قال في (ص ٢٠): «جاء في الدرس الثالث (ص ١٢): (إن الله لا يرضى أن يشرك معه أحد في عبادته: لا ملك مقرب ولا نبِي مرسَل)، وهذا الكلام من الناحية النظرية صحيح، لكن المراد بالكلام غير هذا الظاهر البريء.
فالمراد أن المسلمين يشركون بالله ﷿ عندما يتبركون أو يتوسلون بالصالحين أو يستشفعون بهم أو يبنون الأضرحة عند قبورهم … إلخ، فهذه عند علماء الدعوة عبادة لغير الله، ويلزم منها الشرك الأكبر المخرج من الملة، وعلى هذا لابد من البيان للطالب أن يتورع في تنزيل النظرية إلا على من عبد غير الله حقًّا، أما مَنْ أخطأ في دعاء غير الله أو التوسل به أو … فليس مشركًا ولا كافرًا، لكنه مرتكب لمحرم شرعًا، أو مكروهًا، بل بعض هذا مباح عند بعض العلماء قديمًا وحديثًا، فإن خطأناهم لا يجوز لنا تكفيرهم، ولا رميهم بالشرك فالشرك أمره عظيم.
فلهذا ينشأ الطالب فينا وهو يتلفت (أين المشركون الذين يعبدون غير الله؟)
فلما يقرأ في كتب الدعوة السلفية يظنه قد وجد ضالته في (تكفير المسلمين)، وأن خريطة العالم الإسلامي إنما هي (خريطة المشركين!)، أما بقية خريطة العالم فهي خريطة أهل الكتاب! وأهل الكتاب أقرب إلينا من المشركين! وهذا ما أكدته الجذور الفكرية لمناهج التعليم».
والجواب:
أن نقده هذا لم يخرج عن طريقته السابقة في إيراده نقلًا من (مقررات التوحيد)، ثم يزعم أن المراد به كذا وكذا، ثم يَبني نقده على هذا المراد المزعوم، وهذا
[ ١٠٤ ]
إنما يدل على عجزه عن النقد العلمي لمقررات التوحيد، وعلى سلامتها مما يلصقه بها من أخطاء وانحرافات، وهذا الأسلوب الذي يتبعه يدل على سذاجته، وإلا فكيف لعاقلٍ يعي ما يقول يخاطب الناس بمثل هذا الكلام ويظن أنه سيقبل منه؟
وأما دعواه أن بعض صور الشرك من دعاء غير الله، والاستشفاع بالأموات من المحرمات أو المكروهات أو المباحات: فهذا من فرط جهله بأصول الدين التي لا يجهلها أكثر المسلمين.
وقد تقدم الرد عليه في ذلك بذكر الأدلة على أن دعاء غير الله والاستشفاع بالأموات وطلب الحاجات منهم من الشرك الأكبر، فلا حاجة لإعادته هنا (^١).
وأهل السنة مع اعتقادهم أن صرف نوعٍ من أنواع العبادة للمخلوقين من الشرك الأكبر المخرج من الملة، إلا أنهم لا يكفرون كل مَنْ فعل ذلك مِنَ المعينين إذا كان جاهلًا أو متأولًا حتى تقوم عليه الحجة بذلك، وتنتفي الموانع في حقه (^٢).
وهذا بِخلاف ما ظنه هذا الجاهل من أن كل ما قال فيه العلماء: (إنه كفر أو شرك) أن ذلك يستلزم تكفير مَنْ قام به مِنَ المعينين.
وأما دعواه أن مما أكدته المناهج (أن خريطة العالم الإسلامي إنما هي خريطة المشركين): فأين النقل الذي يدل على هذا من المناهج فليأت به إن كان صادقًا: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١، والنمل: ٦٤].
وقد سبق الرد عليه في هذا الفرية بتوسع، وذكر نماذج كثيرة من واقع معاملة
_________________
(١) انظر: (ص ٧٢ - ٧٧).
(٢) تقدم تقرير ذلك ونقل كلام العلماء فيه كما في (ص ٧١، ٨٧، ٨٨).
[ ١٠٥ ]
المسلمين في هذه البلاد من حكام وعلماء لإخوانهم في البلاد الأخرى، وما بينهم وبين إخوانهم من ود وتواصلٍ وتعاونٍ على الخير مما لا ينكره إلا مكابر، فليراجع في موضعه من البحث (^١).
قال (ص ٢١): «في المقرر (ص ١٤) عنوان: (لا تَجوز موالاة مَنْ حَاد الله ورسوله)، ولو كان أقرب قريبٍ.
يظن بعض السذج أن المراد بهؤلاء المحادين لله والرسول هم: (الكفار الأصليون)؛ بل المحاربون منهم خاصة، ولا يعرفون أن المراد به (خصوم الدعوة السلفية) من أتباع المذاهب الأربعة …».
وجوابه:
أن هذا أيضًا نقد على ما يدعيه من أنه المراد من السياق هو ما ذهب إليه، وهو مع هذا لا يورد أي دليل يدل على هذا الفهم، لا من اللفظ، أو السياق الذي أورده، ولا من موطن آخر يفسره من (المقرر) حتى تُسَلم له هذه الدعوى.
وهل يمكن لعاقلٍ أن يفهم من عبارة: (لا تَجوز موالاة مَنْ حاد الله ورسوله)، أن المراد بذلك خصوم الدعوة السلفية، وأن الكفار الأصليين لا يدخلون في عموم: من حَاد الله ورسوله.
ثم إذا كان المالكي يدعي أن مَنْ فهم مِنْ هذه العبارة (أن المراد بها الكفار، فهو ساذج)، فماذا يقول في معنَى قول الله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢].
_________________
(١) انظر: (ص ٣٩، ٤٠).
[ ١٠٦ ]
هل يقول إن المقصود ب: (المحادين لله ورسوله) هم خصوم الدعوة السلفية من أتباع المذاهب الأربعة، فيكون في القرآن تكفير للمسلمين؟!
وليعلم القارئ أن مسلك المالكي في تفسير كلام العلماء بهذه الطريقة مسلك موروث قد ورثه عن أسلافه الباطنية الذين يجعلون للنصوص ظاهرًا وباطنًا، ويزعمون أن الظاهر هو الذي يفهمه السذج والبله من الخطاب، وأما الباطن فهو الذي يعرفه الأذكياء عن طريق رموز وإشارات خفية إلى حقائق معينة.
يقول أبو حامد الغزالي المتوفى سنة (٥٠٥ هـ) في كتابه: «فضائح الباطنية»: «أما الباطنية فإنما لقبوا بها لدعواهم أن لظواهر القرآن والأخبار بواطن تجري في الظواهر مجرى اللب من القشر، وأنها بصورها توهم عند الجهال الأغبياء صورًا جلية، وهي عند العقلاء والأذكياء رموز وإشارات إلى حقائق معينة» (^١).
نقده لباقي مقررات التوحيد، ومنهجه الفاسد في ذلك:
نقد الكاتب لمقررات التوحيد الأخرى لم يخرج عن طريقته السابقة التي لم يسبقه إليها أحد من العقلاء مهما بلغ به الضلال، سوى ما عرف من مذهب الباطنية الفاسد.
وقد سود أوراقًا كثيرة يزعم فيها انتقاد مقررات التوحيد بإيراده نماذج من النقول من المقررات، ثم يفسرها بتفسيرات متكلفة باطلة بعيدة عن مدلولها الصحيح، ثم يبني نقده على هذا التفسير.
_________________
(١) فضائح الباطنية (ص ١١).
[ ١٠٧ ]
وإن من ضياع الوقت متابعة مثل هذا الهراء للرد عليه، وإنما أذكر نماذج من كلامه في نقد المقررات ليعلم حقيقة هذا النقد، وحال الناقد، وما هو عليه من كذبٍ وتلبيسٍ فيما يظهره من النقد والتصحيح لمقررات التوحيد.