الوجه الأول: قوله: «إن أكبر ما ينقص لغة المجتمع هو عدم إدراك معاني الألفاظ التي يتحدثون بها ويكررونها …
إلى قوله: إن هذه العيوب انتقلت إلى المقررات نفسها ومن بينها مقررات التوحيد».
قلت: هذه جرأة عظيمة في اتهام أهل الجزيرة العربية بالجهل بلغتهم مع كونهم معدن العرب وأثبتهم أنسابًا؛ حيث لا تزال القبائل العربية القديمة تقطن هذه الجزيرة، وهي معروفة بأسمائها وقيمها وعاداتها القديمة، فهم ألصق الناس بالعرب الأوائل نسبًا ولغة وأخلاقًا، وأقل الناس تأثرًا بالأعاجم في ذلك؛ فكيف يكون أعظم عيوبهم عدم إدراك معاني الألفاظ العربية التي هي لغتهم، ووسيلة التخاطب بينهم على مر العصور وكر الدهور، فهل هذا مما يقوله عاقل يدرك ما يقول؟!
هذا، مع ما حبا الله به هذه الجزيرة من فضلٍ وشرفٍ لا يضاهى، فجعلها موطن الرسالة الخاتمة؛ ففيها مكة والمدينة -حرسهما الله-، والمشاعر المقدسة، وفيها نزل القرآن الكريم بلغة العرب، وما زال أهلها يرتلونه ويقرأونه ويتغنون به، يشب على ذلك الصغير، ويهرم عليه الكبير، فكيف تضيع اللغة وتختلط المفاهيم فِيمَن هذا حالهم؟!
ثُم ما أنعم الله على هذه البلاد من وجود المسجدين العظيمين المشرفين في الإسلام: المسجد الحرام ومسجد النبِي ﷺ، اللذَين لم تخل جنباتهما وأروقتهما على مر
[ ٥٣ ]
التاريخ منذُ عصر البعثة حتى هذا التاريخ من جود العلماء الأجلاء الذين عكفوا على التعليم والتدريس، وتحلق طلبة العلم حولهم يتفقهون في الدين وينهلون من شتى الفنون.
وفي هذا العصر وعلى إثر دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية المباركة، وقيام الدولة السعودية السلفية الناصرة لدين الله في الأرض، والمؤازرة لدعوة الشيخ وأتباعه منذُ بدئها وإلى اليوم، أصبحت هذه البلاد حاضرة المسلمين في العلم، ومن ذلك: علوم اللغة العربية على مختلف تخصصاتها الدقيقة.
فكيف عَم الجهل باللغة كل أهل هذه البلاد فلا يستثنَى من ذلك عالم ولا غيره، بل في مقدمة الجاهلين باللغة ومقاصدها هم أولئك العلماء، ومؤلفو المقررات الدراسية -بزعم المالكي-، فسبحان الله! ما أعظم الجرأة على الكذب عند مَنْ قلَّ حياؤه، وذهبت مروءته واستحكم زيغه وضلاله؟!!
وإن من تناقضات المالكي في هذا: أنه لما زعم أن (عدم إدراك معاني الألفاظ) أثر في كل المقررات الدراسية نسي ثناءه على مقررات الفقه حيث يقول في مقدمة كتابه هذا (ص ٢): «مقررات الفقه (وخاصة المرحلة الثانوية) تتمتع بكثرة الفوائد، وقلة التكرار، وغزارة المعلومات، وحسن العرض، وسهولة الخطاب، ومتعة القراءة».
فكيف تكون مقررات الفقه بهذا الوصف وهي من جملة المقررات التي عمها داء الجهل باللغة و(عدم إدراك معاني الألفاظ)؟!
وصدق مَنْ قال: «وإن من آفة الكذب: أن يكون صاحبه نسيًّا، فإذا كان كذلك كان كالمنادي على نفسه بالخزي في كل لحظةٍ وطرفةٍ» (^١).
_________________
(١) ذكره ابن حبان في روضة العقلاء (ص ٥٣).
[ ٥٤ ]
وقال نصر بن علي الجهضمي: «إن الله أعاننا على الكذابين بالنسيان» (^١).
الوجه الثاني: دعواه اشتمال مقررات التوحيد على ما ليس منه، كأركان الإيمان الستة وغيرها، وتشنيعه على المؤلفين لهذه المقررات بأنهم لا يعرفون مدلول كلمة (التوحيد)؛ هذا من جهله بحقيقة التوحيد.
وجوابه من عدة جوانب:
الجانب الأول: أن التوحيد يطلق على ما هو أعم من معناه الخاص؛ فيطلق على (العبادة)، قال ابن عباس ﵄: «كل ما ورد في القرآن من العبادة فمعناه التوحيد» (^٢).
وقد كثر تفسير العلماء للعبادة بالتوحيد؛ فعن الكلبِي وغيره في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، قال: «إلا ليوحدون» (^٣).
وقال البغوي في تفسير قوله تعالى: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١]: «وحدوا» (^٤).
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ضمن الفوائد المستنبطة من النصوص الواردة بالأمر بالعبادة: «إن العبادة هي التوحيد؛ لأن الخصومة فيه» (^٥).
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله في معنى قول النبِي ﷺ في حديث معاذ ﵁: «أن
_________________
(١) أورده ابن حبان في روضة العقلاء (ص ٥٣).
(٢) تفسير البغوي (١/ ٥٥).
(٣) تفسير البغوي (٤/ ٢٣٥)، وفتح القدير (٥/ ٩٢).
(٤) تفسير البغوي (١/ ٥٥).
(٥) كتاب التوحيد، مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب (٦/ ٦).
[ ٥٥ ]
يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا»: «أي: يوحدوه بالعبادة وحده لا يشركوا به شيئًا» (^١).
وإذا تقرر هذا مع ما عُرفت به العبادة من كونها: (اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة) (^٢): تبين شمول التوحيد لكل شعب الإيمان الاعتقادية، والقولية، والعملية، وأول ما يدخل في ذلك أركان الإيمان، وقد صرح بهذا بعض العلماء في تعريف التوحيد.
يقول ابن جماعة: «علم التوحيد؛ علم يُعنَى بمعرفة الله، والإيمان به، ومعرفة ما يجب له سبحانه، وما يستحيل عليه، وما يجوز، وسائر ما هو من أركان الإيمان الستة وما يلحق بها» (^٣).
الجانب الثاني: أن الإيمان بالله الذي هو حقيقة التوحيد يتضمن الإيمان بأركان الإيمان الأخرى، وهي: الإيمان بالملائكة، والكتب، والرسل، واليوم الآخر، والقدر.
يقول الشيخ السعدي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [النساء: ١٥٢]: «وهذا يتضمن الإيمان بكل ما أخبر الله به عن نفسه، وبكل ما جاءت به الرسل من الأخبار والأحكام» (^٤).
وقد صرح العلماء بتضمن الركن الأول وهو الإيمان بالله بعض أركان الإيمان الأخرى.
يقول الحلِيمِي: «والإيمان برسول الله يتضمن الإيمان له، وهو قبول ما جاء به
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد، (ص ٤٦).
(٢) العبودية لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص ٤).
(٣) إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل (ص ٧).
(٤) تفسير السعدي (ص ٢٥٥).
[ ٥٦ ]
من عند الله، والعزم على العمل به؛ لأن تصديقه في أنه رسول الله إلزام لطاعته، … وهو راجع إلى الإيمان بالله تعالى» (^١).
وقد نقل هذا البيهقي دون عزوه للحليمي على سبيل المقرِّر له (^٢).
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «ومن الإيمان به وبكتبه: الإيمان بأن القرآن كلام الله مُنَزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود» (^٣).
وقال: «وقد دخل فيما ذكرناه من الإيمان به وبكتبه وبرسله: الإيمان بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة عيانًا بأبصارهم» (^٤).
وقال شيخنا الشيخ عبد المحسن العباد البدر في شرحه لحديث جبريل: «هذا الجواب مشتمل على أركان الإيمان الستة، وأول هذه الأركان: الإيمان بالله، وهو أساس للإيمان بكل ما يجب الإيمان به؛ ولهذا أضيف إليه الملائكة والكتب والرسل» (^٥).
فصرح هؤلاء العلماء بتضمن الإيمان بالله الإيمان ببعض أركان الإيمان الأخرى، وما يدخل تحتها من مسائل.
وبتأمل حقيقة الإيمان بالأركان الخمسة بعد الإيمان بالله يظهر تضمنه لها واشتماله عليها.
فالإيمان بالملائكة والرسل: يكون بالإقرار بخلق الله لهم، وأنهم مربوبون ليس
_________________
(١) كتاب المنهاج في شعب الإيمان (١/ ٢٣٨).
(٢) انظر شعب الإيمان (١/ ١٥٠).
(٣) العقيدة الواسطية (ص ١٠٣).
(٤) المصدر نفسه (ص ١٠٦).
(٥) شرح حديث جبريل (ص ٢٥).
[ ٥٧ ]
لهم من الأمر شيء، وأن الملائكة من المخلوقات العظيمة من حيث عظم خلقهم، وقدرتهم عل التشكل، وكثرة عددهم، وأن الرسل مبلغون عن الله، موحًى إليهم منه، منهم من كلمه الله بلا واسطة، ومنهم مَنْ اتخذه خليلًا، وقد أيدهم جميعًا بالآيات الدالة على صدقهم ونصرهم على أعدائهم، وأظهر دينهم، وغير ذلك من تفاصيل الإيمان بالملائكة والرسل.
وكل هذا متعلق بالإيمان بالله تعالى، وعلى وجه الخصوص بتوحيد الربوبية، أو توحيد الأسماء والصفات، كما أن بعض تفاصيل الإيمان بالرسل الأخرى لها تعلق بتوحيد الألوهية.
والإيمان بالكتب: يكون باعتقاد أنها من كلام الله تعالى على الحقيقة، وأنها كلها حق وصدق، مشتملة على النور والهدى، وهذا متعلق من جهةٍ أخرى بتوحيد الأسماء والصفات المتفرع عن الإيمان بالله.
ولشدة تعلق هذه الأركان الثلاثة -وهي: الإيمان بالملائكة والكتب والرسل- بالركن الأول -وهو الإيمان بالله تعالى-، يأتي ذكرها في النصوص معطوفة عليه مضافة للضمير الراجع إلى اسم (الله) المذكور في الركن الأول؛ كقوله تعالى: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥].
وكقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ١٣٦].
وكذلك الإيمان باليوم الآخر: يكون بالإيمان بالبعث، والحساب، والجزاء، وإدخال أهل الجنةِ الجنةَ، وأهل النارِ النارَ، ورحمة الله بعباده المؤمنين يوم القيامة،
[ ٥٨ ]
ومغفرته لهم، وقبول الشفاعة فيهم، ورؤيتهم له في الجنة، وفي المحشر، وكلامه لهم، وشدة عقوبة الله للكافرين، وسخطه عليهم، وحجبهم عنه، وعدم كلامه لهم ونظره إليهم، كل هذا متعلق بتوحيد الربوبية والأسماء والصفات.
وأما الإيمان بالقدر: فظاهر تعلقه بتوحيد الأسماء والصفات، فمراتب القدر التي لا يتحقق الإيمان بالقدر إلا بها، وهي: العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق، هي من صفات الله، وكذلك نفوذ مشيئة الله في الخلق، وأن الخلق وأفعالهم مخلوقون لله، وأن كل شيءٍ بقدرٍ، كل هذا داخل في توحيد الربوبية.
فتبين بهذا: اشتمال الإيمان بالله تعالى على أركان الإيمان الأخرى، واشتمال التوحيد على تفاصيل كل ما يجب على العبد الإيمان به واعتقاده في كل أركان الإيمان، وبهذا تظهر العلة والحكمة في كَون مَنْ حقق التوحيد كان من أهل الجنة، ومَن لم يحققه كان من أهل النار كما دلت على هذا النصوص.
الجانب الثالث: أن التوحيد هو الأصل لغيره من العلوم، والعلوم الأخرى فرع عنه.
قال السفاريني: «وإنما كانت العلوم كالفرع لعلم التوحيد؛ لأنه أشرف العبادات، وأفضل الطاعات، وشرط في صحة كل عبادةٍ وطاعةٍ، وشرط لقبول الأعمال؛ إذ هو معرفة ذي العظمة والجلال، فمَن لم يوحد المعبود فكل عمله مردود» (^١).
وفي كشف مصطلحات الفنون: «كل المقامات والأحوال بالنسبة للتوحيد
_________________
(١) لوامع الأنوار (١/ ٥٧).
[ ٥٩ ]
كالطرق والأسباب الموصلة إليه، وهو المقصد الأقصى، والمطلب الأعلى، وليس وراءه للعبادة قربة» (^١).
الجانب الرابع: اصطلاح العلماء على تسمية علم أصول الدين بعلم التوحيد.
يقول ابن جماعة: «علم التوحيد علم يُعنَى بمعرفة الله، والإيمان به، ومعرفة ما يجب له سبحانه، وما يستحيل عليه، وما يجوز، وسائر ما هو من أركان الإيمان الستة وما يلحق بها» (^٢).
ويقول السفاريني: «إنما سُمي هذا العلم بالتوحيد؛ لأنه أشهر مسائله وأشرفها، ويُسَمى أيضًا بعلم الكلام (^٣)؛ لأن مباحثه معنونة في كتب القدماء بقولهم: (الكلام في كذا) …» (^٤).
ويقول التهانوي: «علم الكلام، ويُسَمى بأصول الدين أيضًا، وسماه أبو حنيفة بالفقه الأكبر، وفي مجمع السلوك: ويُسمى بالنظر والاستدلال أيضًا، ويُسَمى أيضًا بعلم التوحيد والصفات، وفي شرح العقائد للتفتازاني: العلم المتعلق بالأحكام الفرعية، أي: العملية، يُسَمى علم الشرائع والأحكام، وبالأحكام الأصلية، أي: الاعتقادية يُسَمى علم التوحيد والصفات» (^٥).
وقد نقل هذا الكلام صديق حسن خان مقررًا له في «أبجد العلوم» (^٦).
_________________
(١) كشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي (٤/ ٣١٠).
(٢) إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل (ص ٧).
(٣) هذا على اصطلاح المتكلمين، وأهل السنة لا يقرون بهذا، بل علم الكلام عندهم مذمومٌ.
(٤) لوامع الأنوار (١/ ٥٧).
(٥) كشاف اصطلاحات الفنون (١/ ٣٠).
(٦) انظر: (١/ ٦٨، ٣٣٧ - ٣٣٨).
[ ٦٠ ]
ويقول ملا علي قاري: «إن أول ما يؤمر به العبد: علم التوحيد، الذي هو عبارة عن الإيمان والتصديق والإقرار على وجه التحقيق، إما حقيقة وإما حكمًا (^١)» (^٢).
فهذه عبارات العلماء المصنفين في مصطلحات الفنون من أهل السنة وغيرهم، وبعضهم من أهل الكلام -الذين يعظمهم المالكي- يقررون فيها إطلاق (علم التوحيد) على علم أصول الدين، وكل مسائل الاعتقاد، فهل هؤلاء أيضًا جهلة بمعاني الألفاظ عند المالكي فيلحقهم بعلماء هذا البلاد، أم له رأي آخر؟!!
الجانب الرابع: أنا لو سلمنا جدلًا عدم دخول مباحث العقيدة وأصول الدين في مُسَمى (التوحيد)، فإن التوحيد بلا شك جزء منها، بل هو أعظم أجزائها، وإطلاق الجزء على الكل سائغ في لغة العرب، بل جاءت به النصوص الشرعية.
ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٢].
قال ابن عباس ﵄ وقتادة والطبري وغيرهم من المفسرين: «أي: صلوا له بكرة: صلاة الصبح، وعشيًّا: صلاة العصر» (^٣). فَسَمى الله الصلاة تسبيحًا.
قال الألوسي: «وعن ابن عباس: أن التسبيح: الصلاة، أي: بإطلاق الجزء على الكل» (^٤).
_________________
(١) تعريف الإيمان في الشرع بالتصديق والإقرار، هو قول المرجئة ومَن تأثر بهم، وأهل السنة يقولون: هو اعتقادٌ وقولٌ وعملٌ.
(٢) الرد على القائلين بوحدة الوجود (ص ٣١، ٣٢).
(٣) انظر: تفسير الطبري (١٠/ ٣٠٦)، وفتح القدير (ص ١٣٧٣).
(٤) روح المعاني (٢١/ ٣٠١).
[ ٦١ ]
ومنه: قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ [التوبة: ٦١].
قال الألوسي: «وصرح غير واحدٍ أن ذلك من إطلاق الجزء على الكل» (^١)، أي: إطلاق الأذن على الشخص.
ومن السنة: قوله ﷺ: «إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس» (^٢).
قال ابن حجر: «قوله: «فليركع»، أي: فليصل، من إطلاق الجزء وإرادة الكل» (^٣). وذكره المباركفوري في التحفة (^٤).
ومنه: قول النبِي ﷺ: «مَنْ صام يومًا في سبيل الله بَعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا» (^٥).
قال ابن حجر في شرحه: «الخريف: زمان معلوم من السنة، والمراد به هنا العام» (^٦).
وقال الصنعاني: «أطلق الخريف على العام، من إطلاق الجزء على الكل» (^٧).
وعلى هذا، فإطلاق التوحيد على مسائل أصول الدين -لو سلمنا عدم دخولها في
_________________
(١) المصدر نفسه (١٠/ ٤٤١).
(٢) أخرجه البخاري، الصحيح مع الفتح (١/ ٥٣٧)، (ح ٤٤٤)، ومسلم (١/ ٤٩٥)، (ح ٧١٤).
(٣) فتح الباري (١/ ٥٣٧).
(٤) انظر تحفة الأحوذي (٢/ ٢١٦).
(٥) أخرجه البخاري، الصحيح مع الفتح (٦/ ٤٧)، (ح ٢٨٤٠)، ومسلم (٢/ ٨٠٨)، (ح ١١٥٣).
(٦) فتح الباري ٦/ ٤٨).
(٧) سبل السلام (١/ ٢٦٨).
[ ٦٢ ]
معناه- جائز من هذا الباب، وهو إطلاق الجزء وإرادة معنَى الكل.
ومن خلال هذه الجوانب كلها يتبين: زيغ المالكي في دعواه اشتمال مقررات التوحيد على ما ليس من التوحيد كأركان الإيمان الخمسة بعد الركن الأول، وتشنيعه على مؤلفيها بأنهم لا يعرفون مدلول كلمة (التوحيد)؛ حيث ظهر دخول أركان الإيمان كلها وغيرها من مباحث أصول الدين في مفهوم التوحيد من أكثر من وجهٍ، وبه يعرف جهل هذا المتطاول على العلماء؛ فعاد تشنيعه على نفسه؛ إذ هو الجاهل بمدلول (التوحيد)، لا العلماء والباحثون المؤلفون لمقررات التوحيد.
وجهل هذا الرجل بهذا الباب وغيره مما ينتقد العلماء فيه هو من الجهل المركب الذي يكون صاحبه لا يدري، ولا يدري أنه لا يدري، وهو فوق الجهل البسيط الذي يكون صاحبه لا يدري، ويدري أنه لا يدري، وقد يزيد من فتنة صاحب الجهل المركب قلة الحياء والجرأة في تخطئة بل تضليل كل مَنْ خالفه، ويرى أنه هو وحده على الصواب.
وانظر هذا متمثلًا في قول هذا المخذول: «إن من أكبر ما ينقص لغة المجتمع هو عدم إدراك معاني الألفاظ»!
وقوله: «إن المؤلفين لمقررات التوحيد لا يعرفون ماذا تعني كلمة التوحيد»!
فسبحان الله! الناس كلهم جهلوا وعرف المالكي!! فرحم الله مَنْ رزق علمًا وفهمًا؛ فإن لم يرزق ذاك فعقل يعقله عن السفه، وإن لم يرزق ذاك فحياء يحيا به مستورًا مرحومًا، فإن حرم ذاك كله، فلا أكثر الله في الناس أمثاله وطهَّر الأرض من نظرائه وأشباهه.
[ ٦٣ ]