١ - يقول في (ص ١٨): «في الفصل الثاني (ص ٣٣)، تحت عنوان: (معرفة الدين)، جاء تعريف المقرر للإسلام بأنه: (الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله).
قلت: [والكلام للمالكي] وهذا من الناحية النظرية لا شيء فيه، ولكن التربويين لا يعرفون أن هذا من التقعيد لتكفير المسلمين؛ لأن الشرك هنا ليس المراد به الشرك الأصلي (شرك الكفار)، وإنما المقصود به شرك المسلمين، (وأهل الشرك) هنا المراد بهم المسلمون، والدليل على ذلك أن هذه العبارة في تعريف الإسلام مأخوذة من كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب وعلماء الدعوة، والشيخ محمد وعلماء الدعوة لا يقصدون بالشرك والمشركين في جميع كتبهم ومؤلفاتهم إلا المخالفين لهم من المسلمين، وهذا مما يجهله التربويون ويخفيه العقائديون تهيئة منهم للطالب لأن يصبح مكفرًا للمسلمين».
وجوابه من عدة أوجه:
الوجه الأول: أنه أقر أن تعريف الإسلام بما نقل من الناحية النظرية لا شيء فيه، فكيف عرف أن المقصود هو الحكم على المسلمين بالشرك، أليس هو من الرجم بالغيب وسوء الظن بالمسلمين، مع أنه في مقدمة كتابه يطالب بحسن الظن به في نقده لمقررات التوحيد فيقول: «يجب على الجميع ترك سوء الظن بِمَنْ نقد مقررات التوحيد وغيرها …».
فسبحان الله! ما أعظم جرأة هذا الرجل! فهو مع طعنه في عقيدة أهل السنة
[ ٨١ ]
وطعنه في أهلها ودعوته للشرك والبدع وتمجيده لأهل الزيغ والضلال يطالب بحسن الظن فيه.
وأما في معاملته لغيره، فيعطي لنفسه الحق في أن يحمل الكلام البين الواضح على ما شاء من المحامل السيئة، ثم يطعن به على أهل بلدٍ كاملٍ.
وصنيعه هذا مما يدل على إفلاسه وخيبته؛ فإنه لَما لم يَجد ما يطعن به على مقررات التوحيد لجأ إلى تأويل الكلام الحق إلى معانٍ باطلة، ثم يطعن بها على أهل الحق، وهذا شأن كل أهل البدع الطاعنين على أهل السنة، إذا ما عجزوا عن نقد أقوالهم الحقة سلكوا هذا المسلك الباطل للتلبيس على ضعاف البصائر في ذلك.
الوجه الثاني: قوله: «إن هذا من التقعيد لتكفير المسلمين …».
هذه دعوى مجردة من الدليل؛ فأين التقعيد لتكفير المسلمين في العبارة السابقة؟!
بل دعواه هذه مناقضة لقوله سابقًا: «وهذا من الناحية النظرية لا شيء فيه».
والموطن الذي انتقده من المقرر وهو تعريف الدين بأنه: (الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك)، حق قد دلت النصوص عليه لفظًا ومعنًى.
فقد دل على الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة الكثيرُ من النصوص؛ كقوله تعالى: ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾، [الحج: ٣٤].
وقوله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر: ٥٤].
وقوله تعالى مُخبِرًا عن إبراهيم ﵊: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١].
[ ٨٢ ]
قال ابن كثير في تفسيرها: «أَمَرَهُ بالإخلاص له، والاستسلام والانقياد؛ فأجاب إلى ذلك شرعًا وقدرًا» (^١).
وأما البراءة من الشرك؛ فقد دل عليها قوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾. [الأنعام: ١٩].
قال الطبري في معنَى الآية: «قل: وإنني بريء من كل شريكٍ تدعونه لله وتضيفونه إلى شركته وتعبدونه معه، ولا أعبد سوى الله شيئًا، ولا أدعو غيره إلهًا» (^٢).
والآيات في هذا المعنَى كثيرةٌ جدًّا، وإنما ذكرت هنا ما تبطل به دعوى هذا المبطل فحسب.
الوجه الثالث: أن دعواه أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وعلماء الدعوة لا يقصدون بالشرك والمشركين في جميع كتبهم ومؤلفاتهم إلا المخالفين لهم من المسلمين، هذا من أعظم الكذب والبغي الذي يعلمه من له أدنَى اطلاع على كتب شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وعلماء الدعوة بعده، وهذه فرية قديمة ألصقها الأعداء بدعوة الشيخ للتنفير منها، وصد الناس عنها.
وقد أجاب الشيخ نفسه، ثم تلاميذه من بعده عن هذه الفرية بما أبطل الله به كيد الكائدين الصادين عن دين الله.
يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في إحدى الرسائل الشخصية: «وأما
_________________
(١) تفسير ابن كثير (١/ ٤٤٦).
(٢) تفسير الطبري (٥/ ١٦٣).
[ ٨٣ ]
ما ذكره الأعداء عني أني أكفر بالظن وبالموالاة، أو أكفر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة، فهذا بهتان عظيم يريدون به تنفير الناس عن دين الله ورسوله» (^١).
ويقول ﵀: «وكذلك تمويهه [يعني: المردود عليه] على الطغام بأن ابن عبدالوهاب يقول: الذي ما يدخل تحت طاعتِي كافر، ونقول: سُبحَانَكَ هَذَا بُهتَانٌ عَظِيمٌ، بل نُشهد الله على ما يعلمه من قلوبنا بأن مَنْ عمل بالتوحيد وتبرأ من الشرك وأهله فهو مسلم في أي زمانٍ وأي مكانٍ، وإنما نكفر مَنْ أشرك بالله في إلهيته بعدما نبين له الحجة على بطلان الشرك، وكذلك نكفر مَنْ حسنه للناس» (^٢).
ويقول أيضًا في بعض رسائله: «وأجلبوا علينا بخيل الشيطان ورجله، منها: إشاعة البهتان بما يستحي العاقل أن يحكيه فضلًا أن يفتريه، ومنها ما ذكرتم أني أكفر جميع الناس إلا مَنْ اتبعني، وأزعم أن أنكحتهم غير صحيحة، ويا عجبًا كيف يدخل هذا في عقل عاقلٍ، هل يقول هذا مسلم أو كافر، أو عارف أو مجنون؟!!!» (^٣).
ويقول الشيخ عبد الله ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمهما الله-: «وأما مَنْ يكذب علينا سترًا للحق وتلبيسًا على الخلق … وأنا نكفر الناس على الإطلاق أهل زماننا ومن بعد الستمائة إلا مَنْ هو على ما نحن عليه، ومن فروع ذلك: أنا لا نقبل بيعة أحد إلا بعد التقرير بأنه كان مشركًا، وأن أبويه ماتا على الإشراك بالله …، وجوابنا في كل مسألةٍ من ذلك: سُبحَانَكَ هَذَا بُهتَانٌ عَظِيمٌ، فمَن روى عنا شيئًا من ذلك أو نسبه إلينا، فقد كذب علينا وافترى، ومَن شاهد حالنا وحضر مجالسنا
_________________
(١) مجموع مؤلفات الشيخ (٣/ ١٤).
(٢) المرجع نفسه (٣/ ٣٤).
(٣) المرجع نفسه (٣/ ٢١ - ٢٢).
[ ٨٤ ]
وتحقق ما عندنا علم قطعًا أن جميع ذلك وضعه وافتراه علينا أعداء الدين وإخوان الشياطين؛ تنفيرًا للناس عن الإذعان بإخلاص التوحيد لله تعالى بالعبادة» (^١).
وكلام الشيخ وأبنائه وأئمة الدعوة كثير جدًّا في دفع هذه الفرية.
وقد أظهر الله الحق ونصر الله جنده وأولياءه حتى عمت دعوة الشيخ -القائمة على الكتاب والسنة- كافة الأقطار الإسلامية، وانتفع الناس بها انتفاعًا عظيمًا في رجوعهم إلى دين الله الحق وعقيدة السلف الصالح، وما بقي مَنْ يجهل في هذا الزمان من المشتغلين بالعلم أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب مجدد للدين والعقيدة الصحيحة في هذه العصور المتأخرة، وأنه من كبار العلماء المجاهدين، والعلماء الربانيين، الذين ما عرفت الأمة منذُ قيامه بدعوته إلى اليوم أعظم نفعًا وبركةً على الأمة منه.
وما كان يخطر ببالٍ أن يأتي من أبناء هذه البلاد التي نفعها الله بدعوة الشيخ هذا النفع العظيم، مَنْ يردد دعوات المغرضين الصادين عن الدعوة، ويشكك في صدق دعوة الشيخ بعد أن أظهرها الله، وقمع أعداءها حتى جاء هذا المخذول المفتون بما جاء به من الطعن في الشيخ ودعوته، وفي علماء هذه البلاد ومناهج التوحيد، وإن في حاله لعبرة للمعتبرين، وبيان مدى ضعف العبد إن لم يَمُنَّ الله عليه بالهداية والثبات.
فاللهم مقلب القلوب مُنَّ علينا بالهداية والثبات على دينك، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عينٍ فنضل مع الضالين.
* * *
_________________
(١) الدرر السنية (١/ ٢٢٩ - ٢٣٠).
[ ٨٥ ]