١ - يقول في (ص ١٧) تحت عنوان: (التوحيد للصف الأول الابتدائي): «١ - الدرس السادس (ص ١٦): نعبد الله ربنا عبارة (ندعوه ولا ندعو غيره).
وهذه مقدمة من الصف الأول الابتدائي يَتِم تفسيرها في المتوسطة والثانوية بما يفيد تكفير كثير من المسلمين بزعمنا أنهم يدعون الأنبياء والأولياء والصالحين من توسل وتبرك ونحوه مما سيأتي تفسيره.
ودعاء النبِي ﷺ أو الصالح أو الولي يختلف باختلاف الشخص، فدعاء الميت (يا فلان اشفع لي عند ربك) يختلف عن دعاء الميت نفسه بقول القائل: (يا فلان اغفر لي وارحمني وارزقني)، ونحن لا نفرق بين الصيغتين، وإنما نكفر الجميع كما سيأتي إثباته».
وجوابه:
أن كلامه هذا متضمن شهادته على نفسه بأنه أجهل من أجهل العوام؛ حيث ذكر قبل أربعة أسطر من هذا أن استحقاق الله للعبادة يعرفه أجهل العوام، ثم ينكر هنا أن دعاء غير الله من الأنبياء والأولياء والصالحين شرك مخرج من الملة، وهذا جهل صريح بحقيقة العبادة؛ إذ الدعاء عبادة.
يقول النبِي ﷺ: «الدعاء هو العبادة» (^١).
_________________
(١) أخرجه أحمد (٣٠/ ٢٩٧، ٢٩٨)، (ح ١٨٣٥٢) من حديث النعمان بن بشير، والترمذي (٥/ ٤٥٦) (ح ٣٣٧٢)، والحاكم (١/ ٦٦٧)، وصححه، ووافقه الذهبِي، وقال ابن حجر في الفتح (١/ ٤٩): إسناده جيد. وصححه الألباني في صحيح الجامع (١/ ٦٤١)، (ح ٣٤٠٧).
[ ٧٠ ]
والعبادة لا يصح صرفها لغير الله.
يقول الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥].
ويقول: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠].
ودعوى المالكي أن عبارة: (ندعو الله ولا ندعو غيره)، يتم تفسيرها في المتوسطة والثانوي بما يفيد تكفير كثيرٍ من المسلمين، بدعوى أنهم يدعون الأنبياء والأولياء، كلامه هذا لا يخلو من ثلاثة أمور:
الأمر الأول: إنكاره أن يكون دعاء الأنبياء والأولياء عبادة، وهو معارض لصريح الحديث المتقدم: «الدعاء هو العبادة».
الأمر الثاني: إنكاره أن يكون صرف العبادة لغير الله شركًا، وهذا مناقض لصريح الكتاب والسنة، وما تظافرت عليه النصوص أن العبادة حق لله تعالى، ومَن صرف شيئًا منها لغير الله فقد أشرك.
الأمر الثالث: إنكاره أن يكون دعاء غير الله حصل مِمن ينتسب إلى الإسلام فتكفيرهم يكون بشيءٍ لم يصدر منهم، وهذا يكذبه فيه واقع طوائف من المسلمين في هذا الزمان مِمن عمت فيهم عبادة القبور بتشييد المساجد الكبيرة عليها، والتوجه إلى الموتى بالدعاء وكشف الكرب، والطواف بقبورهم، والذبح لهم من دون الله مما لا ينكره إلا مكابر.
فلا يخلو اعتراضه من إنكار إحدى هذه الحقائق الثلاث، وإلا فما وجه الخطأ في أن يحكم فيمَن دعا غير الله بأنه وقع في نوع من أنواع الشرك الأكبر، بعد أن دلت
[ ٧١ ]
النصوص على هذا دلالة صريحة لا يمكن دفعها.
على أن أهل السنة وإن كانوا يعتقدون أن الدعاء وغيره من أنواع العبادات الأخرى إذا صرفت لغير الله أنها شرك أكبر مخرج من الملة، إلا أنهم لا يعتقدون أن مَنْ ارتكب شيئًا من ذلك من المعينين يكون كافرًا حتى تقوم عليه الحجة، وتتحقق فيه شروط التكفير وتنتفي موانعه.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «والتحقيق في هذا: أن القول قد يكون كفرًا كمقالات الجهمية الذين قالوا: إن الله لا يتكلم، ولا يُرَى في الآخرة، ولكن قد يخفى على بعض الناس أنه كفر، فيطلق القول بتكفير القائل، كما قال السلف مَنْ قال: القرآن مخلوق؛ فهو كافر، ومَن قال: إن الله لا يُرَى في الآخرة؛ فهو كافر، ولا يكفر الشخص المعين حتى تقوم عليه الحجة» (^١).
ويقول ﵀: «فإنا بعد معرفة ما جاء به الرسول ﷺ نعلم بالضرورة أنه لم يشرع لأمته أن تدعو أحدًا من الأموات؛ لا الأنبياء ولا الصالحين ولا غيرهم، لا بلفظ الاستغاثة ولا بغيرها، ولا بلفظ الاستعاذة ولا بغيرها، كما أنه لم يشرع لأمته السجود لِميتٍ ولا لغير ميتٍ ونحو ذلك.
بل نعلم أنه نَهى عن كل هذه الأمور، وأن ذلك من الشرك الذي حرمه الله ورسوله، لكن لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة في كثيرٍ من المتأخرين لم يمكن تكفيرهم بذلك حتى يبين لهم ما جاء به الرسول ﷺ مما يخالفه» (^٢).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٧/ ٦١٧).
(٢) كتاب الاستغاثة (٢/ ٧٣٠).
[ ٧٢ ]