للمسلمين فغير صحيحٍ، فإما أن يكون من قِبَل التكفير المطلق، وإما أن يكون لبعض المعينين المستحقين لذلك الحكم.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٧/ ٥٠٧).
[ ١٥٤ ]
وبيان ذلك:
أن دعواه تكفير الشيخ سليمان بن عبد الله لِمَنْ (وافق أهل بلده ولو في الظاهر) فكذب وبهتان، وهاهو ذا نص كلامه.
يقول الشيخ سليمان ﵀ (الدرر السنية ٨/ ١٢١): «اعلم -رحمك الله- أن الإنسان إذا أظهر للمشركين الموافقة على دينهم خوفًا منهم ومداراة لهم ومداهنة لدفع شرهم؛ فإنه كافر مثلهم، وإن كان يكره دينهم ويبغضهم».
فكلام الشيخ في المشركين وحكم مداهنتهم وموافقتهم، فأين ذكر (أهل البلدان -كالحجاز واليمن والشام؟!! -) في كلامه فضلًا أن ينسب للشيخ أنه قد كفرهم؟!!
وكذلك ما ادعاه من تكفير قبيلتَي: (قحطان وعجمان) فغير صحيحٍ؛ وإنما جاء في كلام الشيخ سليمان بن سحمان في معرض حديثه عن التحاكم إلى العادات والأعراف القبلية في الدرر السنية (١٠/ ٥٠٣) قوله: «فإن كثيرًا من الطوائف المنتسبين إلى الإسلام قد صاروا يتحاكمون إلى عادات آبائهم، ويسمون ذلك (الحق) بشرع (الرفاقة) كقولهم: (شرع عجمان)، و(شرع قحطان)، وغير ذلك، وهذا هو الطاغوت بعينه الذي أمر الله باجتنابه».
وليس في هذا تكفير للقبيلتين المذكورتين، وإنما فيه الإنكار على مَنْ تحاكم للعادات المعروفة عند القبيلتين والذي يسمونه (شرع عجمان) و(شرع قحطان)، وقد سمى الشيخ هذا التحاكم طاغوتًا؛ لأنه تحاكم لغير شرع الله، وهذا كما سماه الله تعالى في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ
[ ١٥٥ ]
قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠].
والشيخ لو أطلق الكفر على مَنْ تحاكم إلى هذه العادات وسماها شرعًا فلا يستلزم تكفير مَنْ فعل ذلك من المعينين إلا بعد إقامة الحجة، فكيف به ولم يطلقه أصلًا؟!! وبهذا يظهر كذب المالكي فيما ادعاه.
وكذلك دعواه تكفير بعض أئمة الدعوة لأهل حائل فكذب، وإنما الذي جاء في الموطن الذي أحال عليه في الدرر (٩/ ٢٩٢): «وبهذا يتبين لك أن جهاد أهل حائل من أفضل الجهاد، ولكن لا يرى ذلك إلا أهل البصائر».
وقد جاء قبل هذا بصفحتين (٩/ ٢٩٠) بيان سبب قتالهم وأن ذلك بسبب عدم دخولهم في طاعة الإمام.
وهاهو ذا نص الكلام: «وأهل حائل: أمرهم الإمام بالدخول في الطاعة، ولزوم السنة والجماعة، ومنابذة أهل الشرك وعداوتهم وتكفيرهم، فأبوا ذلك وتبرءوا منه … فوجب قتالهم على جميع المسلمين؛ لخروجهم عن الطاعة حتى يلتزموا ما أمرهم به الإمام من طاعة الله تعالى».
والمالكي إما لجهله وإما لتلبسيه زعم أن مجرد مقاتلتهم يستلزم تكفيرهم، والقتال لا يستلزم التكفير، بل قد يُقَاتل المسلم الباغي مع القطع بإسلامه، كما أنه قد يترك قتال الكافر مع القطع بكفره.
وكذا دعواه تكفير الشيخ حمد بن عتيق للمسافر إلى خارج بلاد الدعوة، فليس بصحيحٍ، وإنما ذكر الشيخ ﵀ أن السفر إلى بلاد المشركين على قسمين:
[ ١٥٦ ]
أحدهما: السفر بقصد التجارة مع حفظ الدين، فهذا لا يعادى ولا يهجر.
والنوع الثاني: السفر إلى بلادهم مع اعتقاد إسلامهم وربما تفضيلهم على المسلمين، فهذا له حكم هذه الآية: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٥١ - ٥٢]، فهذا تجب عداوته وهجرته». [الدرر السنية (٨/ ٤٢٤)].
فالشيخ لم يجعل حكم السفر إلى بلاد المشركين واحدًا، بل فرق بين النوع الأول والنوع الثاني، فذكر أن صاحب النوع الأول لا يعادى ولا يهجر، وصاحب النوع الثاني يعادى ويهجر، وأما إطلاق الكفر فلم يطلقه على أحد النوعين، وإن كان النوع الثاني مع ما صَاحَبَه من تفضيل دين المشركين على دين المسلمين أو اعتقاد إسلام المشركين فهذا كفر من حيث الإطلاق بلا نزاع، وأما المعين فلا ينزل عليه الحكم حتى تقام عليه الحجة فلربما وقع في الكفر مَنْ كان جاهلًا أو متأولًا فلا يكفر حتى تتحقق فيه شروط التكفير وتنتفي في حقه موانعه.
وبهذا يظهر تلبيس المالكي حيث تجاهل كل هذا، وزعم أن الشيخ يكفر بمجرد السفر، فلم يشر إلى التقسيم الذي ذكره الشيخ، وكذلك ما صاحب النوع الثاني من كفرٍ صريحٍ ليوهم المطلع على كلامه غلو أئمة الدعوة في التكفير.
وأما ما ادعاه من تكفير الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف للإباضية كما في الدرر السنية (١٠/ ٤٣١)، فهو من جملة أكاذيبه وتلبيسه أيضًا.
ونص كلام الشيخ: «وأما إباضية أهل هذا الزمان فحقيقة مذهبهم وطريقتهم:
[ ١٥٧ ]
جهمية قبوريون، وإنما ينتسبون إلى الإباضية انتسابًا فلا يشك في كفرهم وضلالهم إلا مَنْ غلب عليه الهوى …».
فالشيخ لم يكفر الإباضية إلا لقولهم بقول الجهمية، ووقوعهم في الشرك، وعبادة القبور، وتكفير الجهمية ومَن وقع في الشرك الأكبر في العبادة مما لا نزاع بين أهل السنة فيه.
والمالكي لما كان يعلم ذلك عن أهل العلم من أهل السنة، ويعلم أيضًا أن تكفير الخوارج محل نزاع بين العلماء، نسب للشيخ عبد الله بن عبد اللطيف القول بتكفير الإباضية الذي هو محل خلاف بين العلماء، وجرده مما صرح به الشيخ من كونهم جهمية قبورية الذي هو موجب لكفرهم باتفاق العلماء، وبه يعلم مدى صدق هذا الناقد وأمانته في النقل والنقد!!
وأما تكفير ابن عربي وابن فارض: فقد أقر بنفسه أن تكفيرهما لم ينفرد به (الوهابية) -على حد تعبيره-، يقول في (ص ٥٨): «وهذان لم يختص بتكفيرهما الوهابية وإن كان التبديع أليق وأسلم».
فما وجه النقد والتجريح على أئمة الدعوة في أمرٍ قد سبقهم إليه جمع من العلماء المحققين الذين صرحوا بكفر المذكورين لما تضمنته أقوالهما من الكفر الصريح والزندقة الظاهرة؛ حتى إن برهان الدين البقاعي المتوفى سنة (٨٨٥ هـ)، ألف كتابًا في نقل كلام العلماء في تكفير ابن عربِي سماه: (تنبيه الغبِي إلى تكفير ابن عربِي)، وهو مطبوعٌ.
وبهذا يظهر كذب المالكي فيما ادعاه وما رمى به تلاميذ الشيخ محمد ومَن جاء
[ ١٥٨ ]
بعدهم من أئمة الدعوة من الغلو في التكفير، وأن ما ذكره من أمثلة لا تدل على ما ادعاه، بل هي شاهدة لهم بالعلم والفقه ولزوم السنة، ومنهج السلف الصالح.
طعنه في كتب الحنابلة ودعواه اشتمالها على التكفير والتبديع، والرد عليه:
زعم المالكي كما في (ص ٦٢) وما بعدها من كتابه اشتمال كتب الحنابلة على التكفير والتبديع غير المستند على بينةٍ، حتى وصل الأمر إلى تكفير كبار أئمة وفقهاء السنة.
وقال (ص ٦٢): «تحت عنوان: (تكفير الإمام أبي حنيفة والحنفية وذمهم وتبديعهم في كتب الحنابلة!!).
ساق عبد الله بن أحمد بن حنبل (ت ٢٩٠ هـ) في كتابه: (السنة) جملة من اتهامات وشتائم خصوم أبي حنيفة، تلك الاتهامات التي تصف أبا حنيفة بأنه كافر، زنديق، مات جهميًّا، ينقض الإسلام عروةً عروةً، ما ولد في الإسلام أشأم ولا أضر على الأمة منه، وأنه أبو الخطايا …».
إلى أن قال: «أقول: هذا نموذجٌ واحدٌ من نماذج سلفنا الصالح، من غلاة الحنابلة، وهذا الفكر عند غلاة الحنابلة (لا معتدليهم) هو الذي فرخ لنا اليوم هؤلاء الغوغاء من التيار التبديعي الذي يصم الناس بالبدعة والضلالة، ولعلهم أوقع الناس فيها …».
ثم قال (ص ٦٣): «كما أن ظلمنا في تكفير أبي حنيفة وأصحابه ﵏ يجعلنا نتوقف في ظلمنا فرقًا أخرى؛ كالشيعة، والمعتزلة، والصوفية، والأشاعرة وغيرهم؛ لأنه إذا سلمنا أن تكفير أبي حنيفة كان خاطئًا فما الذي يمنع من أن تكفيرنا لهؤلاء كان خاطئًا أيضًا؟!! ».
[ ١٥٩ ]
وجوابه من عدة وجوه:
الوجه الأول: أن الإمام أبا حنيفة ﵀ كانت له أقوال أنكرها عليه كثير من العلماء، كقوله في الإيمان: إنه التصديق، وإخراجه العمل من مسمى الإيمان، وتوسعه في القياس، وما نُسب إليه من عدم أخذه بأخبار الآحاد إلا بعد عرضها على النصوص الأخرى، فإن وافقت وإلا ردها، وما نسب إليه كذلك من القول بخلق القرآن -وإن كان هذا لا يثبت عنه-.
قال الإمام ابن عبد البر: «كثير من أهل الحديث استجازوا الطعن على أبي حنيفة؛ لرده كثيرًا من أخبار العدول، لأنه كان يذهب في ذلك إلى عرضها على ما اجتمع عليه من الأحاديث ومعاني القرآن، فما شذ من ذلك رده وسماه شاذًّا، وكان أيضًا يقول: الطاعات من الصلاة وغيرها لا تُسمى إيمانًا، وكل مَنْ قال من أهل السنة: الإيمان قولٌ وعملٌ، ينكرون قوله ويبدعونه بذلك، وكان مع ذلك محسودًا لفهمه وفطنته» (^١).
والذي يظهر لي -والله أعلم-: بعد تتبع ما جاء عن الأئمة في الطعن على أبي حنيفة أنه لا يخلو من أحوال:
الأول: أن ما قيل فيه مما يتناسب مع أخطائه فهذا نقد بحق ونصح للأمة، ولا يسع عالِمًا وقف على خطأ لآخر إلا التحذير من ذلك الخطأ، والأئمة الذين حذروا من أخطاء أبي حنيفة ﵀ مأجورون على ذلك ممدوحون غير مذمومين، والإمام أبو حنيفة يُرجَى له من الله المغفرة، فهو إمام مجتهد، والمجتهد المخطئ مغفور له خطؤه، ومأجور على اجتهاده.
_________________
(١) الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء (ص ١٤٩).
[ ١٦٠ ]
الثاني: أن ما قيل فيه من نقدٍ مما لا يتناسب مع أخطائه ومقامه في الفضل فهذا لا يخلو من حالين:
أولهما: أن هذا لا يثبت عن الأئمة، بل هو موضوع عليهم فلا عبرة له.
وأما نقل بعض العلماء له في كتبهم المسندة كعبد الله بن أحمد في السنة، وغيره من المصنفين، فعلى طريقتهم في رواية ما يبلغهم في كل باب بالإسناد والاعتماد على ما يثبت من ذلك.
ثانيهما: أنه ثابت عنهم، لكنهم بنوا أقوالهم هذه على ما بلغهم عن أبي حنيفة مما لا يثبت عنه؛ كذم بعض الأئمة لأبي حنيفة على القول بخلق القرآن، مع أنه غير ثابتٍ عنه.
قال الإمام أحمد: «لم يصح عندنا أن أبا حنيفة كان يقول بخلق القرآن» (^١).
وكذلك ما نسب إليه من معارضة الأحاديث الصحيحة بالقياس، فإنه لا يثبت عنه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ومَن ظن بأبي حنيفة وغيره من أئمة المسلمين أنهم يتعمدون مخالفة الحديث الصحيح لقياس أو غيره؛ فقد أخطأ عليهم وتكلم إما بظن أو بهوى» (^٢).
وبهذا يتبين براءة الأئمة مما يظن بهم من سوء في تحذيرهم من أخطاء أبي حنيفة ﵀، وبراءة أبي حنيفة مما جاء في بعض الآثار من وصمه بالكفر، أو الزندقة، أو البدعة،
_________________
(١) ذكره الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (١٣/ ٣٨٤).
(٢) مجموع الفتاوى (٢٠/ ٣٠٤).
[ ١٦١ ]
وإنما هو إمام في السنة، لم يسلم من خطأ أو زلل، ينبه على خطئه ويحفظ مقامه.
الوجه الثاني: أن تشنيع المالكي على الحنابلة بما جاء عن بعضهم في نقد أبي حنيفة ﵀ تحامل ظاهر؛ فإن هذا ليس مما اختص به الحنابلة، وإنما جاء نقده من أئمة كبار كحماد بن أبي سليمان، والأوزاعي، وأيوب السختياني، وابن عون، والأعمش، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، وشريك بن عبد الله، بل جاء نقده عن صاحبه أبي يوسف (^١) فإذا كان في هذا مطعن على أحد فيرد هذا على كل الأئمة المذكورين، فما وجه تخصيص الحنابلة بالطعن دون غيرهم؟!
الوجه الثالث: أن القدح في الحنابلة -كعبد الله بن أحمد وغيره- بنقل ما جاء عن الأئمة في نقد أبي حنيفة تجنٍّ وظلم وبغي؛ إذ ليس هذا مما اختصوا به أيضًا، فقد ذكر ابن أبي شيبة في المصنف (^٢) كتابًا في الرد على أبي حنيفة استغرق ما يقارب خمسين صفحة، وذكر ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (^٣)، وكذا ابن عبد البر في الانتقاء (^٤) جملة من الآثار عن الأئمة في نقد أبي حنيفة، وغيرهم كثير ممن نقل بعض الآثار في الطعن على أبي حنيفة.
فما هو موقف المالكي من هؤلاء العلماء؟ أيصفهم بالتكفير والغلو أم أن له موقفًا آخر؟!
_________________
(١) انظر أقوالهم في: السنة لعبد الله بن أحمد (١/ ١٨٠ - ٢٢٩)، وكتاب الانتقاء لابن عبد البر (ص ١٤٧ - ١٥٢).
(٢) انظر: المصنف (٧/ ٢٧٦ - ٣٢٦).
(٣) انظر: الجرح والتعديل (٨/ ٥١٣).
(٤) انظر: الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء (ص ٢٧).
[ ١٦٢ ]
ثم إن نقل أقوال العلماء في نقد أبي حنيفة، إن كان موجبًا للطعن على الناقل فالطعن على المتكلم بها أشد، وقد تقدم أن الذي تكلم في أبي حنيفة أئمة كبار.
الوجه الرابع: قول المالكي: «كما أن ظلمنا في تكفير أبي حنيفة … يجعلنا نتوقف في ظلمنا فرقًا أخرى؛ كالشيعة، والمعتزلة، والصوفية، والأشاعرة وغيرهم».
هذا من لبس الحق بالباطل؛ فإن دعواه تكفير أبي حنيفة بالظلم هذه دعوى باطلة، وإنما جاء إطلاق الكفر في أثر أو أثرين نُسبا إلى حماد بن أبي سليمان ولا يثبتان عنه (^١)، ولو ثبتا فحماد بن أبي سليمان كوفي من شيوخ أبي حنيفة، فلا مطعن في هذا على الحنابلة.
وكذلك مقارنته بما شذ من أقوال في نقد أبي حنيفة بما أطبق عليه السلف من ذم أهل البدع وتكفير بعضهم، فهذا أيضًا من التلبيس الذي ما أراد به إلا الانتصار لأهل البدع ونبذ ما جاء عن السلف من التحذير منهم وفضحهم.
الوجه الخامس: أن الإمام أبا حنيفة وإن تكلم فيه بعض الأئمة في بداية الأمر، إلا أنه لم يلبث الناس حتى أجمعوا على فضله، وأطبقوا على إمامته.
وأما مَنْ ذكر مِنْ أهل البدع فمن يوم أن عرفوا وظهروا ببدعهم، وأئمة أهل السنة من الحنابلة وغيرهم مجمعون على تضليلهم وتبديعهم إلى اليوم، لا يشك في ذلك عالم بالسنة.
فقياس أهل البدع والضلال على إمامٍ من أئمة السنة من أعظم الظلم والبغي، والتمويه على الناس، وقلب الحقائق.
_________________
(١) انظر: السنة لعبد الله بن أحمد (١/ ١٨٤ - ١٨٥).
[ ١٦٣ ]
طعنه في الإمام أحمد واتهامه بالتكفير والتبديع بغير حق، والرد عليه في ذلك:
يقول (ص ٦٣) تحت عنوان: (هل صح التكفير عن أحمد بن حنبل؟!): «ومن المحتمل أن يكون الإمام أحمد ﵀ وقع في شيءٍ من التكفير والتبديع الذي خالفه فيه معتدلو الحنابلة من المتقدمين والمتأخرين …
ومن النماذج المنقولة عن أحمد في كتب الحنابلة التي بالغ فيها في التكفير ما يلي:
١ - قوله -إن صدق الحنابلة في النقل عنه-: (مَنْ زعم أن القرآن مخلوق فهو جهمي كافر، ومَن زعم أن القرآن كلام الله ووقف ولم يقل: ليس بمخلوق فهو أخبث من قول الأول، ومَن زعم أن ألفاظنا وتلاوتنا له مخلوقة، والقرآن كلام الله فهو جهمي، ومَن لم يكفر هؤلاء القوم كلهم فهو مثلهم).
[قال المالكي] ولا ريب أن هذا القول المنسوب لأحمد فيه غلو في التكفير، لعله الأساس الذي بنَى عليه الحنابلة التكفير، حتى اشتهر الحنابلة بالتكفير والتبديع، وكان الصوت المغالي هو العالي المسموع، أما الصوت المعتدل فيهم فكان خاملًا نادرًا.
على أية حالٍ: إن صح هذا القول وأمثاله عن أحمد فالإسلام أعلى من أحمد وغيره، ولا يصح أن تنسب هذه الأخطاء للإسلام؛ فالمعتزلة كلهم يقولون بخلق القرآن وليسوا كفارًا، فضلًا عَمن اقتصر على الألفاظ القرآنية بأن القرآن كلام الله ووقف عن الجدل فيما لم يبينه الله ولا رسوله ﵌ فضلًا عن الأشاعرة وجمهور أهل السنة من الشافعية والمالكية، والأحناف الذين يقولون بخلق اللفظ، فالقول السابق يلزم منه تكفير كل الأمة إلا الحنابلة، ولا يخفى خطورة مثل هذا القول».
[ ١٦٤ ]
وجوابه:
أن طعنه على الإمام أحمد هنا إنما هو طعن على أهل السنة قاطبة؛ فإن القول بتكفير مَنْ قال بخلق القرآن مما أجمع عليه أهل السنة ولم ينفرد به أحمد عن غيره من الأئمة.
وهاهي ذي بعض أقوالهم في ذلك:
أخرج الخلال في كتاب (السنة) عن زكريا بن عدي قال: «سمعت أبا بكر بن عياش، وحفص بن غياث، وابن إدريس، ووكيع بن الجراح كلهم يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق، ومَن قال: مخلوق؛ فهو كافر، قال ابن إدريس: يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه» (^١).
وروى عن حسن بن الربيع قال: «لما دار في الناس ووقع فيهم ذكر القرآن مضيت أنا وحسن الحلبدي -وكان من أفضل المسلمين- إلى أبي بكر بن عياش فقلنا لإبراهيم ابنه: استأذن لنا عليه. فقال: ادخلوا. فدخلنا. فقلنا: يا أبا بكرٍ، ما ترى ما قد دار في الناس ووقع فيهم؟ فقال: وما هو؟ قال: قلنا: يقولون القرآن مخلوق. فقال: ولِمَ جئتُموني، ولِمَ أخبرتُموني بهذا؟ مَنْ قال هذا فهو كافر بالله.
قال: ثم مضينا من عنده فأتينا وكيع بن الجراح فقلنا: يا أبا سفيان، ما ترى ما قد دار في الناس ووقع فيهم؟ فقال: ما هو؟ قلنا: يقال: القرآن مخلوق. فقال: ولم جئتموني ولم ألقيتم هذا في خلدي؟ مَنْ قال هذا فهو كافر بالله العظيم.
فمضينا من عنده وأتينا حفص بن غياث وكان جالسًا على داكن فقلنا: يا أبا عمر،
_________________
(١) السنة للخلال (٧/ ٣١ - ٣٢).
[ ١٦٥ ]
ما ترى ما قد دار في الناس ووقع فيهم؟ فقال: وما هو؟ قلنا قوم يقولون: القرآن مخلوق، قال: فشمر ثيابه، وقال: ما أراكم إلا رسل شيطان؛ مَنْ قال بهذا فهو كافر بالله.
قال: فمضينا من عنده فأتينا عبد الله بن إدريس فصعدنا إلى مسجده، وكان رجلًا مهيبًا. فقلنا: يا أبا محمد، أما ترى ما قد دار في الناس ووقع فيهم؟ فقال: وما هو؟ قال: قوم يقولون: القرآن مخلوق. فقال: ولم جئتموني، ولم أخبرتموني بهذا، ولم ألقيتم هذا في قلبِي؟ مَنْ قال بهذا فهو كافر بالله العظيم، ولا أعلمه إلا قال: ألا قوموا» (^١).
وعن سفيان بن عيينة قال: «القرآن كلام الله غير مخلوق، فَمَنْ قال: هو مخلوق. فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ» (^٢).
وأخرج اللالكائي عن يحيى بن خلف المقري قال: «كنت عند مالك بن أنس فقال له رجل: يا أبا عبد الله، ما تقول في رجلٍ قال: القرآن مخلوق؟ فقال مالك بن أنس: اقتلوه كافر. فقال: يا أبا عبد الله، إني لم أقله إنما قلت لك قال إنسان. قال مالك بن أنس: إنما سمعته منك» (^٣).
وعن أبي عبيد القاسم بن سلام أنه سُئل: «ما تقول فيمَن قال: القرآن مخلوق؟ فقال أبو عبيد: هذا رجل يُعَلَّم ويقال له: إن هذا كفر، فإن رجع وإلا ضربت عنقه» (^٤).
_________________
(١) المصدر نفسه (٧/ ٣٢، ٣٣).
(٢) المصدر نفسه (٧/ ٣٥).
(٣) شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٢/ ٣١٤).
(٤) المصدر نفسه (٢/ ٣١٨).
[ ١٦٦ ]
وعن مليح بن وكيع قال: «سمعت أبِي يقول: مَنْ زعم أن القرآن مخلوقٌ يستتاب، فإن تاب، وإلا ضربت عنقه» (^١).
وعن هارون بن معروف قال: «مَنْ قال: القرآن مخلوق؛ فقد عبد صنمًا».
وعن يزيد بن هارون والفريابِي أنهما قالا: «مَنْ قال: القرآن مخلوق؛ فهو كافر» (^٢).
وعن الإمام الشافعي أنه قال: «مَنْ قال: القرآن مخلوق؛ فهو كافر» (^٣).
وعن معاذ بن معاذ أنه قال: «مَنْ قال: القرآن مخلوق؛ فهو كافر بالله العظيم» (^٤).
وعن الفضيل بن عياض أنه قال: «مَنْ قال: القرآن مخلوق؛ فهو كافر» (^٥).
وقال الإمام الطحاوي في وصف عقيدة أهل السنة التي قال في مقدمتها: «هذا ذكر بيان عقيدة أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة أبي حنيفة النعمان الكوفي وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري وأبي عبد الله محمد بن الحسن الشيباني
-رضوان الله عليهم أجمعين-» (^٦).
قال ﵀ في بيان عقيدتهم في القرآن: «وإن القرآن كلام، منه بدأ بلا كيفية
_________________
(١) السنة للخلال ٧/ ٣٩).
(٢) المصدر نفسه ٧/ ٣٧).
(٣) شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٢/ ٢٥٢).
(٤) السنة للخلال (٧/ ٤٥).
(٥) المصدر نفسه (٧/ ٣٣).
(٦) العقيدة الطحاوية (ص ١٥).
[ ١٦٧ ]
قولًا، وأنزله على رسوله وحيًا … فَمَنْ سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفر، وقد ذمه الله وعابه وأوعده بسقر حيث قال تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر: ٢٦]» (^١).
وقال أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان في وصف معتقد أهل السنة: «أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازًا، وعراقًا، وشامًا، ويمنًا، فكان من مذهبهم …».
ثم ذكرا: والقرآن كلام الله غير مخلوق، بجميع جهاته …
إلى قولهما: ومَن زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر بالله العظيم كفرًا ينقل عن الملة، ومَن شك في كفره ممن يفهم فهو كافر» (^٢).
وكلام الأئمة في هذا يطول، والمقصود هنا بيان إجماع سلف الأمة قاطبة على تكفير مَنْ قال بخلق القرآن.
وقد نقل الإمام اللالكائي القول بتكفير مَنْ قال بخلق القرآن عن خمسمائة وخمسين نفسًا من أهل العلم، ونقل أقوالهم في ذلك فيما يقارب من مائة صفحة من كتاب: «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» (^٣).
وبهذا يعلم كذب المالكي في دعواه أن القول بتكفير مَنْ قال بخلق القرآن هو من الغلو الذي انفرد به الإمام أحمد.
وأما حجة المالكي التي رد بها القول بتكفير مَنْ قال بخلق القرآن، وهي قوله: «ولا يصح أن تنسب هذه الأخطاء للإسلام؛ فالمعتزلة كلهم يقولون بخلق
_________________
(١) العقيدة الطحاوية (ص ٢٧).
(٢) شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (١/ ١٧٦ - ١٧٨).
(٣) انظر: (٢/ ٢٢٧ - ٣١٢).
[ ١٦٨ ]
القرآن وليسوا كفارًا».
فهذا مما لم يسبقه إليه أحد من أهل البدع والضلال أن تكون الحجة على أن مقالة من المقالات لا تكون كفرًا؛ لأن هذه الطائفة قالت بها، بل هذا لم يحتج به المعتزلة أنفسهم لتقرير مذهبهم في خلق القرآن أنه حق، ولا يمكن أن يكون كفرًا لأنهم قالوا به.
وهذا في الحقيقة إنما يدل على تعظيم المعتزلة وغيرهم من أئمة الضلال في نفس هذا المخذول، في مقابل بغضه لأهل السنة وانحرافه عنهم واحتقاره لهم، وبحسب الرجل من الضلال أن يكون على هذه الحال، فنسأل الله بمنه وكرمه أن يعصمنا من مضلات الفتن وألا يزيغ قلوبنا بعد الهدى.
وأما ما ادعاه مِنْ أن جمهور أهل السنة من الشافعية، والمالكية، والأحناف، يقولون بخلق اللفظ بالقرآن: فكذب وافتراء، بل الذي عليه أهل السنة قاطبة من الأئمة الأربعة وأتباعهم وغيرهم من أئمة أهل السنة: أن القرآن بلفظه ومعناه هو كلام الله، بل إنه لا يعرف لدى عامة العقلاء أن يكون كلام متكلم بغير لفظ ومعنى، كما نقل إجماع الناس على ذلك الإمام أبو نصر السجزي في كتابه: «الرد على مَنْ أنكر الحرف والصوت» حيث قرر أنه لم يكن بين الناس نزاع في هذه المسألة إلى زمن ابن كُلَّاب الذي أظهر القول بأن حقيقة الكلام هو المعنَى النفسي دون الألفاظ والحروف؛ فخالف بذلك إجماع عامة العقلاء وسائر أهل الإسلام.
يقول ﵀: «اعلموا -أرشدنا الله وإياكم- أنه لم يكن خلاف بين الخلق على اختلاف نحلهم من أول الزمان إلى الوقت الذي أظهر فيه ابن كلاب والقلانسي والصالحي والأشعري وأقرانهم الذين يتظاهرون بالرد على المعتزلة وهم معهم، بل
[ ١٦٩ ]
أخس حالًا منهم في الباطن في أن الكلام لا يكون إلا حرفًا وصوتًا، ذا تأليفٍ واتساقٍ، وإن اختلفت به اللغات …
فالإجماع منعقد بين العقلاء على كون الكلام حرفًا وصوتًا، فلما نبغ ابن كلاب وأضرابه وحاولوا الرد على المعتزلة من طريق مجرد العقل وهم لا يخبرون أصول السنة، ولا ما كان السلف عليه، ولا يحتجون بالأخبار الواردة في ذلك زعمًا منهم أنها أخبار آحاد وهي لا توجب علمًا، وألزمتهم المعتزلة أن الاتفاق حاصل على أن الكلام حرف وصوت، ويدخله التعاقب والتأليف، وذلك لا يوجد في الشاهد إلا بحركة وسكون … وما كان بهذه المثابة لا يجوز أن يكون من صفات ذات الله؛ لأن ذات الله سبحانه لا توصف بالاجتماع والافتراق، والكل والبعض، والحركة والسكون …
فضاق بابن كلاب وأضرابه النفس عند هذا الإلزام؛ لقلة معرفتهم بالسنن وتركهم قبولها وتسليمهم العنان إلى مجرد العقل، فالتزموا ما قالته المعتزلة وركبوا مكابرة العيان، وخرقوا الإجماع المنعقد بين الكافة المسلم والكافر، وقالوا للمعتزلة: الذي ذكرتموه ليس بحقيقة الكلام، وإنما سمى ذلك كلامًا على المجاز لكونه حكاية أو عبارة عنه، وحقيقة الكلام: معنى قائم بذات المتكلم» (^١).
ولهذا اتفق أهل السنة من أصحاب المذاهب الأربعة وأعيان أصحابهم ومن قبلهم وبعدهم من أهل السنة أن القرآن كلام الله بلفظه ومعناه، وأن الله تكلم به على الحقيقة، بسوره وآياته وحروفه، وبدَّعوا مَنْ قال: إن القرآن حكاية عن كلام الله. كما هو قول ابن كلاب، أو عبارة عن كلام الله. كما هو قول الأشعري.
_________________
(١) الرد على مَنْ أنكر الحرف والصوت (ص ٨٠ - ٨٢).
[ ١٧٠ ]
وقد نقل إجماعهم على ذلك غير واحدٍ من العلماء.
يقول الإمام أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني -أحد كبار أئمة الشافعية في كتابه: «عقيدة السلف وأصحاب الحديث»: «ويشهد أهل الحديث ويعتقدون أن القرآن كلام الله، وكتابه، ووحيه، وتنزيله، غير مخلوقٍ، ومَن قال بخلقه واعتقده فهو كافر عندهم … وهو الذي تحفظه الصدور، وتتلوه الألسنة، ويكتب في المصاحف كيفما تصرف بقراءة قارئ، ولفظ لافظٍ، وحفظ حافظٍ، وحيث تُلِيَ وفي أي موضعٍ قُرِئ وكُتِبَ في مصاحف أهل الإسلام وألواح صبيانهم وغيرها، كله كلام الله ﷻ غير مخلوقٍ؛ فمَن زعم أنه مخلوق فهو كافر بالله العظيم» (^١).
وقال الإمام الحافظ المجود المقرئ عالم الأندلس أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني -وهو من أئمة المالكية-: «وكلامه ﷻ مسموع بالآذان، وإن كان مخالفًا لسائر اللغات وجميع الأصوات … ولا يسع أحدًا أن يقول: القرآن كلام الله ويسكت حتى يقول: غير مخلوقٍ.
وقال أحمد بن حنبل ﵀: لولا ما وقع في القرآن -يعني: من القول بخلقه- لوسعه السكوت، ولكن لم يسكت، يريد أنه إنما يسكت لريبه.
وقال ﵀: مَنْ قال: لفظِي بالقرآن مخلوق؛ فهو جهمي.
قال: ومَن قال: لفظِي به غير مخلوق؛ فهو قدري.
وقد قال أيضًا: فهو بدعي.
_________________
(١) عقيدة السلف وأصحاب الحديث (ص ١٦٥، ١٦٦).
[ ١٧١ ]
وقول أحمد هذا قول جميع أهل السنة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين» (^١).
وقال الإمام أبو نصر السجزي: «لا خلاف بين المسلمين أجمع في أن القرآن كلام الله ﷿، وأنه الكتاب المُنَزل بلسانٍ عربيٍّ مبينٍ، الذي له أول وآخر، وهو ذو أجزاء وأبعاض، وأنه شيء ينقري ويتأتى أداؤه وتلاوته» (^٢).
وقال الإمام أبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرجي الشافعي في كتابه الذي سماه: «الفصول في الأصول عن الأئمة الفحول» وذكر اثني عشر إمامًا: الشافعي، ومالكًا، والثوري، وأحمد، وابن عيينة، وابن المبارك، والأوزاعي، والليث بن سعد، وإسحاق بن راهويه، والبخاري، وأبا زرعة، وأبا حاتم.
ثم قال فيه: «سمعت الإمام أبا منصور محمد بن أحمد يقول: سمعت الإمام أبا بكر عبد الله بن أحمد يقول: سمعت الشيخ أبا حامد الإسفرايني يقول: مذهبِي ومذهب الشافعي وفقهاء الأمصار: أن القرآن كلام الله غير مخلوق، ومَن قال: مخلوق؛ فهو كافر، والقرآن حمله جبريل مسموعًا من الله تعالى، والنبِي ﷺ سمعه من جبريل، والصحابة سمعوه من النبِي ﷺ، وهو الذي نتلوه نحن بألسنتنا، وفيما بين الدفتين، وما في صدورنا، مسموعًا، ومكتوبًا، ومحفوظًا، وكل حرفٍ منه، -كالباء والتاء- كله كلام الله غير مخلوق، ومَن قال: مخلوق؛ فهو كافر عليه لعائن الله والملائكة والناس أجمعين» (^٣).
وقال الإمام الحافظ قوام السنة وهو من أجل أئمة الشافعية: «قال أصحاب
_________________
(١) الرسالة الوافية (ص ١٥٧).
(٢) الرد على مَنْ أنكر الحرف والصوت (ص ١٠٥).
(٣) نقله عنه شيخ الإسلام في درء تعارض العقل والنقل (٢/ ٩٥، ٩٦).
[ ١٧٢ ]
الحديث وأهل السنة: إن القرآن المكتوب الموجود في المصاحف والمحفوظ الموجود في القلوب هو حقيقة كلام الله ﷿، بخلاف ما زعم قوم أنه عبارة عن حقيقة الكلام القائم بذات الله ﷿ ودلالة عليه، والذي هو في المصاحف محدث وحروف مخلوقة. ومذهب علماء السنة وفقهائهم: أنه الذي تكلم الله به، وسمعه جبريل من الله» (^١).
وقال أيضًا: «وأول مَنْ قال باللفظ، وقال: ألفاظنا بالقرآن مخلوقة حسين الكرابيسي؛ فبدعه أحمد، ووافقه على تبديعه علماء الأمصار …».
ثم ذكر أسماء هؤلاء العلماء الموافقين لأحمد فعد ستة وأربعين عالِمًا ثم قال: «فمذهبهم ومذهب أهل السنة جميعًا: أن القرآن كلام الله آيةً آيةً، وكلمةً كلمةً، وحرفًا حرفًا، في جميع أحواله، حيث قُرِئَ، وكُتِبَ، وسُمِعَ» (^٢).
فهذا كلام أئمة أهل السنة، ومحققي الإسلام من أصحاب الحديث، وأتباع الأئمة الأربعة، قد صرحوا -في أوضح عبارة- أن مذهب أهل السنة من أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم: أن القرآن كلام الله بآياته وحروفه وألفاظه ومعانيه، وكيفما تصرف بتلاوة تالٍ، وقراءة قارئٍ، وحفظ حافظٍ، وسماع سامعٍ، هو كلام الله، وإن كانوا يعتقدون أن ما كتب به القرآن من الحبر، وما كتب عليه من الورق، ولسان التالي له، وصدر الحافظ له هذه مخلوقة والمقروء والمكتوب والمحفوظ هو كلام الله ليس بمخلوق.
ولذا قال الإمام القحطاني في نونيته:
_________________
(١) الحجة في بيان المحجة (١/ ٣٦٨).
(٢) المصدر نفسه (١/ ٣٤٠ - ٣٤٤).
[ ١٧٣ ]
إن الذي هو فِي الْمَصاحف مثبت … بأنامل الأشياخ والشبان
هو قول ربي آيه وحروفه … ومدادنا والرق مَخلوقان (^١)
وبهذا يظهر لك أيها القارئ مدى كذب المالكي وافترائه على أئمة أهل السنة عندما زعم أن جمهور أهل السنة من الشافعية والمالكية والأحناف يقولون بخلق القرآن.
وكذلك افترائه على الإمام أحمد وعلى الحنابلة بأنهم قد انفردوا بتكفير المسلمين من أصحاب المذاهب الأخرى لتكفير الإمام أحمد القائلين بخلق القرآن، أو مَنْ زعم أن لفظه بالقرآن مخلوق؛ حيث تبين من خلال هذه النقول أن ما عليه الإمام أحمد في هذا هو قول أهل السنة قاطبة، كما صرح بهذا الأئمة الأعلام المتقدم نقل كلامهم في هذا، مما أظهر الله به الحق والصواب، وفضح هذا الكذاب على رءوس الأشهاد.
قال المالكي (ص ٦٤): «٢ - قوله ﵀ أي: الإمام أحمد- إن صدق الحنابلة في النقل عنه: (ما أحد على أهل الإسلام أضر من الجهمية، ما يريدون إلا إبطال القرآن وأحاديث رسول الله ﷺ.
أقول: مَنْ أراد إبطال القرآن فهو كافر بلا شك، لكن علم النيات ليس لأحمد، ولا لغيره من البشر».
وجوابه:
أن الإمام أحمد لم يكفر الجهمية ولم يحكم عليهم بما في نياتهم وقلوبهم، بل بما
_________________
(١) نونية القحطاني (ص ٤٨).
[ ١٧٤ ]
ظهر منهم من أقوال وأفعال مكفرة دلت على إبطالهم النصوص، وردهم لكلام الله ورسوله.
وليس هذا مما انفرد به الإمام أحمد دون غيره من الأئمة، بل كل أئمة أهل السنة كفروهم، وصرحوا بتكذيبهم للنصوص، وردهم لكلام الله ورسوله.
قال عبد الرحمن بن مهدي: «ما كنت لأعرض أهل الأهواء على السيف إلا الجهمية؛ فإنهم يقولون قولًا منكرًا» (^١).
وعنه ﵀ أنه قال: «لا يصلي خلف هؤلاء الصنفين: الجهمية والروافض، فإن الجهمية كفار بكتاب الله» (^٢).
وقال عبد الله بن المبارك: «إنا لنستجيز أن نحكي كلام اليهود والنصارى، ولا نستجيز أن نحكي كلام الجهمية» (^٣).
وعن سلام بن أبي مطيع قال: «الجهمية كفار، لا يصلى خلفهم» (^٤).
وعن سفيان الثوري قال: «مَنْ زعم أن قول الله ﷿: ﴿يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النمل: ٩] مخلوق فهو كافر زنديق حلال الدم» (^٥).
_________________
(١) أخرجه ابن شاهين في كتاب اللطيف (ص ٨٣)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٢/ ٣١٦).
(٢) أخرجه اللالكائي (٢/ ٣٢٢).
(٣) رواه الدارمي في الرد على الجهمية (ص ٩)، وعبد الله بن أحمد في السنة (١/ ١١١).
(٤) رواه الدارمي في الرد على الجهمية (ص ١١١)، وعبد الله بن أحمد في السنة (١/ ١٠٥).
(٥) رواه الدارمي في الرد على الجهمية (ص ١١١)، وعبد الله بن أحمد في السنة (١/ ١٠٥)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٢/ ٣٢١).
[ ١٧٥ ]
وعن وكيع بن الجراح قال: «مَنْ رد حديث إسماعيل عن قيس عن جرير عن النبِي ﷺ في الرؤية فاحسبوه من الجهمية» (^١).
وهذا دليل اشتهار الجهمية برد النصوص.
وقال الإمام عثمان الدارمي: «باب الاحتجاج في إكفار الجهمية».
ثم قال تحته: «ناظرني رجل ببغداد منافحًا عن هؤلاء الجهمية، فقال لي: بأية حجة تكفرون هؤلاء الجهمية، وقد نُهي عن إكفار أهل القبلة بكتابٍ ناطقٍ، أم بأثرٍ، أم بإجماع؟
فقلت: ما الجهمية عندنا من أهل القبلة، وما نكفرهم إلا بكتابٍ مسطورٍ، وأثرٍ مأثورٍ، وكفرٍ مشهورٍ.
أما الكتاب: فما أخبر الله ﷿ عن مشركي قريش من تكذيبهم بالقرآن، فكان من أشد ما أخبر عنهم من التكذيب أنهم قالوا: هو مخلوق كما قالت الجهمية سواء، قال الوحيد -وهو الوليد بن المغيرة-: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٥]، وهذا قول جهم: إن هذا إلا مخلوق …».
إلى أن قال: «ونكفرهم بكفر مشهور، وهو تكذيبهم بنص الكتاب، أخبر الله ﵎ أن القرآن كلامه، وادعت الجهمية أنه خلقه، وأخبر الله ﵎ أنه كلم موسى تكليمًا، وقال هؤلاء: لم يكلمه بنفسه، ولم يسمع موسى نفس كلام الله …» (^٢).
_________________
(١) أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (١/ ١٠٧).
(٢) الرد على الجهمية (ص ١٠٦ - ١٠٧).
[ ١٧٦ ]
ثم ذكره جملة كبيرة من أقوال الجهمية المناقضة لصريح النصوص، فبهذا كفَّر الأئمةُ الجهميةَ، وأخبروا بردهم للنصوص، وإبطالهم لكلام الله ورسوله لا على ما ادعى هذا البليد أنهم إنما كفروهم بالنيات على ما نسب ذلك للإمام أحمد ﵀.
ثم إنه من أعجب الأمور وأغربها: انتقاد هذا الضال للإمام أحمد بما ادعاه من الحكم على النيات، وهو نفسه يحكم على النيات والإرادات.
وهاهي ذي بعض أقواله في حكمه على النيات والإرادات:
يقول (ص ٦): «عدم وجود النية الجادة -وأكرر الجادة- للتجديد من الجهات التعليمية».
ويقول (ص ١٩) في نقده تعريف توحيد الربوبية بأنه هو توحيد الله بأفعاله: «والتربويون لا يعرفون أن المراد من هذا الكلام تكفير جميع المسلمين».
ويقول أيضًا (ص ١٩): «وهذا المراد منه تكفير المسلمين».
ويقول (ص ٢٠): «ولا يعنون بالعبادة (العبادة المباشرة) من صلاةٍ وسجودٍ وحج …».
ويقول (ص ٢٠): «قلت: لا يعرف التربويون أن المراد بأهل الشرك هنا بقية المسلمين غير الوهابية».
ويقول (ص ٢١): «ويظن بعض السذج أن المراد بهؤلاء المحادين لله ورسوله هم الكفار الأصليون … ولا يعرفون أن المراد به خصوم الدعوة السلفية».
ويقول (ص ٢١): «لا يعنون بذلك الكفار الأصليين … وإنما يعنون بذلك المسلمين، المصلين، الصائمين، المزكين، المجتنبين لكبائر الذنوب».
[ ١٧٧ ]
ويقول (ص ٢٢): «ولا يعرف الإخوة التربويون أن المراد ليس الهجرة من أوربا أو الصين إلى العالم الإسلامي، وإنما المراد الهجرة من العراق، والشام، ومصر، واليمن، والحجاز، والأحساء، إلى المناطق التي كانت الدعوة تسيطر عليها».
وأقواله في هذا كثيرة جدًّا، بل عامة نقده لمقررات التوحيد ولكلام العلماء مبناه على هذه الطريقة، فيأتي بالنقل ثم يقول: (والناس)، أو (التربويون)، أو (السذج) لا يعرفون أن المراد به كذا وكذا، ثم يبني نقده على هذا -كما نبهت على ذلك سابقًا في سياق الرد عليه-.
وهذا كله من الحكم على النيات والإرادات التي يشنع على مَنْ يحكم عليها.
أما هو فيعطي نفسه الحق في أن يعطل كلام العلماء من كل معنَى صحيح مهما كان واضحًا بينًا، ثم يزعم أن المتكلم أراد كذا وكذا.
يقول المالكي (ص ٦٤): «٣ - ومن أقواله ﵀ يعني: الإمام أحمد- إن صدق الحنابلة في النقل عنه: (مَنْ قال: لفظه بالقرآن مخلوق فهو جهمي مخلد في النار خالدًا فيها).
أقول: غفر الله لأحمد وسامحه، فالقول إن صح عنه فهو يشبه التألي على الله ﷿».
وجوابه:
أنه تقدم الرد عليه فيما ادعاه من أن القول بأن ألفاظ الناس بالقرآن مخلوقة هو قول أهل السنة إلا الحنابلة، وأن هذا الزعم باطل؛ وذلك بما سبق ذكره من أقوال الأئمة المنتسبين للمذاهب الفقهية وغيرهم في شدة إنكارهم على اللفظية القائلين بأن ألفاظهم بالقرآن مخلوقة، وإلحاقهم بالجهمية.
[ ١٧٨ ]
ومن ذلك: قول أبي عمرو الداني بعد نقله كلام الإمام أحمد: «مَنْ قال: لفظي بالقرآن مخلوق؛ فهو جهمي، ومَن قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق؛ فهو قدري».
قال: «وقول أحمد هذا قول جميع أهل السنة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين» (^١).
وأما اتهامه للإمام أحمد فيما نسبه إليه أنه قال: «مَنْ قال: لفظي بالقرآن مخلوق؛ فهو جهمي مخلد في النار خالدًا فيها»، بأنه يشبه التألي على الله، فلم يعز هذا القول لمصدر نسبه إلى أحمد، والمشهور عن الإمام قوله: «مَنْ قال: لفظي بالقرآن مخلوق؛ فهو جهمي»، فهذا ثابت عن الإمام أحمد وغيره من الأئمة من وجوه كثيرة ذكرها الخلال في (السنة) (^٢).
وأما الزيادة التي ذكر، وأن مَنْ قال بذلك فهو خالد مخلد في النار، فالعبرة بثبوتها عن الإمام أحمد بنقل إمام معتبر بسندٍ صحيحٍ، هذا من حيث الثبوت.
وأما من حيث المعنَى: فمعناها صحيح، وهو موافق لما دلت عليه النصوص ولما هو مشهور من عقيدة أهل السنة من أن كل مَنْ ثبت أنه كافر كفرًا يخرج من الملة فحكمه في الآخرة أنه خالد مخلد في النار، والجهمية مما أجمع أهل السنة على كفرهم كما تقدم، فيكون هذا موافقًا لحكم العلماء فيهم، وهذا كله من باب الحكم المطلق والوعيد العام.
وأما مَنْ قام به شيء مِنْ ذلك مِنْ المعينين فهذا لا يُنَزل عليه الحكم المطلق والوعيد العام عند الأئمة والمحققين من أهل السنة إلا بعد استيفاء الشروط وانتفاء
_________________
(١) تقدم عزوه (١٧٢).
(٢) انظر: السنة للخلال (٦/ ٢٩) وما بعدها.
[ ١٧٩ ]
الموانع الموجبة لقيام الحجة عليه بذلك.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «فإن نصوص الوعيد التي في الكتاب والسنة، ونصوص الأئمة بالتكفير والتفسيق ونحو ذلك لا يستلزم ثبوت موجبها في حق المعين إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع، لا فرق في ذلك بين الأصول والفروع» (^١).
ويقول ابن أبي العز الحنفي: «إن الأقوال الباطلة المبتدعة المحرمة المتضمنة نفي ما أثبته الرسول، أو إثبات ما نفاه، أو الأمر بما نهى عنه، أو النهي عَما أمر به يقال فيها الحق، ويثبت لها الوعيد الذي دلت عليه النصوص، ويبين أنها كفر، ويقال: مَنْ قالها فهو كافر، ونحو ذلك، كما يذكر من الوعيد في الظلم في النفوس والأموال.
وكما قد قال كثير من أهل السنة المشاهير بتكفير مَنْ قال بخلق القرآن، وأن الله لا يُرى في الآخرة ولا يعلم الأشياء قبل وقوعها، وعن أبي يوسف ﵀ أنه قال: ناظرت أبا حنيفة ﵀ مدة حتى اتفق رأيي ورأيه أن مَنْ قال بخلق القرآن فهو كافر.
وأما الشخص المعين إذا قيل: هل تشهدون أنه من أهل الوعيد وأنه كافر؟ فهذا لا نشهد عليه إلا بأمرٍ تجوز معه الشهادة؛ فإنه من أعظم البغي أن يشهد على معينٍ أن الله لا يغفر له ولا يرحمه بل يخلده في النار؛ فإن هذا حكم الكافر بعد الموت» (^٢).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٢/ ٥٠٠ - ٥٠١).
(٢) شرح الطحاوية (ص ٤٣٥، ٤٣٦).
[ ١٨٠ ]
ويقول المشايخ عبد الله وإبراهيم ابنا الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن، والشيخ سليمان بن سحمان ﵏: «ومسألة تكفير المعين مسألة معروفة، إذا قال قولًا يكون القول به كفرًا، فيقال: مَنْ قال بهذا القول فهو كافر، لكن الشخص المعين إذا قال ذلك لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها» (^١).
ويقول الشيخ ابن عثيمين ﵀: «وبهذا يعلم أن المقالة أو الفعلة قد تكون كفرًا أو فسقًا، ولا يلزم من ذلك أن يكون القائم بها كافرًا أو فاسقًا، إما لانتفاء شرط التكفير أو التفسيق، أو وجود مانع شرعي يمنع منه» (^٢).
وبهذا يتبين أن ما توهمه هذا الجاهل من إطلاق الأئمة القول بكفر الجهمية أو اللفظية، أو أن مَنْ قال بذلك أنه خالد مخلد في النار -على ثبوته عنهم- ليس على ما فهمه هذا البليد المتطاول على الأئمة أنه يستلزم تنزيل ذلك الحكم على كل معينٍ قال بذلك، حتى يدعي أن هذا من التألي على الله؛ فالتألي على الله أن يقال: إنه لا يغفر لفلان بعينه أو يعذبه.
قال المالكي (ص ٦٤): «ونقل عن الحنابلة -وعلى رأسهم الإمام أحمد- استحلال دم مَنْ يقول بخلق القرآن، وأنه لا يسمع ممن لم يكفرهم، ولا يسلم عليه، ولو كان من الأقارب، ولا تشهد لهم جنائز، ولا يعادون في مرضهم!!
هذا عقاب مَنْ لم يكفر القائلين بخلق القرآن فكيف بِمَنْ قال بذلك؟!!
ولا ريب أن معظمنا اليوم لا يكفر مَنْ قال بخلق القرآن، وإنما يبدعه أو يعده
_________________
(١) الدرر السنية (٨/ ٢٤٤).
(٢) القواعد المثلى (ص ٩٢).
[ ١٨١ ]
كفرًا دون كفرٍ، ولا أعرف حنبليًّا اليوم يكفر المعتزلة تكفيرًا أكبر مخرجًا من الملة كما ينقل الحنابلة عن أحمد!! فعلى هذا نكون جميعًا كفارًا على مذهب أحمد!! وبهذا يتبين غلو الإمام في التكفير إن صحت عنه تلك النقولات …».
وجوابه:
أن قتل المرتدين الذين فارقوا دين المسلمين باعتقادٍ أو قولٍ أو فعلٍ يوجب كفرهم مما دلت عليه السنة وعليه انعقد إجماع الأمة.
فقد أخرج الإمام البخاري من حديث ابن عباس ﵄ عن النبِي ﷺ أنه قال: «مَنْ بَدل دينه فاقتلوه» (^١).
وقال ابن المنذر: «أجمع أهل العلم بأن العبد إذا ارتد فاستتيب فلم يتب؛ قُتل، ولا أحفظ فيه خلافًا» (^٢).
وقال ابن قدامة: «وأجمع أهل العلم على وجوب قتل المرتدين، وروي ذلك عن أبي بكر، وعثمان، وعلي، ومعاذ، وأبي موسى، وابن عباس، وخالد، وغيرهم ولم ينكر ذلك؛ فكان إجماعًا» (^٣).
فدل النص والإجماع على قتل المرتدين، وقد تقدم نقل إجماع السلف على تكفير مَنْ قال بخلق القرآن، فدل على جواز قتلهم -بعد استتابتهم- من غير خلاف بين العلماء، وقد جاءت الآثار بذلك عن السلف.
_________________
(١) صحيح البخاري مع الفتح (٦/ ١٤٩) (ح ٣٠١٧).
(٢) الإجماع (ص ١٢٢).
(٣) المغني (١٢/ ٣٦٤).
[ ١٨٢ ]
فعن عبد الرحمن بن مهدي قال: «لو وليت شيئًا من أمر المسلمين، لوقفت على الجسر وأشهرت سيفي فلا يمر بِيَ أحد يقول: القرآن مخلوق. إلا ضربت عنقه» (^١).
وعن وكيع بن الجراح أنه قال: «مَنْ زعم أن القرآن مخلوق يستتاب؛ فإن تاب وإلا ضربت عنقه» (^٢).
وعن سفيان بن عيينة قال: «مَنْ قال: القرآن مخلوق. كان محتاجًا أن يصلب على ذباب -يعني: جبلًا-» (^٣).
وعن محمد بن إسحاق بن خزيمة أنه قال: «القرآن كلام الله غير مخلوق، فمَن قال: إن القرآن مخلوق. فهو كافر بالله العظيم، لا تقبل شهادته، ولا يعاد إن مرض، ولا يصلى عليه إن مات، ولا يدفن في مقابر المسلمين، يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه» (^٤).
وأقوال السلف في الفتوى بقتل الجهمية ومَن قال بخلق القرآن كثيرة، وإنما هذا طرف منها، وهذا مما يدل على أن الإمام أحمد لم ينفرد بهذا عن غيره من الأئمة، بل هذا قول السلف من قبل الإمام أحمد وبعده.
وكذلك كفر السلف من شك في كفر مَنْ قال بخلق القرآن؛ لأن الشك في تكفير مَنْ قال بهذه المقالة شك في النصوص القاطعة بكفر قائلها، ومخالفة لإجماع
_________________
(١) أخرجه الخلال في السنة (٧/ ٣٧).
(٢) المصدر نفسه (٧/ ٣٩).
(٣) أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (١/ ١١٢).
(٤) عقيدة السلف وأصحاب الحديث للصابوني (ص ١٦٧، ١٦٨).
[ ١٨٣ ]
السلف على تكفير مَنْ قال بذلك.
جاء في كلام أبي زرعة وأبي حاتم الرازيَين في وصف اعتقاد السلف: «ومَن زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر بالله العظيم كفرًا ينقل عن الملة، ومَن شك في كفره ممن يفهم فهو كافر» (^١).
فهاهو ذا اعتقاد أئمة السلف في حكم مَنْ توقف في تكفير الجهمية، وهو القطع بكفره، وما الإمام أحمد إلا متبع لِمَنْ قبله من السلف في ذلك.
ولكن هذه الأقوال المأثورة عن السلف في تكفير مَنْ قال بخلق القرآن، أو تكفير مَنْ شك في كفره هي -على ما تقدم التنبيه عليه- من قبيل الأحكام المطلقة التي لا يستلزم إطلاقها من حيث العموم تنزيل ذلك الحكم على كل معينٍ قال بتلك المقالة إلا بعد استيفاء الشروط وانتفاء الموانع الموجبة للحكم عليه.
ولهذا كان الإمام أحمد يفرق بين مَنْ قال بمقالات الجهمية وهو عالم بها، وبين مَنْ قال بها بسبب شبهةٍ أو جهلٍ، على ما جاء في السنة للخلال عن عبد الله بن أحمد قال: «سمعت أبي يسأل عن الواقفة، قال أبي: مَنْ كان يخاصم ويعرف الكلام فهو جهمي، ومَن لم يُعرف بالكلام يُجانب حتى يرجع، ومَن لم يكن له علم يسأل ويتعلم» (^٢).
وفي السنة أيضًا عن محمد بن مسلم: «أن أبا عبد الله قيل له: فالواقفة؟ قال: أما مَنْ كان لا يعقل فإنه يُبَصر، وإن كان يعقل ويبصر الكلام فهو مثلهم» (^٣).
_________________
(١) شرح اعتقاد أهل السنة للالكائي (١/ ١٧٨).
(٢) السنة للخلال (٥/ ١٣٠)، وانظر (٥/ ١٤٦).
(٣) المصدر نفسه (٥/ ١٣١).
[ ١٨٤ ]
فهذا مما يدل دلالةً ظاهرةً أن الإمام أحمد لا يرى أن كل مَنْ قال بمقالةٍ باطلةٍ استوجب الحكم المطلق لتلك المقالة، ولهذا فرق هنا بين القائلين بالوقف في القرآن مِمن يقولون: لا نقول هو مخلوق ولا غير مخلوق، فلم يجعل حكمهم واحدًا، وإنما أخبر أن مَنْ كان منهم من أهل الكلام فهو جهمي، ومَن كان منهم من أهل العلم وليس من أهل الكلام فهذا يهجر حتى يرجع عن هذه المقالة، ومَن لم يكن مِنْ أهل العلم فهذا جاهل يسأل ويتعلم حتى يعرف الحق، فجعلهم على ثلاثة أحكام بحسب تفاوت أحوالهم.
وبهذا يظهر جهل المالكي عندما زعم أنه يلزم على مذهب أحمد تكفير مَنْ لم يكفر مَنْ قال بخلق القرآن من المعاصرين، قال: «وعلى هذا نكون جميعًا كفارًا على مذهب أحمد».
فيقال له: إن الإمام أحمد فرق بين مَنْ وافق الجهمية من أهل الكلام، وبين مَنْ وافقهم من أهل العلم من أهل السنة بشبهةٍ أو جهلٍ.
وأنت تقر هنا بأنك لا تكفر مَنْ قال بخلق القرآن مع ميلك للجهمية، بل تمجيدك لهم وثناؤك عليهم وتفضيلك لهم على أهل السنة -على ما تقدم من كلامك-، فلا يبعد -والحالة هذه- أن تكون من أصحاب القسم الأول الذين أخبر الإمام أحمد أنهم جهمية.
وأما مَنْ لم يكفر مَنْ قال بخلق القرآن من أهل السنة المتبعين لطريقة السلف بسبب خفاء هذه المسألة عليهم، فهؤلاء الذين لا يلحقون بالجهمية بل يُعَلمون ويناصحون.
[ ١٨٥ ]
وأما قوله: «إنه لا يعرف حنبليًّا اليوم يكفر المعتزلة».
فهذا من التلبيس، فالكلام في (القول بخلق القرآن) لا في المعتزلة، فَلِمَ حاد عن مسألة خلق القرآن إلى الحكم على المعتزلة؟!
ومقتضى الكلام أن يقول: «لا أعرف حنبليًّا يكفر مَنْ قال بخلق القرآن»؛ لأن انتقاده للإمام أحمد في التكفير بخلق القرآن لا في تكفير المعتزلة.
والمعتزلة وإن كانوا وافقوا الجهمية على القول بخلق القرآن الذي هو كفر بلا شك، إلا أن المشهور عند العلماء قديمًا وحديثًا إطلاق القول بتبديعهم دون تكفير؛ لكونهم لُبس عليهم في ذلك، بخلاف الجهمية الذين اشتهر عن العلماء إطلاق القول بتكفيرهم.
ثم إن قوله هنا: «إنه لا يعرف حنبليًّا يكفر المعتزلة» مناقض لقوله في بداية كتابه (ص ٦): «وكان المسلمون في القرون الأولى (الثاني والثالث والرابع) يشكون من توسع الحنابلة في التكفير لسائر الفرق الإسلامية الأخرى، كالأشاعرة، وأهل الرأي، والصوفية، والإباضية، والزيدية، فضلًا عن المعتزلة، والشيعة، والجهمية، والقدرية، والمرجئة، ولم نستجب لهم … ونحن اليوم تحت هذا كله … إذن فنحن اليوم تحت هذا البرج التكفيري كله».
وصدق مَنْ قال: «إن من آفة الكذب أن يكون صاحبه نسيًّا».
وقول الآخر: «إن الله أعاننا على الكذابين بالنسيان» (^١).
طعنه في الإمام البربهاري، واتهامه له بتكفير المسلمين:
قال المالكي (ص ٦٦): «وقال الحسن البربهاري إمام الحنابلة في عصره (ت ٣٢٩ هـ)
_________________
(١) انظر: روضة العقلاء لابن حبان (ص ٥٣).
[ ١٨٦ ]
وننعته نحن بأنه إمام أهل السنة والجماعة في عصره!! قال في كتابه: (شرح السنة): (اعلموا أن الإسلام هو السنة، والسنة هي الإسلام)، وهذا يلزم منه أن مَنْ لم يكن سنيًّا فليس بمسلم!!
وليته يقصد سنة النبِي ﷺ حتى نعذره في قوله، ولكنه يريد السنة المغالية عند الحنابلة في تكفير الفرق المخالفة لهم».
وجوابه:
أن قول الإمام البربهاري: الإسلام هو السنة. حق؛ فإن السنة بمعناها العام الشامل هي حقيقة الإسلام، فما خرج عنها فهو من البدع المحدثة التي ليست من الإسلام، كما بين النبِي ﷺ هذا في حديث العرباض بن سارية في قوله: «فعليكم بسنتِي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثةٍ بدعةٌ، وكل بدعةٍ ضلالةٌ» (^١).
فجعل النبِي ﷺ في مقابل سنته وسنة الخلفاء الراشدين إحداث البدع، ولو كان هناك شيء من الدين لم تشمله سنته وسنة خلفائه لما سمى ذلك بدعة، فدل على شمول سنته وسنة خلفائه للإسلام كاملًا، وبه يظهر مطابقة السنة للإسلام عند الإطلاق، ودلالة كل واحدٍ من اللفظين على الآخر؛ ولهذا كان العلماء يطلقون السنة على ما يشمل الدين كله.
_________________
(١) رواه أحمد (٢٨/ ٣٦٧) (ح ١٧١٤٢)، وأبو داود (٥/ ١٣)، والترمذي (١/ ٤٤)، وقال: حديث حسن صحيح، والحاكم (١/ ١٧٥)، وصححه، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في تخريج مشكاة المصابيح (١/ ٥٨)، رقم (١٦٥).
[ ١٨٧ ]
يقول الإمام أبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرخي: «فاعلم أن السنة: طريقة رسول الله ﷺ والتسنن بسلوكها، وهي أقسام ثلاثة: أقوال، وأعمال، وعقائد» (^١).
ويقول الشاطبِي: «ويطلق -أي: لفظ السنة- في مقابلة البدعة، فيقال: فلان على سنة إذا عمل على وفق ما عمل عليه النبِي ﷺ كان ذلك مما نص عليه في الكتاب أو لا، ويقال: فلان على بدعةٍ إذا عمل على خلاف ذلك» (^٢).
ويقول ابن رجب: «السنة هي الطريق المسلوك، فيشمل ذلك التمسك بما كان عليه النبِي ﷺ وخلفاؤه الراشدون، من الاعتقادات، والأعمال، والأقوال، وهذه هي السنة الكاملة، ولهذا كان السلف قديمًا لا يطلقون السنة إلا على ما يشمل ذلك كله، ورُوي معنى ذلك عن الحسن، والأوزاعي، والفضيل بن عياض» (^٣).
ويقول الشيخ محمد رشيد رضا: «والتحقيق: أن ما كان عليه السلف في الصدر الأول لم يكن يُسمى مذهبًا، ولا يصح أن يُسمى مذهبًا في الإسلام؛ لأنه هو الإسلام كله، وهو وحدة لا تفرق فيها» (^٤).
فتبين بهذا موافقة مُسمى (السنة) لمسمى الإسلام، ودلالة كل منهما على الآخر، ولهذا فسر الإمام البربهاري السنة بالإسلام، وهو بهذا لم يخرج عن طريقة العلماء في ذلك.
وأما ما ادعاه هذا الجاهل من أنه يلزم مِنْ هذا أن مَنْ لم يكن سنيًّا فليس
_________________
(١) نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية (مجموع الفتاوى) (٤/ ١٨٠).
(٢) الموافقات (٤/ ٤).
(٣) جامع العلوم والحكم (٢/ ٤٤).
(٤) مقدمة صيانة الإنسان بقلم محمد رشيد رضا (ص ٧).
[ ١٨٨ ]
بمسلم، فهذا لا يقوله إلا جاهل بالدين؛ فليس كل مَنْ ارتكب بدعةً يخرج بها من الدين، وإنما يكون مسلمًا مبتدعًا، وهذا كما أن مَنْ عصى الله بفعل شيء مخالف للإسلام فإنه لا يكفر به وإنما يكون مسلمًا عاصيًا.
وهذا الرجل إنما أصابته شبهة الخوارج في مسألة الإيمان، حيث ظن أن السنة إن نفيت عن رجلٍ لم يبق معه منها شيء فيكفر بذلك، وهذا كما ظن الخوارج في الإيمان أنه إن نفي عن بعض أصحاب المعاصي لم يبق معهم منه شيء.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وهذا هو الأصل الذي تفرعت عنه البدع في الإيمان؛ فإنهم ظنوا أنه متى ذهب بعضه ذهب كله ولم يبق منه شيء.
ثم قال الخوارج والمعتزلة: هو مجموع ما أمر الله به ورسوله، وهو الإيمان المطلق كما قاله أهل الحديث، قالوا: فإذا ذهب شيء منه لم يبق مع صاحبه من الإيمان شيء فيخلد في النار» (^١).