قال المالكي (ص ٢): «ليس لنا مصلحة، ولا لأي مواطن في التشنيع على مقررٍ من المقررات، إلا من باب النصيحة، والحرص على هذا الدين، ألا نلبسه غلونا وأخطاءنا، أو نلبسه ما ليس منه من الأفكار المخالفة للنصوص الشرعية …».
قلت: قوله: «ليس لنا مصلحة … إلا من باب النصيحة».
هذا كذب ظاهر؛ فمصلحته هي في الانتصار لعقيدته الباطلة القائمة على الطعن في الصحابة، وإنكار عدالتهم، وذم سلف الأمة وسائر أهل السنة، وتنقصهم، ورميهم بالتشبيه والتجسيم، والقدح في كتب أهل السنة، وزعمه أنها مصدر الفساد، وسبب كل فتنةٍ وخصومةٍ وقعت في الأمة، في مقابل تمجيده لأهل البدع، والثناء عليهم، والإشادة بهم من رافضةٍ، وجهميةٍ، وقدريةٍ، ومعتزلةٍ على ما تقدم نقل ذلك عنه.
ومعلوم أن أهل البدع على اختلاف مشاربهم من رافضةٍ، وجهميةٍ، وقدريةٍ، ومعتزلةٍ، ومرجئةٍ ما طعنوا في أهل السنة وفي كتبهم إلا للانتصار لبدعهم، وتعصبهم لآرائهم الباطلة المخالفة للكتاب والسنة.
ومع هذا فيمكن لكل مبتدعٍ ضال أن يدعي ما ادعى المالكي في أن ليس له مصلحة في عدائه لأهل السنة وطعنه عليهم إلا من باب النصح، بل يمكن أن يدعي هذا كل منافق وزنديق وكافر.
وقد وقع هذا منهم كما أخبر الله تعالى عن المنافقين: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا
[ ٢٦ ]
فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١١ - ١٢].
ثم إن المالكي هنا اعترف بأنه شنع على مقررات التوحيد، وزعم أن ذلك من باب النصيحة، والناصح الحقيقي لا يشنع، وإنما يوجه إلى الخير، ويحذر من الشر، برفقٍ، ولينٍ، وسترٍ، دون أن يشنع في ذلك؛ فإن التشنيع في اللغة إظهار القبائح والمثالب.
قال ابن فارس: «الشين والنون والعين، أصلٌ واحدٌ، يدل على رفع الذكر بالقبح» (^١).
ولهذا عد علماء اللغة التشنيع على الشخص سبًّا وشتمًا له.
قال ابن فارس: «وذكر ناسٌ شَنَعَ فلانٌ فلانًا: إذا سبه» (^٢).
وقال الفيروزأبادي في معناه: «استقبحه وشتمه وفضحه» (^٣).
ففرق بين النصيحة والتشنيع.
قال الفضيل بن عياض: «المؤمن يستر وينصح، والفاجر يهتك ويعير» (^٤).
وللعلامة ابن رجب ﵀ رسالة بعنوان: «الفرق بين النصيحة والتعيير» (^٥) قال
_________________
(١) معجم مقاييس اللغة (٣/ ٢١٨).
(٢) المصدر نفسه (٣/ ٢١٨).
(٣) القاموس المحيط (٣/ ٤٧).
(٤) ذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم «١/ ١٥٣)، وفي الفرق بين النصيحة والتعيير [مجموع رسائل ابن رجب (٢/ ٤١٠)].
(٥) مطبوعة ضمن رسائل ابن رجب، انظرها (٢/ ٤٠٣ - ٤١٧).
[ ٢٧ ]
فيها معلقًا على قول الفضيل السابق: «فهذا الذي ذكره الفضيل من علامات النصح والتعيير، هو أن النصح يقترن به الستر، والتعيير يقترن به الإعلان» (^١).
وقال: «فإذا أخبر الرجل بعيبه ليتجنبه كان ذلك حسنًا … وإن كان على وجه التوبيخ بالذنب، فهو قبيح مذموم» (^٢).
واعتراف المالكي بتشنيعه على مقررات التوحيد هذا من الحق الذي أجراه الله على لسانه، فهو في الحقيقة مشنعٌ معيرٌ، وليس بناصحٍ.
وهذه من السنن التي لا تتغير في كل من أبطن غير ما يعلن؛ فإنه لابد أن يظهر منه كما قال تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠].
قال ابن كثير في تفسير الآية: «أي: فيما يبدو من كلامهم الدال على مقاصدهم» (^٣).
وأما ما ادعاه من الغلو والمخالفة للنصوص في مقررات التوحيد، فهذا بناءً على فهمه السقيم، وانحرافه عن الصراط المستقيم، وسيأتي الرد عليه في ذلك عند ذكر النماذج التي انتقدها من مقررات التوحيد.