أن المالكي يريد بهذا أن يفتح الباب على مصراعيه لكل الزنادقة والعلمانيين، وسائر أهل البدع من باطنية ورافضة وجهمية ومعتزلة، وكل زائغٍ عن الحق وداعية إلى الضلال والفتن، وكافة أهل الشهوات من إباحية وفساق، وغيرهم مِمن لا يدخل تحت الحصر من أهل الشر والفتن في أن يكون لكل واحدٍ من هؤلاء رأي في مقررات التوحيد ومناهج العقيدة، حتى تخضع مبادئ التوحيد، وأصول الإيمان المستقاة من الكتاب والسنة، والمجمع عليها عند أهل السنة إلى أهواء وعقول أولئك الضُّلال.
وهذا عين الزندقة والإلحاد والمشاقة الصريحة لما نهى الله عنه في كتابه، وحذر منه رسول الله ﷺ في سنته من سماع أقوال الضالين واتباع أهوائهم في دين الله.
يقول الله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣].
وقال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: ١٨].
وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣].
ومن السنة: ما أخرجه الإمام أحمد وغيره من حديث عبد الله بن مسعود ﵁، قال: خط لنا رسول الله ﷺ يومًا خطًّا، ثم قال: «هذا سبيل الله»، ثم خط خطوطًا عن يمينه وعن شماله، ثم قال: «هذه سبل، على كل سبيلٍ منها شيطان يدعو إليه»،
[ ٣٧ ]
ثم تلا: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] (^١).
فقد تضمنت الآيات والحديث: أمر الله ورسوله باتباع الوحي، وما شرعه الله لهذه الأمة من الدين، والتحذير من اتباع أهواء الضالين الجاهلين، الساعين في صرف الناس عن صراط الله المستقيم.
كما حذر السلف من سماع كلام أهل البدع ومجادلتهم ومناظرتهم:
فعن أبي قلابة ﵀ قال: «لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم؛ فإني لا آمن أن يغمسوكم في الضلالة، أو يلبسوا عليكم في الدين بعض ما لُبس عليهم» (^٢).
وعن الحسن البصري وابن سيرين-رحمهما الله- أنهما كانا يقولان: «لا تجالسوا أصحاب الأهواء، ولا تجادلوهم، ولا تسمعوا منهم» (^٣).
وعن عون بن عبد الله ﵀ قال: «لا تجالسوا أهل القدر ولا تخاصموهم؛ فإنهم يضربون القرآن بعضه ببعض» (^٤).
وعن ابن سيرين أنه دخل عليه رجلان من أهل الأهواء فقالا: «يا أبا بكر
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٧/ ٢٠٧) (ح ٤١٤٢)، والدارقطني في سننه (١/ ٧٨)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٣٤٩)، وصححه ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في تحقيقه لمشكاة المصابيح (١/ ٥٩)، وفي ظلال الجنة مع كتاب السنة لابن أبي عاصم (ص ١٣) (ح ١٧).
(٢) أخرجه الدارمِي في سننه (١/ ١٢٠)، وابن بطة في الإبانة الكبرى (٢/ ٤٣٧)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ١٣٤).
(٣) أخرجه الدارمي في سننه (١/ ١٢١)، وابن بطة في الإبانة الكبرى (٢/ ٤٤٤).
(٤) أخرجه ابن بطة في الإبانة الكبرى (٢/ ٤٦٦).
[ ٣٨ ]
نحدثك بحديثٍ؟ قال: لا. قالا: فنقرأ عليك آية من كتاب الله ﷿؟ قال: لا. لتقومَنَّ عنِّي، أو لأقومنَّ» (^١).
ويقول الإمام إسماعيل الصابوني في وصف عقيدة السلف وأصحاب الحديث: «ويبغضون أهل البدع الذين أحدثوا في الدين ما ليس منه، ولا يحبونهم، ولا يصحبونهم، ولا يسمعون كلامهم، ولا يجالسونهم، ولا يجادلونهم في الدين، ولا يناظرونهم، ويرون صون آذانهم عن أباطيلهم» (^٢).
وبِهذا يتبين مناقضة ما يدعو إليه هذا الضال من سماع كلام أهل البدع وفتح باب الحوار معهم؛ لما جاء في الكتاب والسنة، وما كان عليه سلف الأمة من تحريم سماع كلام أهل البدع ومناظرتهم، والتشديد في المنع من ذلك.
زعمه أن السلفيين في المملكة يكفرون غيرهم من المسلمين، والرد عليه في ذلك:
يقول في (ص ٥): «مما سيحزن له غيرنا من المسلمين أيضًا: أنهم كانوا يصيحون منذ ثلاثة قرون، ويطلبون منا نحن السلفيين في المملكة أن ننصفهم ونعترف بإسلامهم، وألا نرميهم بالشرك الأكبر المخرج من الملة، ولا البدع المهلكة، وهذا موجود في فكرنا وكتبنا العقائدية ومناهجنا التعليمية».
وجوابه من عدة وجوه:
الوجه الأول: قوله: «المسلمون يصيحون منذ ثلاثة قرون …».
_________________
(١) أخرجه الدارمِي في سننه (١/ ١٢٠)، وعبد الله بن أحمد في السنة (١/ ١٣٨)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ١٣٤).
(٢) عقيد السلف وأصحاب الحديث (ص ٢٩٨).
[ ٣٩ ]
هذا كذب صريح، فكيف لا يُعلم هذا الصياح-على حد تعبيره- وهو من كل المسلمين خارج هذه البلاد على مدى ثلاثة قرون، فلا يكون شائعًا منتشرًا في الأمة؛ وإنما بلغ المالكي وحده!!
وأما كون هذه التهمة قد تحصل من بعض المنحرفين الزائغين من أمثاله من أهل البدع، الذين لم يسلم أهل السنة من طعنهم وكذبهم عليهم منذ عصور السلف، فهذا مما لا يُنكر، ولكن العبرة بثبوت هذا عن علماء أهل السنة أنهم كفروا رجلًا واحدًا بغير حق ولو كان من عوام المسلمين، فضلًا عن تكفير عامة المسلمين على مدى ثلاثة قرون، سُبحَانَكَ هَذَا بُهتَانٌ عَظِيمٌ!!
الوجه الثاني: واقع حال المسلمين خارج هذه البلاد يبطل هذه الدعوى؛ وذلك ما يلمسه كل منصف مطلع على أحوال المسلمين المعاصرة، مما يكنه المسلمون في شتى أقطار الأرض لحكام وعلماء هذه البلاد، من ود، واحترامٍ، وتقديرٍ بالغٍ يفوق الوصف؛ حتى أصبحت هذه البلاد المباركة قبلة العلم والعلماء في التفقه في دين الله، كما أن فيها قبلتهم في الصلاة.
فهذه البلاد هي مأوى ومحط ركاب طلاب العلم الباحثين عن العلم الجادين في طلبه، وعلماؤها هم محل ثقة المستفتين عن أمور دينهم وحل مشكلاتهم العلمية، وجامعات هذه البلاد ومؤسساتها العلمية والدعوية والإغاثية هي ملتقى العلماء والدعاة والمهتمين بأمور المسلمين من شتى بقاع الأرض.
والمسجد الحرام ومسجد النبِي ﷺ عامران بالعباد من كل قطرٍ وجنسٍ من المسلمين، يجتمعون على إمامٍ واحدٍ في صلاتهم، ويتحلقون حول العلماء في الدروس فيهما ينهلون من العلم الشرعي الصافي من كدر البدع.
[ ٤٠ ]
وإذا ما أقبل رمضان اجتمعوا على موائد الإفطار في منظر بديع يسوده روح الإخاء والإيمان، يجود فيه الأغنياء من أهل هذه البلاد والمقيمين فيها على إخوانهم الفقراء والزائرين، ويتنافسون في ذلك تنافسًا عظيمًا؛ حتى لربما تنازعوا في الرجل الواحد، الكل يريد أن يحظى بمشاركته في مائدته، وقد رأيت هذا مرارًا في مسجد النبِي ﷺ، وهو معروف ومشهور عند أهل المدينة قديمًا وحديثًا.
فهل يبقى مجال للشك فيما بين المسلمين من هذه البلاد، وإخوانهم في البلدان الأخرى من ود ووئامٍ وتعاونٍ على البر والتقوى، الأمر الذي يتبدد به كذب هذا المفتري في دعواه تكفير أهل هذه البلاد لإخوانهم المسلمين في البلدان الأخرى؟!!
الوجه الثالث: قوله: «يطلبون منا نحن السلفيين أن ننصفهم ونعترف بإسلامهم».
فقوله: «نحن السلفيين»، وعدُّه نفسه من السلفيين هو كاذب في هذه الدعوى؛ فليس هو من السلفية في شيء، وقد تقدم نقل بعض أقواله الدالة على شدة انحرافه عن أهل السنة والجماعة، بل طعنه فيهم وفي عقيدتهم وفي كتبهم، وموالاته أهل البدع والضلال، فهل هذا سلفي المعتقد؟!
وهو مع هذا لا ينتسب إلى السلفية ولا يرى سلامة معتقدهم، وإنما ترد منه هذه الكلمة: «نحن السلفيين» عندما يريد الطعن في السلفيين، مظهرًا للناس أنه منهم كيدًا ومكرًا؛ حتى تروج أكاذيبه وأباطيله على الجاهل بحاله.
وأما قوله: «يطلبون منا أن ننصفهم ونعترف بإسلامهم»، فهذا من جهله؛ فإن المسلم الحقيقي لو كفره مَنْ على وجه الأرض وهو لا يستحق هذا، فإن هذا لن
[ ٤١ ]
يضره، وهو لا يحتاج أن يعترف الناس بإسلامه؛ ومَن كفره فإنما يضر نفسه، وهو مُعَرضٌ للوعيد الوارد في الحديث الصحيح: «أيما رجلٍ قال لأخيه: يا كافر، فقد باء به أحدهما» (^١).
فهذا الرجل جمع بين كذبه على المسلمين وجهله بالشرع؛ فالمسلمون يعلمون أنهم لا يحتاجون لأن يُعتَرف بإسلامهم لا من أهل هذه البلاد ولا من غيرهم، وهم أفقه من أن يطلبوا هذا الطلب فضلًا أن يصيحوا به منذ ثلاثة قرون، فيا فضيحة الكذاب!!!