وأما تفريقه بين سؤال النبِي ﷺ الشفاعة، وبين سؤاله المغفرة والرحمة وادعاؤه أن الأول ليس بشركٍ: فغير صحيحٍ؛ وذلك أن سؤال النبِي ﷺ الاستشفاع عند الله إما أن يكون في حياته أو بعد مماته:
فإن كان في حياته فجائز، كما طلب بعض أصحابه منه الدعاء في حياته، فلم ينكر ذلك عليهم؛ بل دعا لبعضهم كما دعا للأعمى أن يرد الله بصره فرده الله عليه (^١).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «وأما دعاؤه وشفاعته في الدنيا فلم ينكره أحدٌ من أهل القبلة» (^٢).
ويقول أيضًا: «لكن هذا الاستسقاء والاستشفاع والتوسل به وبغيره كان يكون في حياته، بمعنَى أنهم يطلبون منه الدعاء فيدعو لهم، فكان توسلهم بدعائه والاستشفاع به طلب شفاعته، والشفاعة دعاء» (^٣).
وأما طلب الشفاعة من النبِي ﷺ وغيره من الصالحين بعد موتهم: فهذا شرك.
يقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥ - ٦].
_________________
(١) أخرجه أحمد ٢٨ (/ ٤٧٨)، (ح ١٧٢٤٠)، والترمذي (٥/ ٥٦٨)، (ح ٣٥٧٦)، وقال: «هذا حديث حسن صحيح غريب»، وابن ماجه (١/ ٤٤١)، (ح ١٣٨٥ هـ)، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه (١/ ٢٣٢)، وقال محققو المسند: «إسناده صحيح».
(٢) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص ٢٧).
(٣) المصدر نفسه (ص ٢٥١).
[ ٧٣ ]
فأخبر الله تعالى أنه لا أضل مِمن دعا مَنْ لا يستجيب له وهو غافل عن دعائه، وهذا هو حال الأموات، ثم سَمى هذا الدعاء عبادة في قوله: ﴿بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾، فدل على أنه شرك.
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀: «نفى سبحانه أن يكون أحدٌ أضل مِمن يدعو غيره، وأخبر أنه لا يستجيب له ما طلب منه إلى يوم القيامة، والآية تعم كل مَنْ يُدعَى من دون الله كما قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٦].
وفي هذه الآية أخبر أنه لا يستجيب، وأنه غافل عن داعيه: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾» (^١).
ويقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر: ١٣ - ١٤]. فَسَمى الله تعالى دعاء الأنداد من دونه شركًا.
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: «فتبين أن دعوة غير الله شرك» (^٢).
والآية تضمنت بيان فقر كل المدعوين من دونه بما فيهم الأنبياء والصالحون، وعجزهم عن نفع أنفسهم أو غيرهم، ومن هنا يظهر عدم استحقاقهم للدعاء.
يقول الشيخ سليمان بن عبد الله: «حاصل كلام المفسرين كابن كثير وغيره، أنه تعالى يخبر عن حال المدعوين من دونه، من الملائكة، والأنبياء، والأصنام،
_________________
(١) فتح المجيد (ص ١٦٧).
(٢) المرجع السابق (ص ١٧٦).
[ ٧٤ ]
وغيرها مما يدل على عجزهم وضعفهم، وأنهم قد انتفت عنهم الشروط التي لابد أن تكون في المدعو، وهي الملك، وسماع الدعاء، والقدرة على استجابته، فمتى عدم شرط بطل أن يكون مدعوًّا، فكيف إذا عدمت كلها؟!» (^١).
كما أخبر الله عن بطلان كل الأسباب التي تعلق بها المشركون في دعائهم للمخلوقين وسدها كلها بما فيها طلب شفاعتهم، فقال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢ - ٢٣].
قال ابن القيم في حديثه عن هذه الآية: «وقد قطع الله تعالى كل الأسباب التي تعلق بها المشركون جميعًا قطعًا يعلم مَنْ تأمله وعرفه: أن مَنْ اتخذ من دون الله وليًّا، أو شفيعًا فهو ﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤١].
فالمشرك إنما يتخذ معبوده لما يعتقد أنه يحصل له به من النفع، والنفع لا يكون إلا مِمن فيه خصلة من هذه الأربع: إما مالك لما يريده عابده منه، فإن لم يكن مالكًا كان شريكًا للمالك، فإن لم يكن شريكًا كان معينًا وظهيرًا، فإن لم يكن معينًا ولا ظهيرًا كان شفيعًا عنده.
فنفى سبحانه المراتب الأربع نفيًا مترتبًا، متنقلًا من الأعلى إلى ما دونه، فنفى الملك، والشركة، والمظاهرة، والشفاعة التي يظنها المشرك، وأثبت شفاعة لا نصيب
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد (ص ٢٥١).
[ ٧٥ ]
فيها لمشرك، وهي الشفاعة بإذنه» (^١).
فتبين بكل هذا أن المدعوين من دونه لا يملكون شيئًا من هذه الأسباب، وأن الشفاعة من الصالحين منهم لا تكون إلا بإذن الله لهم فيها، فالله هو المالك الحقيقي للشفاعة، كما قال: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤].
ولذا نص العلماء المحققون على أن طلب الشفاعة من النبِي ﷺ بعد موته وغيره من الأموات شرك أكبر.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «والمشركون من هؤلاء قد يقولون: إنا نسشتفع بهم، أي: نطلب من الملائكة والأنبياء أن يشفعوا، فإذا أتينا قبر أحدٍ طلبنا منه أن يشفع لنا …، ويقولون: إذا طلبنا منه الاستغفار بعد موته كنا بِمنزلة الذين طلبوا الاستغفار من الصحابة.
ويخالفون بذلك إجماع الصحابة والتابعين لهم بإحسانٍ وسائر المسلمين؛ فإن أحدًا لم يطلب من النبِي ﷺ بعد موته أن يشفع له ولا سأله شيئًا، ولا ذكر ذلك أحدٌ من أئمة المسلمين في كتبهم
فهذه الأنواع من خطاب الملائكة والأنبياء والصالحين بعد موتهم عند قبورهم، وفي مغيبهم، وخطاب تماثيلهم، هو من أعظم أنواع الشرك الموجود في المشركين من غير أهل الكتاب» (^٢).
_________________
(١) مدارج السالكين (١/ ٣٤٣)، وانظر: الصواعق المرسلة (٢/ ٤٦١).
(٢) قاعدة جليلة (ص ٢٤ - ٢٥)، وانظر الكتاب نفسه (ص ١٧، ٢١، ٢٥١)، وكتاب الاستغاثة (١/ ١١٠، ٢٦٠)، (٢/ ٧١٦).
[ ٧٦ ]
ويقول الإمام ابن القيم في سياق ذكر أنواع الشرك: «ومن أنواعه: طلب الحوائج من الموتى والاستغاثة بهم، والتوجه إليهم، وهذا أصل شرك العالم؛ فإن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا، فضلًا عمن استغاث به وسأله قضاء حاجته، أو سأله أن يشفع له إلى الله فيها» (^١).
وبهذا يظهر أن الاستشفاع بالنبِي ﷺ بعد موته من الشرك؛ لدخوله في عموم دعاء مَنْ لا يقدر، ومَن لا يستطيع الاستجابة لداعيه، وهذا هو حقيقة الشرك الأكبر الذي انصرف به المشركون عن عبادة الله إلى عبادة غيره، وبه يتبين بطلان دعوى المالكي في التفريق بين سؤاله الشفاعة بعد موته، وسؤاله المغفرة، وتشنيعه على علماء هذه البلاد في ذلك.
٢ - يقول المالكي في (ص ١٧): «الدرس الثامن: محمد رسول الله ﷺ، أنزل الله عليه القرآن الكريم يدعو إلى عبادة الله وحده وترك عبادة غيره، ولم يقل المقرر: (وترك عبادة الأصنام)، وهذا من الدس التكفيري الذي سيفسر في مراحل لاحقة بأن غيرنا من المسلمين يعبدون القبور والأولياء والصالحين، وأن المقلدين من أتباع المذاهب الأربعة يعبدون علماءهم ويتخذونهم أربابًا، وأن الفقه هو عين الشرك، وغير ذلك».
وجوابه:
أما قوله: «لم يقل المقرر: وترك عبادة الأصنام، وهذا من الدس التكفيري».
فهذا من جهله بِحقيقة الشرك، وظنه أن الشرك محصور في عبادة الأصنام،
_________________
(١) مدارج السالكين (١/ ٣٤٦).
[ ٧٧ ]
ولذا انتقد عبارة: «وترك عبادة غيره»، والقرآن والسنة جاءا بالنهي عن عبادة غير الله كما أخبر الله عن رسله أنهم دعوا أقوامهم إلى هذه الكلمة: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾.
وقد أخبر الله عن نوح أنه قال هذه الجملة لقومه، وقالها أيضًا هود، وصالح، وشعيب، كما وردت بذلك الآيات من سور الأعراف وهود والمؤمنون (^١).
وفي خطاب موسى لقومه: ﴿قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا﴾ [الأعراف: ١٤٠].
وقد أمر الله نبينا ﷺ أن يقول في محاجته لقومه: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٤].
﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٦٤].
والآيات في هذا كثيرة.
ومن السنة: ما أخرجه مسلم في صحيحه فيما يرويه النبِي ﷺ عن ربه أن الله
﵎ قال: «أنا أغنَى الشركاء عن الشرك، مَنْ عمل عملًا أشرك فيه معِي غيري تركته وشركه» (^٢).
فقد جاءت هذه النصوص بالتحذير من عبادة غير الله واستعمال لفظ: (غير الله) دون لفظ: (الأصنام)؛ لأنه بالنهي عن عبادة (غير الله) يعم اللفظ كل مَنْ عُبِدَ من دون الله من الأصنام وغيرها من الملائكة والجن وصالحي البشر.
_________________
(١) وردت في تسعة مواضع في القرآن في: الأعراف آية ٥٩، و٦٥، و٧٣، و٨٥، وهود آية ٥٠، و٦١، و٨٤، والمؤمنون آية ٢٣، و٣٢.
(٢) أخرجه مسلم (٤/ ٢٢٨٩)، (ح ٢٩٨٥).
[ ٧٨ ]
وأما على فهم المالكي؛ فالشرك إنما يكون في عبادة الأصنام فقط.
وأما دعوى المالكي: تضمن المناهج اتهام أتباع الأئمة الأربعة بعبادة علمائهم، واتخاذهم أربابًا من دون الله: فهذا محض كذب وافتراء؛ فإنه من المعلوم لكل المدرسين والدارسين وسائر أفراد المجتمع في هذه البلاد المباركة أن الأئمة الأربعة لا يُذكَرُون في مقررات التوحيد وغيرها من المقررات إلا بالثناء الجميل اللائق بمقامهم في العلم والفضل، وكذلك أتباعهم وتلاميذهم الذين هم على طريقهم، هم محل احترامٍ وتقديرٍ لدى القائمين على التعليم في هذه البلاد.
وما زال العلماء والمربون يقررون في كتبهم المطبوعة وفي الأشرطة المسجلة مما لا يكاد يحصى أن المذاهب الأربعة هي مذاهب أهل السنة، وأن مَنْ قلد عالمًا من هؤلاء الأئمة وغيرهم من العلماء أنه لا يُذَم بذلك إن لم يكن قادرًا على النظر والاستنباط من النصوص الشرعية؛ بل هذا فرضه، كما قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣، والأنبياء: ٧].
حتى أصبح هذا الأمر متقررًا لدى كل مَنْ له اطلاع على المقررات الدراسية، وكلام العلماء في هذا البلاد.
وأما الفقه؛ فإنه يحظى بعنايةٍ كبيرةٍ في المقررات، وقد أفردت لتدريسه مادة مستقلة في كل المراحل الدراسية، فكيف يدعي هذا الأفاك أن مقررات التوحيد تقرر: (أن الفقه عين الشرك)؟!! وكيف يسيغ في عقلٍ أن مؤسسة تعليمية تدرس مادة في كل مرحلة من مراحل التعليم فيها ثم تقرر لهؤلاء الدارسين في موطن آخر من المقررات أن ما درستموه في هذه المادة هو عين الشرك؟!!
[ ٧٩ ]
ولبيان أهمية المادة في المناهج الدراسية في هذه البلاد جاء في مقدمة مقرر الفقه للصف السادس الابتدائي (الفصل الأول): «فقد قال -عليه الصلاة السلام-: «مَنْ يردِ الله به خيرًا يفقهه في الدين» (^١).
وانطلاقًا من ذلك قررت وزارة المعارف تدريس الفقه في جميع المراحل الدراسية منذُ إنشائها؛ شعورًا بالواجب وإدراكًا لعظم الحاجة إلى معرفة الأحكام الشرعية، وذلك لأن فهم هذا الدين مرتبط بمعرفة أحكامه وتصورها، كما أن الحاجة ماسة إليها لكي يعبد المسلم ربه على بصيرةٍ».
* * *
_________________
(١) أخرجه البخاري، الصحيح مع الفتح (١/ ١٦٤)، (ح ٧١)، ومسلم (٢/ ٧١٩)، (ح ١٠٣٧).
[ ٨٠ ]