قال المالكي في (ص ٣): «إن التجديد والمراجعة والتنقيح أمور مطلوبة بشكلٍ دائمٍ، غير مرتبطة بحدثٍ ولا توجيه؛ فالتجديد مطلب بغض النظر عن أي وجهات نظرٍ متحفظة أو مبالغة في النقد، وضرورة هذا الأمر ينبع من حقيقة ثابتة؛ وهي أن المناهج أو المقررات هي (إنتاجات بشرية) يعتريها النقص، وتحتاج للمراجعة والتطوير، وليست نصوصًا شرعية لا يجوز التعديل فيها أو النقد».
ويقول في الصفحة نفسها: «المقررات الشرعية بشكلٍ خاص لم تحظ من التجديد والمراجعة وحسن التشخيص ما حصل للمقررات الأخرى؛ نتيجة التدخلات من
_________________
(١) أورده الخطيب في الكفاية (ص ٧٨).
(٢) أخرجه أبو داود في سننه (٥/ ٢٠٠) (ح ٤٨٩٠)، وذكره ابن كثير في تفسيره (٧/ ٣٧٨)، وصحح إسناده الألباني في صحيح سنن أبي داود (٣/ ١٩٩).
[ ٣١ ]
خارج الوزارة، تلك التدخلات المبالغة في التحفظ وسوء الظن بالقائمين على التعليم».
وجوابه:
إن مطالبته بالتجديد في مقررات التوحيد هذا من لبس الحق بالباطل، وهذه طريقة كل ضال منحرفٍ عن دين الله، لابد أن يلبس دعوته للباطل لباس الحق، وإلا لردت من أول وهلة.
فالتجديد في المقررات الدراسية يراد به معنيان: أحدهما صحيح وحق، والآخر باطل وضلال.
فالتجديد الحق: هو التجديد في طريقة عرض المادة العلمية للمقرر، بحيث تتناسب مع أحوال وظروف المتعلمين في هذا العصر، والاستفادة مما جد من وسائل حديثة لم تكن موجودةً من قبل، وهذا الأمر معمول به في وزارة التربية والتعليم في سائر المقررات الدراسية؛ ومنها مقررات التوحيد، وهذا ملاحظ لكل منصفٍ أن المناهج في بلادنا لا تزال في تطور مستمر في هذا المجال.
وأما التجديد الباطل المرفوض: فهو التجديد في أصل المادة العلمية في مقررات التوحيد، ودعوى أن عقيدة أهل السنة لا تتناسب مع هذا العصر، فينبغي إخضاعها للنقد، واستبدال بعض الأفكار والبدع المحدثة المستقاة من كلام اليهود والنصارى والزنادقة بأصول أهل السنة الثابتة بالنصوص الشرعية.
وهذا ما يدعو إليه المالكي؛ وهو المقصود عنده بالتجديد على ما سيأتي نقل كلامه على وجه التفصيل في الطعن في عقيدة أهل السنة وأصولها الثابتة، ودعوى
[ ٣٢ ]
أنها باطلة يجب حذفها من المقررات الدراسية.
وقد تقدم نقل كلامه في طعنه في كتب السلف المصنفة في العقيدة، ودعواه: «أن فيها الكثير من الباطل، بل هو الغالب عليها» (^١).
وقوله: «الظلم من السمات التِي لا تستغني عنها كتب العقائد، ولولا الظلم والغباء لما أصبح لكتب العقائد -مع ما فيها من جهلٍ وظلمٍ- قيمة تستحق الإشادة» (^٢).
فَمِنْ الطبيعي جدًّا ألا يرضي المالكي عن مقررات التوحيد في هذه البلاد؛ إذ هي مستمدة من كتب السلف المصنفة في العقيدة، والقائمة على الأدلة من الكتاب والسنة، والمالكي بهذا متبع لسلفه من الرافضة والقدرية والجهمية الذين نبذوا عقيدة أهل السنة، واستبدلوا بها البدع المحدثة والآراء المضلة؛ ولهذا هو يمجدهم ويثني عليهم في الوقت الذي يطعن فيه في أهل السنة وكتبهم القديمة والحديثة.
والتجديد الذي يدعو إليه ليس هو إلا إحياء لتلك البدع المضلة، بعد أن أطفأتها في هذه البلاد دعوة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب السلفية.
وحتى يتبين لك أيها القارئ حقيقة هذا الأمر فتأمل هذا الاقتراح المقدم منه لتحقيق التجديد في مقررات التوحيد في المملكة العربية السعودية:
يقول في (ص ٣): «بعد تجاربَ سابقةٍ ليسمح لي الإخوة التربويون أن أنقل اقتراحًا قد يرونه غريبًا، لكنني أطرح رأيِي ولا ألزم به أحدًا، وهو أنني أرى من المناسب أن يتم تكليف جهة (إسلامية) خارجية لتأليف (مقررات التوحيد) لعدم
_________________
(١) تقدم نقله (ص ٩ - ١٠).
(٢) تقدم نقله (ص ١٠).
[ ٣٣ ]
قدرة المجتمع المحلي على وضع المقرر المناسب طيلة هذه السنوات».
ولا أظن الأمر خافيًا بعد هذا التصريح على أحد في تحديد هذه الجهات التي يقترح المالكي أن تؤلف لنا مقررات التوحيد، خصوصًا إذا ما ربطنا بين هذا الاقتراح وبين قوله السابق في بيان موقفه من فرق أهل البدع حيث يقول: «ولذلك كان أكثر، بل كل التيارات التِي نصمها بالبدعة كالجهمية، والقدرية، والمعتزلة، والشيعة، والزيدية وغيرهم؛ كل هؤلاء كانوا من الدعاة إلى تحكيم كتاب الله وتحقيق العدالة، وكانوا من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، لكن غلاة السلفية؛ ومنهم غلاة الحنابلة، كان لهم ارتباط قوي بالثقافة الشامية التي لا ترى في هؤلاء إلا دعاة فتنة» (^١).