الأولى: رميه للعلماء المعاصرين بالتقليد، وهذا كذب عليهم؛ فهم في الحقيقة أئمة كبار متبعون للأدلة من الكتاب والسنة، بعيدون كل البعد عن الجمود والتقليد المذموم، وهذه كتبهم وفتاواهم مليئة بالتحقيقات العلمية المبنية على الأدلة، ومن ذلك براعتهم في استنباط كثيرٍ من الأحكام من الأدلة لبعض النوازل والمستجدات التي لم تكن معروفة في عصور ماضية.
على أن التقليد ليس كله مذمومًا؛ بل هو جائز بل مطلوب أحيانًا؛ لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣، والأنبياء: ٧].
[ ١١٤ ]
والتقليد يجوز في حق العامي العاجز عن الاجتهاد مطلقًا، وفي حق العالم فيما يعجز عن الاجتهاد فيه.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «والذي عليه جماهير الأمة: أن الاجتهاد جائز في الجملة، والتقليد جائز في الجملة، لا يوجبون الاجتهاد على كل أحدٍ ويحرمون التقليد، ولا يوجبون التقليد على كل أحدٍ ويحرمون الاجتهاد، وأن الاجتهاد جائز على القادر على الاجتهاد، والتقليد جائز للعاجز عن الاجتهاد، فأما القادر على الاجتهاد، فهل يجوز له التقليد؟
هذا فيه خلاف، والصحيح أنه يجوز حيث عجز عن الاجتهاد، إما لتكافؤ الأدلة، وإما لضيق الوقت عن الاجتهاد، وإما لعدم ظهور دليلٍ له؛ فإنه حيث عجز سقط عنه وجوب ما عجز عنه، وانتقل إلى بدله وهو التقليد، كما لو عجز عن الطهارة بالماء» (^١).
أما الفرية الثانية: فهي رميه لعلماء الدعوة بالتكفير، وهذا من أفضح الكذب وأشنعه، ومن قرأ كتبهم واطلع على أقوالهم وفتاواهم علم كذب الكاتب في هذا، لكن هذا الضال يرى أن ارتكاب أنواع الشرك الأكبر، وإنكار صفات الله ﷿ وغيرها من المكفرات لا يخرج الرجل من الدين، ويرى أن مَنْ حكم بكونها مكفرات ولو كان حكمًا مطلقًا لا يتنَزل على أحدٍ بعينه فقد كفر المسلمين وأخرجهم من الملة بالباطل.
وقد تقدم الرد عليه في طعنه في أئمة الدعوة بالتكفير بإيراد أقوالهم الداحضة
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢٠/ ٢٠٥).
[ ١١٥ ]
لهذه الفرية، بما يغني عن إعادته هنا (^١).