قال في (ص ١٨): «الفصل الثاني (ص ٢٧) تحت درس: (توحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات): ١ - جاء تعريف توحيد الألوهية بأنه: (توحيد الله في أفعال العباد كالدعاء والخوف والتوكل والرجاء والصلاة والزكاة)، وهذه المراد منها كما ستأتِي مفسرة في كتب الدعوة السلفية من أن المسلمين من مخالفي الدعوة السلفية ليسوا موحدين، بل هم كفار مشركون شرك (^١) أكبر ينقل عن الملة؛ لأنهم يدعون الأولياء ويخافونهم ويتوكلون عليهم ويرجونهم ويتوسلون بهم … إلخ.
وهذا أيضًا مما يجهله التربويون، ويعرفه الغلاة ويظنونه دينا، وإلا لو كان المراد دعاء الأصنام وعبادة غير الله لما كان هذا الاختلاف الكبير بين الوهابية ومخالفيهم من المسلمين».
وجوابه:
أنه قد تكرر منه هذا الأسلوب كثيرًا -على ما مضى- في أنه يورد عبارةً أو مقطعًا من مقررات التوحيد ثم يدعي أن المراد منه كذا وكذا، ثم ينتقد المراد بزعمه.
وهذا ليس أسلوبًا علميًّا في النقد، ولا أعلم أن أحدًا سبقه إلى هذا؛ وذلك أنه ينبغي للناقد أن يحدد موطن النقد من كلام مخالفه ثم يبين وجه الخطأ فيه، أما أن يورد كلامًا وينتقد مفهومه بزعمه من غير إحالةٍ ولا توثيق لهذا المفهوم المزعوم، فهذا مما لم يعرف في أساليب النقد العلمي، ولا يصدر إلا من جاهل بهذا الباب، أو ملبس ماكر يريد مخادعة العامة بكلامه.
_________________
(١) هكذا وردت في كلامه، والصواب: (شركًا).
[ ٨٦ ]
وأما زعمه أن مفهوم التوحيد يأتي مفسرًا في كتب الدعوة السلفية أن مخالفي الدعوة السلفية ليسوا موحدين، بل كفار مشركون شركًا أكبر ينقل من الملة؛ لأنهم يدعون الأولياء ويخافونهم ويتوكلون عليهم … إلخ.
فهو مطالب بتوثيق هذا الكلام من كتب الدعوة السلفية، وهذا الكلام الذي ينسبه لكتب الدعوة السلفية متضمن لحق وباطلٍ.
فأما دعواه أن السلفيين يرون أن مخالفي الدعوة السلفية ليسوا موحدين، وأنهم مشركون الشرك الأكبر؛ فهذا باطل بهذا العموم، فليس كل مَنْ خالف الدعوة السلفية مشركًا، بل المخالفات تتنوع، فقد تكون المخالفة من جنس أخطاء المجتهدين في فهم النص ولم تصل إلى حد البدعة، فيبين خطأ هذا المجتهد نصحًا للأمة، ولا يؤثم هو في اجتهاده، ولا يحكم عليه ببدعة أو فسق.
وقد يكون الخطأ من قبيل أخطاء المبتدعة الذين انحرفوا عن السنة ووقعوا في البدع التي حذر منها السلف والأئمة، فمثل هؤلاء يبدعون وفق ضوابط معروفة عند أهل السنة، ولا يحكم عليهم بكفر أو شرك ما لم يقع منهم ما يوجب الكفر أو الشرك.
وقد يكون الخطأ منافيًا لأصل الدين بارتكاب شيء مكفر أو نوع من أنواع الشرك الأكبر، فهذا الذي يحكم على مرتكبه بالكفر والشرك عند أهل السنة، لكن بعد قيام الحجة عليه بذلك، والتحقق من توفر شروط التكفير وانتفاء موانعه في حقه.
فإن كان يقصد بالمخالفين للمنهج السلفي مَنْ كانت مخالفتهم دون الكفر
[ ٨٧ ]
والشرك: فالسلفيون يبرءون إلى الله من تكفير هؤلاء، وهم من أشد الناس تحذيرًا من نسبة رجلٍ من المسلمين للكفر ما لم يستوجب ذلك شرعًا.
وإن كان يقصد بالمخالفين مَنْ ارتكسوا في الشرك الأكبر بدعاء غير الله أو صرف نوعٍ من أنواع العبادة للمخلوقين ممن يدعون فيهم الولاية وغيرهم من الصالحين على حد تعبيره: (يدعون الأولياء، ويخافونهم، ويتوكلون عليهم)، فهؤلاء لا شك في كفرهم بعد قيام الحجة عليهم كما دلت على ذلك النصوص الشرعية.
يقول الله تعالى في التحذير من دعاء غيره: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣ - ١٤].
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀: «فتبين أن دعوة غير الله شرك» (^١).
وقال تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٣].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧]. فأخبر الله أن مَنْ دعا غيره فقد اتخذه إلهًا.
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀: «فتبين بهذه الآية ونحوها أن دعوة غير الله كفر وشرك وضلال» (^٢).
ويقول الله تعالى آمرًا بإخلاص الخوف له والتحذير من الشرك فيه: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥].
_________________
(١) فتح المجيد (ص ١٧٦).
(٢) فتح المجيد (ص ١٦٥).
[ ٨٨ ]
وقال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٣٦].
وقال تعالى مخبرًا عن إبراهيم ﵇ في مناظرته لقومه: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٨١].
وقال تعالى في الأمر بإخلاص التوكل عليه: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣].
وقال تعالى مخبرًا عن موسى ﵇: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤].
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀: «فجعل دليل صحة الإسلام التوكل» (^١).
ويقول تعالى في حكم الشرك في العبادة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦].
ويقول T مخبرًا عن عيسى ﵇: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢].
فهذا حكم الله فيمَن صرف نوعًا من أنواع العبادة لغير الله، فالله تعالى هو الذي حكم فيهم بالكفر والشرك، ومَن رد حكم الله وحكم رسوله؛ فإنه كافر خارج من الدين، فليحذر المالكي من خطورة هذا الأمر، وليتب إلى الله ﷿ قبل أن
_________________
(١) المرجع نفسه (ص ٣٤١).
[ ٨٩ ]
يأتي الأجل وهو على هذا الانحراف الخطير في الدين والإغراق في الضلال المبين.
قال المالكي في (ص ١٨): «ثم ذكر المقرر توحيد الأسماء والصفات، وقال في ذلك: ومن صفاته: الحياة، والرحمة، والعلم، والعلو، والقدرة، وهذه المراد منها إخراج الأشاعرة، والإباضية، والشيعة، وأتباع المذاهب الأربعة المعاصرين من دائرة الموحدين إلى دائرة المشركين، أو المبتدعين، أو الفرق الهالكة؛ لأن هؤلاء جميعًا يتأولون العلو مثلًا بأنه العلو المعنوي لا الحسي، بينما يرى الحنابلة وتبعهم الوهابية بأن العلو حسي، وأن مَنْ أنكره فليس موحدًا، وعلى هذا يمكن أن يكون مشركًا كافرًا …» إلخ.
وجوابه:
أن هذا الأسلوب في النقد على طريقته السابقة: يورد جملةً أو مقطعًا من مقررات التوحيد، ثم يفسره بما شاء، ثم ينتقد التفسير والفهم الذي ذهب إليه، بعد عجزه عن نقد النص المنقول، وهذا من أعجب الأمور، ولا يعرف أن أحدًا من السابقين أو المعاصرين لا من أهل السنة ولا من أهل البدع سبقه لهذا.
وأعجب من هذا كله: زعمه في هذا الموطن أن العبارة التي نقلها من المقرر وهي: «ومن صفاته: الحياة، والرحمة، والعلم، والعلو، والقدرة»، تدل على تكفير الفرق التي ذكر.
فهل هذا الكلام يصدر من عاقلٍ يدري ما يقول؟!
وهل تفسيره للكلام بما ذكر يرجع إلى مدلول لغوي -ولو من وجهٍ بعيدٍ- أم أنه أشبه بهذيان المجانين ومسلوبِي العقول؟!
[ ٩٠ ]
وأما كون بعض أهل البدع ينكرون الصفات، فلا يلزم من إثبات أهل السنة لها -كما دلت عليه النصوص- تكفير مَنْ أنكرها، بل المؤمن يعتقد إثبات ما أثبت الله لنفسه من الصفات، ولربما لم ينقدح في ذهنه مخالفة أهل البدع له في ذلك، بل كثير من صغار طلبة العلم وكذلك طلبة المدارس في المراحل الأولية لا يعرفون إنكار المخالفين للصفات، بل ما سمعوا بأشاعرة ولا إباضية فضلًا أن يعتقدوا كفرهم، ولهذا لم يخاطبوا في هذه المراحل إلا بإثبات الصفات لله ﷿ دون الإشارة لا من قريبٍ أو بعيدٍ لخلاف المخالفين في هذا الباب.
وأهل السنة وإن كانوا يخطئون منكري الصفات، بل يعتقدون أن إنكار شيء من صفات الله كفر؛ لأنه تكذيب لما أخبر الله عن نفسه، إلا أنهم لا يكفرون من وقع في شيء من ذلك متأولًا.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «ولا يلزم إذا كان القول كفرًا، أن يكفر كل مَنْ قاله مع الجهل والتأويل، فإن ثبوت الكفر في حق الشخص المعين كثبوت الوعيد في حقه، وذلك له شروط وموانع» (^١).
ومن هذا الباب لم يكفر أهل السنة كل مَنْ خالف في الصفات فأنكر ثبوت شيءٍ منها لله متأولًا.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «والتحقيق في هذا: أن القول قد يكون كفرًا، كمقالات الجهمية الذين قالوا: إن الله لا يتكلم ولا يرى في الآخرة. ولكن يخفى على بعض الناس أنه كفر، فيطلق القول بتكفير القائل، كما قال السلف: مَنْ قال: القرآن
_________________
(١) منهاج السنة (٥/ ٢٤٠).
[ ٩١ ]
مخلوق؛ فهو كافر، ومَن قال: إن الله لا يرى في الآخرة؛ فهو كافر، ولا يكفر الشخص المعين حتى تقوم عليه الحجة» (^١).
وبهذا يعلم كذب المالكي في دعواه: تكفير الحنابلة للفرق المخالفة في الصفات، وجعله هذا من لوازم إثباتهم للصفات.
* * *
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٧/ ٦١٩).
[ ٩٢ ]