محمد بن عبد الوهاب، ومِن ثَمَّ بيان ما حصل فيه من تصحيفٍ يخالف ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية.
وأما مسألة تكفير مَنْ سب الصحابة: فليس مما يشنع به على الشيخ محمد لو ثبت عنه، ولا على شيخ الإسلام ابن تيمية، ولا على الشيخ أبا بطين؛ فإن العلماء مختلفون في ذلك، وقد ذهب إلى تكفير من سب الصحابة جمع كبير من السلف والخلف.
وهاهي ذي بعض أقوالهم في ذلك:
قال هارون بن زياد ﵀: «سمعت الفريابِي ورجل يسأله عمن شتم أبا بكر، قال: كافر. قال: فنصلي عليه؟ قال: لا. فسألته: كيف يصنع به وهو يقول: لا إله إلا الله؟ قال: لا تمسوه بأيديكم، ادفعوه بالخشب حتى تواروه في حفرته» (^١).
وقال محمد بن بشار ﵀: «قلت لعبد الرحمن بن مهدي: أحضر جنازة مَنْ سب أصحاب رسول الله ﷺ؟ فقال: لو كان من عصبتِي ما ورثته» (^٢).
وقال الأوزاعي ﵀: «مَنْ شتم أبا بكر الصديق ﵁ قد ارتد عن دينه وأباح دمه» (^٣).
وقال مالك بن أنس ﵀: «الذي يشتم أصحاب رسول الله ﷺ ليس له سهم -أو قال: نصيب- في الإسلام» (^٤).
_________________
(١) الإبانة الصغرى لابن بطة (ص ١٦٠).
(٢) المصدر السابق (ص ١٦٠).
(٣) المصدر السابق (ص ١٦٢).
(٤) المصدر السابق (ص ١٦٢).
[ ١٤٢ ]
وقال بشر بن الحارث ﵀: «مَنْ شتم أصحاب رسول الله ﷺ؛ فهو كافر، وإن صام وصلى وزعم أنه من المسلمين» (^١).
وقال المروزي ﵀: «سألت أبا عبد الله -يعني: أحمد بن حنبل ﵀ عَمن شتم أبا بكر وعمر وعثمان ﵃، فقال: ما أراه على الإسلام» (^٢).
وقال الطحاوي ﵀ في الصحابة: «وحبهم دين وإيمان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان» (^٣).
وقال القاضي أبو يعلى ﵀: «الذي عليه الفقهاء في سب الصحابة: إن كان مستحلًّا لذلك كفر، وإن لم يكن مستحلًّا فسق ولم يكفر» (^٤).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وقد قطع طائفة من الفقهاء من أهل الكوفة وغيرهم بقتل مَنْ سب الصحابة، وكفر الرافضة» (^٥).
وذكر الألوسي ﵀ عن القاضي حسين المروزي ﵀ (من علماء الشافعية) أنه ذهب إلى: «أن سب الشيخين كفر، وإن لم يكن بما فيه إكفارهما، وإلى ذلك ذهب معظم الحنفية» (^٦).
وجاء في أحد البحوث المعاصرة: «ذهب جمع من أهل العلم إلى القول بتكفير
_________________
(١) المصدر السابق (ص ١٦٢).
(٢) المصدر السابق (ص ١٦١).
(٣) الطحاوية مع شرحها لابن أبي العز (ص ٦٨٩).
(٤) الصارم المسلول، لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص ٥٦٩).
(٥) المصدر نفسه (ص ٥٦٩، ٥٧٠).
(٦) الأجوبة العراقية (ص ٥٠).
[ ١٤٣ ]
مَنْ سب الصحابة ﵃ …، وإليه ذهب بعض العلماء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية» (^١).
فإذا كان القول بتكفير ساب الصحابة أو بعضهم مذهب طائفةٍ من العلماء من السلف والخلف، وعلى القول به طوائف من أصحاب الأئمة الأربعة، فأي مطعنٍ يرد على مَنْ قال بذلك من العلماء؛ كشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ أو غيره؟
ولكن هذا المفتون من حنقه على السنة وأهلها يطعن في الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ لعظم مكانته في السنة وأثره في رجوع الناس إليها في هذه العصور بما لا يوجب الطعن عليه؛ بل ويكذب ويفتري عليه بما لم يقله من أجل الصد عن السنة وتنفير الناس منها.
﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧].
وأما دعواه أن معاوية أمر بسب علي وثبوت ذلك في صحيح مسلم: فكذب وبهتان.
ولعله يشير لحديث عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: «أمر معاوية بن أبي سفيان سعدًا، فقال: ما منعك أن تسب أبا تراب؟ فقال: أما ما ذكرت ثلاثًا قالهن له رسول الله ﷺ فلن أسبه لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم» (^٢).
_________________
(١) انظر: عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة، للدكتور ناصر بن علي الشيخ (٢/ ٨٥٦).
(٢) أخرجه مسلم (٤/ ١٨٧١).
[ ١٤٤ ]
وهذا الحديث ليس فيه تصريح بأن معاوية قد أمر بسب علي ﵄.
قال النووي: «وقول معاوية هذا ليس فيه تصريح بأنه أمر سعدًا بسبه، وإنما سأله عن السبب المانع من السب كأن يقول: هل امتنعت تورعًا، أو خوفًا، أو غير ذلك؟» (^١).
وقال أبو العباس القرطبِي: «وهذا ليس بتصريح بالسب، وإنما هو سؤال عن سبب امتناعه ليستخرج من عنده من ذلك أو من نقيضه، كما قد ظهر من جوابه، ولما سمع ذلك معاوية سكت وأذعن وعرف الحق لمستحقه» (^٢).
والذي يظهر لي في هذا -والله أعلم-: أن معاوية إنما قال ذلك على سبيل المداعبة لسعد، وأراد بذلك استظهار بعض فضائل علي ﵁؛ فإن معاوية ﵁ كان رجلًا فطنًا ذكيًّا يحب مطارحة الرجال واستخراج ما عندهم، فأراد أن يعرف ما عند سعد في علي ﵄ فألقى سؤاله بهذا الأسلوب.
وأما ما ادعاه هذا الأفاك من الأمر بالسب فحاشى معاوية ﵁ أن يصدر منه مثل ذلك.
والمانع من هذا عدة أمور:
الأول: أن معاوية نفسه ما كان يسب عليًّا، بل كان معظمًا له، معترفًا له بالفضل والسبق إلى الإسلام، كما دلت على ذلك أقواله الثابتة عنه.
قال ابن كثير: «وقد ورد من غير وجهٍ أن أبا مسلم الخولاني وجماعة معه
_________________
(١) شرح صحيح مسلم (١٥/ ١٧٥).
(٢) المفهم (٦/ ٢٧٨).
[ ١٤٥ ]
دخلوا على معاوية فقالوا له: هل تنازع عليًّا أم أنت مثله؟ فقال: والله إني لأعلم أنه خير مني وأفضل وأحق بالأمر مني …» (^١).
ونقل ابن كثير أيضًا عن جرير بن عبد الحميد عن مغيرة قال: «لما جاء خبر قتل علي إلى معاوية جعل يبكي. فقالت له امرأته: أتبكيه وقد قاتلته؟ فقال: ويحك! إنك لا تدرين ما فقد الناس من الفضل، والفقه، والعلم» (^٢).
فهل يسوغ في عقلٍ ودينٍ أن يسب معاوية عليًّا بعد هذا؟ بل ويحمل الناس على سبه وهو يعتقد هذا فيه؟!!
الثاني: أنه لا يعرف بنقلٍ صحيحٍ أن معاوية تعرض لعلي بسب أو شتمٍ أثناء حربه له في حياته، فهل من المعقول أن يسبه بعد انتهاء حربه معه ووفاته؟!! فهذا من أبعد ما يكون عند أهل العقول، وأبعد منه أن يحمل الناس على سبه وشتمه.
الثالث: أن معاوية ﵁ كان رجلًا ذكيًّا مشهورًا بالعقل والدهاء، فلو أراد حمل الناس على سب علي -حاشاه ذلك- أفكان يطلب هذا من مثل سعد بن أبي وقاص، وهو مَنْ هو في الفضل والورع، مع عدم دخوله في الفتنة أصلًا، فهذا لا يفعله أقل الناس عقلًا وتدبيرًا فكيف بمعاوية؟!!
الرابع: أن معاوية ﵁ انفرد بالخلافة بعد تنازل الحسن بن علي ﵄ له واجتمعت عليه الكلمة والقلوب، ودانت له الأمصار بالملك فأي نفع له في سب علي؟! بل الحكمة وحسن السياسة تقتضي عدم ذلك، لما فيه من تهدئة النفوس،
_________________
(١) البداية والنهاية (٨/ ١٣٢).
(٢) البداية والنهاية (٨/ ١٣٣).
[ ١٤٦ ]
وتسكين الأمور، ومثل هذا لا يخفى على معاوية ﵁ الذي شهدت له الأمة بحسن السياسة والتدبير.
الخامس: أنه كان بين معاوية ﵁ بعد استقلاله بالخلافة وأبناء علي ﵃ من الألفة والتقارب ما هو مشهور في كتب السير والتاريخ.
ومن ذلك: أن الحسن والحسين وفدا على معاوية فأجازهما بمائتي ألف، وقال لهما: «ما أجازهما أحدٌ قبلي، فقال له الحسين: ولم تعطِ أحدًا أفضل منا» (^١).
ودخل مرة الحسن على معاوية فقال له: «مرحبًا وأهلًا بابن رسول الله ﷺ، وأمر له بثلثمائة ألف» (^٢).
وهذا مما يقطع بكذب ما ادعاه المالكي وأشباهه من الرافضة في حق معاوية من حمله الناس على سب علي؛ إذ كيف يحصل هذا مع ما بينه وبين أولاده من هذه الألفة والمودة والاحتفاء والتكريم؟!!
وبهذا يظهر الحق في هذه المسألة وتندحر هذه الشبهة التي أراد هذا الأفاك التلبيس بها على مَنْ لا علم عنده، والله أعلم.