كلنا يعلم مدى محبة المسلمين لنبينا محمد ومدى تعظيمنا وتوقيرنا له، ﵌، ومن هنا أتى احتفالنا به.
والجواب عن هذا من وجهين أحدهما: أن يقال إن محبة النبي - ﷺ - وتعظيمه وتوقيره لا يكون بمخالفة هديه - ﷺ - والابتداع في الدين الذي قد أكمله الله له ولأمته، وإنما تكون محبته وتعظيمه وتوقيره بلزوم طاعته واتباع أمره والأخذ بهديه الذي هو خير الهدي والعض على سنته بالنواجذ وإحيائها بالقول والفعل واجتناب سائر المحدثات التي حذر منها وأخبر أنها شر وضلالة وأنها في النار، وهذه الطريقة هي التي كان عليها السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ وقال تعالى: ﴿فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾ وفي الصحيحين ومسند الإمام أحمد
[ ١٧١ ]
وسنن النسائي عن أنس بن مالك، ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «من رغب عن سنتي فليس مني» وروى الإمام أحمد أيضًا عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي - ﷺ - مثله إسناده صحيح على شرط الشيخين.
وروي الإمام أحمد أيضًا والبخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية لأحمد ومسلم والبخاري تعليقًا مجزومًا به «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» وروى عبد الله بن عمرو بن العاص، ﵄ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به» قال النووي في الأربعين: له حديث صحيح رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح.
الوجه الثاني: أن يقال إن الصحابة ﵃ كانوا أشد الأمة محبة للنبي ﷺ وأشدهم تعظيمًا له وكانوا أحرص على الخير ممن جاء بعدهم ومع هذا فإنهم لم يكونوا يحتفلون بالمولد ويتخذونه عيدًا، ولو كان في ذلك أدنى شيء من الفضل والمحبة للنبي - ﷺ - والتعظيم له لكان الصحابة ﵃ أحرص عليه وأسبق إليه من غيرهم وعلى هذا فهل يقول صاحب المقال وأمثاله من المفتونين ببدعة المولد أنهم أشد محبة للنبي - ﷺ - وتعظيمًا له من أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر الصحابة، ﵃ أم يعترفون للخلفاء الراشدين وسائر الصحابة، ﵃ بفضل المحبة للنبي - ﷺ - والتعظيم له فإن قالوا بالأول فكل
[ ١٧٢ ]
عاقل يعلم أن ذلك حمق وسوء أدب مع أصحاب رسول الله - ﷺ - وإن اعترفوا للصحابة ﵃ بفضل المحبة للنبي - ﷺ - والتعظيم له، قيل لهم ينبغي أن يسعكم ما وسعهم من ترك الاحتفال بالمولد واتخاذه عيدًا؛ لأن ذلك من الشرع الذي لم يأذن به الله ولم يكن من هدي رسول الله - ﷺ - ولا من عمل أصحابه، ﵃ ومن لم يتسع له في المولد وغيره ما اتسع للصحابة، ﵃ فلا وسع الله عليه في الدنيا ولا في الآخرة.
وقد رأيت لرشيد رضا كلامًا حسنًا يرد به على الذين يعظمون رسول الله - ﷺ - بالأمور المحدثة فأحببت أن أذكره ههنا لما فيه من الرد على الذين يزعمون أن الاحتفال بالمولد النبوي فيه تعظيم للنبي - ﷺ - قال في كتابه «ذكرى المولد النبوي» إن من طباع البشر أن يبالغوا في مظاهر تعظيم أئمة الدين والدنيا في طور ضعفهم (١) في أمر الدين أو الدنيا لأن هذا التعظيم لا مشقة فيه على النفس فيجعلونه بدلا مما يجب عليهم من الأعمال الشاقة التي يقوم بها أمر لدين والدنيا وإنما التعظيم الحقيقي بطاعة المعظم والنصح له والقيام بالأعمال التي يقوم بها أمره ويعتز دينه إن كان رسولا وملكه إن كان ملكًا، وقد كان السلف الصالح أشد ممن بعدهم تعظيمًا للنبي - ﷺ - وناهيك ببذلك أموالهم وأنفسهم في هذا لسبيل ولكنهم دون أهل هذه القرون التي ضاع فيها الدين في مظاهر التعظيم للساني، ولا شك أن الرسول الأعظم
_________________
(١) أي ضعف البشر.
[ ١٧٣ ]
- ﷺ -
أحق الخلق بكل تعظيم وليس من تعظيمه أن نبتدع في دينه بزيادة أو نقص أو تبديل أو تغيير لأجل تعظيمه به وإن كان بحسن نية فإن حسن النية لا يبيح الابتداع في الدين وقد كان جل ما أحدث أهل الملل قبلنا من التغيير في دينهم عن حسن نية وما زالوا يبتدعون بقصد التعظيم وحسن النية حتى صارت ديانتهم غير ما جاءت به رسلهم، ولو تساهل سلفنا الصالح كما تساهلوا وكما تساهل الخلف الذين اتبعوا سننهم شبرا بشبر وذراعًا بذراع لضاع أصل ديننا أيضًا، ولكن السلف الصالح حفظوا لنا الأصل فعلينا أن نرجع إليه ونعض عليه بالنواجذ انتهى كلامه ولقد أجاد فيه وأفاد ﵀.
وأما قول الكاتب المجهول وإن كان هناك أناس لا يحبون الاحتفال بالمولد فإنهم لا يستطيعون الإنكار على من يحتفل له طالما أن هناك علماء أجلاء خدموا العلم وبينوا الحق ومنهم الإمام ابن حجر والإمام السيوطي والإمام ابن كثير والشيخ ملا علي قاري والإمام العراقي وغيرهم كثير جوزوا ذلك.
فجوابه من وجوه أحدها: أن يقال ما ادعاه الكاتب المجهول في قوله إن الذين لا يحبون الاحتفال بالمولد لا يستطيعون الإنكار على من يحتفل به فهي دعوى مبنية على الظن والتوهم، وكيف لا يستطيع أهل الحق أن ينكروا على أهل الباطل الذين ابتدعوا في الدين واتخذوا عيدًا لم يأذن به الله ولم يفعله رسول الله - ﷺ - ولا أصحابه ﵃ ولا التابعون وتابعوهم بإحسان، بل الإنكار على المبتدعين لعيد المولد مستطاع ومحفوف بالأدلة الكثيرة من
[ ١٧٤ ]
الكتاب والسنة، وقد ذكرتها في أول الكتاب فلتراجع (١) ولتراجع أيضًا أقوال العلماء الذين كتبوا في إنكار بدعة المولد ففيها أبلغ رد على دعوى الكاتب المجهول وقد تقدم إيرادها قريبًا (٢).
الوجه الثاني: أن يُقال إن تجويز بعض العلماء لبدعة المولد معدود من أخطائهم وزلاتهم وقد ورد التحذير من تتبع أخطاء العلماء وزلاتهم وبيان أنها من هوادم الإسلام، وقد ذكرت الأحاديث الواردة في ذلك في أول الكتاب فلتراجع (٣) ففيها أبلغ رد على من تتبع أخطاء العلماء وزلاتهم وجادل بها ليدحض الحق ويؤيد الباطل كما قد فعل ذلك الرفاعي والكاتب المجهول وأمثالهما من أنصار الباطل.
الوجه الثالث: أن أقول إني لم أر في شيء من كتب ابن كثير، رحمه الله تعالى، أنه كان يقول بجواز بدعة المولد وإنما ذكر الآثار الواردة في الحمل بالنبي، - ﷺ - وولادته ورضاعه وتربيته وما كان بعد ذلك من أحواله، ذكر ذلك مبسوطًا في كتابه "البداية والنهاية" وقد رأيت له جزءًا في المولد ذكر فيه ما ذكره في "البداية والنهاية" ولم يتعرض فيه للاحتفال بالمولد فضلا عن أن يقول بجوازه فالواجب على الكاتب وعلى غيره من الكتاب أن يتثبتوا فيما ينقلونه عن العلماء فلا يذكرون عنهم إلا ما رأوه ثابتًا في كتبهم أو ما نقله العلماء الأمناء عنهم.
_________________
(١) ص (٦ - ١٢).
(٢) ص (١٤٤ - ١٦٩).
(٣) ص (٢٢).
[ ١٧٥ ]
الوجه الرابع: أن يُقال إن القائلين بجواز الاحتفال بالمولد محجوجون بالنصوص الثابتة عن النبي - ﷺ - في التحذير من محدثات الأمور والنص على أنها شر وضلالة وأنها في النار والأمر بردها ورد الأعمال التي ليست من أمر النبي - ﷺ -، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ قال مجاهد رحمه الله تعالى: ليس أحد بعد النبي - ﷺ - إلا يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي، - ﷺ - رواه البخاري في جزء رفع اليدين بإسناد صحيح.
وأما قول الكاتب المجهول إن المولد النبوي أو الاحتفال به لم يكن في عهده، - ﷺ - فهو بدعة ولكنها حسنة لاندراجها تحت الأدلة الشرعية والقواعد الكلية فهي بدعة باعتبار هيئتها الاجتماعية لا باعتبار أفرادها لوجود أفرادها في العهد النبوي كما ستعلمه بعد قليل من وجوه الاستحسان.
فجوابه من وجوه أحدها: أن يُقال هذا هو كلام محمد بن علوي المالكي في صفحة ٢٦٨ من كتابه المسمى "بالذخائر المحمدية"، وهو الخامس من أدلته الوهمية على جواز الاحتفال بالمولد النبوي.
الوجه الثاني: أن يُقال إن الكاتب المجهول قد اعترف تبعًا لابن علوي أن الاحتفال بالمولد النبوي لم يكن في عهد النبي ﷺ وأنه بدعة وفي هذا الاعتراف أبلغ رد عليهما؛ لأن النبي ﷺ قد حذر أمته من محدثات الأمور على
[ ١٧٦ ]
وجه العموم وبالغ في التحذير وأمر برد المحدثات والأعمال التي ليس عليها أمره والأمر بذلك يعم البدع كلها كما هو ظاهر النص.
الوجه الثالث: أن يُقال ما زعمه الكاتب المجهول تبعًا لابن علوي أن الاحتفال بالمولد النبوي بدعة حسنة وأنها تندرج تحت الأدلة الشرعية والقواعد الكلية فهو زعم باطل مردود بالنص الثابت عن النبي - ﷺ - أنه قال: «وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» وبقوله - ﷺ - «وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» وبقوله - ﷺ -: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» وقد ذكرت هذه الأحاديث معزوة إلى مخرجيها في أول الكتاب فلتراجع (١) ففيها أبلغ رد على الكاتب المجهول وابن علوي وعلى غيرهما ممن ادعى أن بدعة المولد بدعة حسنة وأنها تندرج تحت الأدلة الشرعية والقواعد الكلية.
وأما دعوى الكاتب المجهول وابن علوي أن أفراد بدعة المولد موجودة في العهد النبوي.
فجوابه أن يُقال هذه الدعوى باطلة مردودة لأن أعظم أفرد بدعة المولد هو الاجتماع لها في ليلة مخصوصة من شهر ربيع الأول واتخاذ تلك الليلة عيدًا يعود في كل عام، وإظهار الفرح والسرور في تلك الليلة كما يفعل الناس في عيدي الفطر والأضحى أو أعظم،
_________________
(١) ص (١٠، ١١).
[ ١٧٧ ]
وقراءة الآثار الواردة في المولد والشمائل والمعجزات والسيرة في تلك الليلة بخصوصها، وإنشاد المدائح التي قد قيلت في النبي - ﷺ - وعمل الأطعمة في تلك الليلة، وهذه الأمور لم تكن تفعل في عهد النبي - ﷺ - ولا في عهد أصحابه، ﵃ ولا في عهد التابعين ولا في القرون الثلاثة المفضلة، وأول من أحدث ذلك سلطان إربل الملك المظفر في آخر القرن السادس وفي أول القرن السابع:
وكل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف
وأما الأدلة التي استدل بها الكاتب المجهول على جواز الاحتفال بالمولد فهي ستة عشر دليلًا وكلها مأخوذة من كلام ابن علوي المالكي وهذا يقوي الظن بأنه هو صاحب المقال المنشور في مجلة المجتمع الكويتية، وسأذكر أدلته وأذكر مواضعها في كتاب ابن علوي إن شاء الله تعالى.
قال الكاتب المجهول: الأول أن الاحتفال بالمولد النبوي يعبر عن البهجة والسرور والفرح وقد انتفع به الكافر كما جاء في صحيح البخاري بأنه يخفف عن أبي لهب كل يوم الاثنين بسبب عتقه لثويبة جاريته لما فرحته وبشرته بولادة محمد - ﷺ -.
والجواب: أن يُقال هذا الكلام منقول من كلام محمد بن علوي المالكي وهو في صفحة ٢٦٧ من كتاب المسمى «بالذخائر المحمدية»
[ ١٧٨ ]
وقد ذكره يوسف الرفاعي في أدلته على جواز الاحتفال بالمولد وتقدم الجواب عنه فليراجع (١).
وقال الكاتب المجهول: الثاني: أن المولد الشريف يبعث على الصلاة والسلام المطلوبين بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ وما كان يبعث على المطلوب شرعًا فهو مطلوب شرعًا.
والجواب: أن يُقال هذا الكلام منقول بالنص من كلام محمد بن علوي المالكي وهو في صفحة ٢٦٩ من كتابه المسمى "بالذخائر المحمدية" وقد ذكره يوسف الرفاعي في أدلته على جواز الاحتفال بالمولد وتقدم الجواب عنه فليراجع (٢).
وقال الكاتب المجهول: الثالث: أن المولد النبوي يشتمل على مولده الشريف ومعجزاته وسيرته والتعريف به وكلنا مأمورون بمعرفته والاقتداء به والتأسي بأعماله والإيمان بمعجزاته والتصديق بآياته، وكتب المولد تؤدي هذا المعنى تمامًا.
والجواب: أن يُقال هذا الكلام منقول من كلام محمد بن علوي المالكي وهو في ص٢٦٩ من كتابه المسمى "بالذخائر المحمدية" وقد ذكره يوسف الرفاعي في أدلته على جواز الاحتفال بالمولد وتقدم الجواب عنه فليراجع (٣).
_________________
(١) ص (٥٥ - ٦١).
(٢) ص (٦٩ - ٧١).
(٣) ص (٧١ - ٧٦).
[ ١٧٩ ]
وقال الكاتب المجهول: الرابع: أنه - ﷺ - كان يعظم يوم مولده ويشكر الله تعالى فيه على نعمته وفضله، وكان تعبيره - ﷺ - بالصيام فقد جاء في صحيح مسلم كتاب الصيام عن أبي قتادة أن رسول الله - ﷺ - سئل عن صوم يوم الاثنين فقال: «فيه ولدت وفيه أنزل عليه» وهذا يدل على أن معنى الاحتفال موجود.
والجواب: أن يُقال هذا الكلام ملخص من كلام محمد بن علوي المالكي وهو في - ﷺ - ٢٦٧ من كتابه المسمى "بالذخائر المحمدية" وقد ذكره يوسف الرفاعي في أدلته على جواز الاحتفال بالمولد وتقدم الجواب عنه فليراجع (١).
وقال الكاتب المجهول: الخامس: أن النبي - ﷺ - كان يلاحظ ارتباط الزمان بالحوادث العظيمة ودليل ذلك أنه - ﷺ - لما وصل المدينة ورأى اليهود يصومون يوم عاشوراء سأل عن ذلك فقيل له إنهم يصومونه لأن الله نجى نبيهم وأغرق عدوهم فهم يصومونه شكرًا لله على هذه النعمة فقال ﵊: «نحن أولى بموسى منكم» فصامه وأمر بصيامه.
والجواب أن يقال هذا الكلام ملخص من كلام محمد بن علوي المالكي وهو في - ﷺ - ٢٦٨ من كتابه المسمى "بالذخائر المحمدية" وقد ذكره يوسف الرفاعي في أدلته على جواز الاحتفال بالمولد وتقدم الجواب عنه فليراجع (٢).
_________________
(١) ص (٦١ - ٦٤).
(٢) ص (٦٧ - ٦٩).
[ ١٨٠ ]
وقال الكاتب المجهول: السادس: مدحه بالقصائد كان يفعل أمامه، - ﷺ - ويكافئ الشعراء على ذلك فكيف بمن جمع شمائله الشريفة.
والجواب أن يُقال هذا الكلام ملخص من كلام محمد بن علوي المالكي وهو في ص٢٦٩ من كتابه المسمى "بالذخائر المحمدية" وقد ذكره يوسف الرفاعي في أدلته على جواز الاحتفال بالمولد وتقدم الجواب عنه فليراجع (١).
وقال الكاتب المجهول السابع: أن تعظيم الحبيب محمد - ﷺ - مطلوب ومشروع والفرح بيوم مولده من أفضل وأظهر مظاهر الابتهاج والسرور والشكر لله.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها: أن يُقال هذا الكلام ملخص من كلام محمد بن علوي المالكي وهو في ص (٢٧٠) من كتابه المسمى "بالذخائر المحمدية".
الوجه الثاني: أن يُقال إن تعظيم النبي - ﷺ - واجب في جميع الأوقات على ممر الأزمان ومن لم يعظم النبي - ﷺ - إلا في ليلة مولده فقد بخسه حقه، وكذلك الفرح والسرور والابتهاج بإيجاد النبي - ﷺ - وبعثته وكوننا من أمته والشكر لله على ذلك يجب أن يكون على الدوام، ومن لم يكن فرحه وابتهاجه وسروره بالنبي - ﷺ - إلا في ليلة المولد فقد بخسه حقه.
_________________
(١) ص ٥٥ - ٦١.
[ ١٨١ ]
الوجه الثالث: أن يُقال إن تعظيم النبي - ﷺ - لا يكون بفعل البدع التي حذر منها وأخبر أنها شر وضلالة وأنها في النار، وإنما يكون تعظيمه بطاعته واتباع هديه والتمسك بسنته وإحياء ما أميت منها ونشر ما بعثه الله به من الهدى ودين الحق والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان، وهذه هي طريقة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان فمن سلك سبيلهم فهو من المعظمين للنبي - ﷺ - ومن خالفها وسلك سبيلًا من سبل أهل البدع فهو في الحقيقة معظم للبدع وأهل البدع وليس معظمًا للنبي - ﷺ -، وإن زعم أنه معظم له وهل يقول عاقل إن تعظيم النبي - ﷺ - يكون بفعل المحدثات التي قد حذر منها غاية التحذير؟ وأمر بردها وأخبر أنها شر وضلالة وأنها في النار، كلا لا يقول ذلك من له أدنى مسكة من عقل.
الوجه الرابع: أن يُقال إن تعظيم النبي - ﷺ - لا يجتمع مع مخالفة أمره وارتكاب نهيه، فمن عظم النبي - ﷺ - بشيء من البدع فتعظيمه له أشبه بالسخرية والاستهزاء منه بالتعظيم وقد تقدم قريبًا (١) ما ذكره الشقيري في كتابه المسمى "بالسنن والمبتدعات" عن ذوي العمائم وغيرهم من أشباه الأنعام من أنواع المنكرات والسخافات التي يفعلونها في بدعة المولد، فهل يقول عاقل أن تلك المخازي من التعظيم للنبي - ﷺ - كلا لا يقول ذلك من له أدنى مسكة من عقل.
_________________
(١) ص (١٦٦ـ ١٦٧).
[ ١٨٢ ]
وقال الكاتب المجهول: الثامن يؤخذ من قوله - ﷺ - في فضل يوم الجمعة وما فيه من المزايا وإنه فيه ولد آدم فكيف باليوم الذي ولد فيه، صلوات الله وسلامه عليه، ولا يختص هذا التعظيم بذلك اليوم بعينه، بل يكون له خصوصا ولنوعه عمومًا مهما تكرر كما هو الحال في يوم الجمعة.
والجواب: أن يُقال هذا الكلام ملخص من كلام محمد بن علوي المالكي وهو في ص (٢٧٠) من كتابه المسمى "بالذخائر المحمدية" وقد ذكره يوسف الرفاعي في أدلته على جواز الاحتفال بالمولد وتقدم الجواب عنه مع التنبيه على قول ابن علوي والرفاعي "وفيه ولد آدم" فليراجع ما تقدم (١).
وقال الكاتب المجهول التاسع: قال تعالى: ﴿وَكُلًا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ يظهر لنا من الآية أن الحكمة من قص أنباء الرسل تثبيت فؤاد المصطفى - ﷺ - ونحن اليوم أحوج إلى تثبيت أفئدتنا بأنبائه وأخباره وذكره.
والجواب: أن يُقال هذا الكلام ملخص من كلام محمد بن علوي لمالكي وهو في صفحة (٢٧١) من كتابه المسمى "بالذخائر المحمدية" وقد ذكره يوسف الرفاعي في أدلته على جواز الاحتفال بالمولد وتقدم الجواب عنه فليراجع (٢).
وقال الكاتب المجهول: العاشر المولد النبوي ما هو إلا اجتماع
_________________
(١) ص (٨٠ - ٨٣).
(٢) ص (١٠٤، ١٠٥).
[ ١٨٣ ]
ذكر وصدقة ومدح وتعظيم للجناب النبوي وهذه الأمور مطلوبة شرعًا وممدوحة.
والجواب: عن هذا من وجهين أحدهما: أن يُقال هذا الكلام ملخص من كلام محمد بن علوي المالكي وهو في ص (٢٧١) من كتاب المسمى "بالذخائر المحمدية".
الوجه الثاني: أن يُقال إن النبي - ﷺ - لم يشرع الاجتماع للذكر في ليلة المولد ولم يشرع الصدقة والمدح والتعظيم لجنابه في ليلة المولد خاصة وقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾ وفي الحديث الصحيح عن عائشة ﵂ أن رسول الله - ﷺ - قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» وفي هذه الآية والحديث دليل على أنه لا يجوز تخصيص ليلة المولد بشيء من الأعمال التي ذكرها الكاتب لأن تخصيصها بهذه الأعمال بدعة والنبي - ﷺ - قد حذر من البدع وأخبر أنها شر وضلالة.
وقال الكاتب المجهول: الحادي عشر: أن المولد أمر استحسنه العلماء والمسلمون في سائر البلاد وجري به العمل في كل صقع فهو مطلوب شرعًا للقاعدة المأخوذة من حديث ابن مسعود الموقوف (ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن وما رآه المسلمون قبيحًا فهو عند الله قبيح) أخرجه الإمام أحمد.
والجواب: أن يقال هذا الكلام منقول بالنص من كلام محمد بن علوي المالكي وهو في ص (٢٧٠) - (٢٧١) من كتابه المسمى "بالذخائر
[ ١٨٤ ]
المحمدية" وقد ذكره يوسف الرفاعي في أدلته على جواز الاحتفال بالمولد وتقدم الجواب عنه فليراجع (١).
وقال الكاتب المجهول: الثاني عشر: ليس كل ما لم يفعله السلف ولم يكن في الصدر الأول بدعة منكرة سيئة يحرم فعلها ويجب الإنكار عليها، بل يجب أن يعرض ما أحدث على أدلة الشرع فما اشتمل على مصلحة فهو واجب أو على محرم فهو محرم أو على مكروه فهو مكروه أو على مباح فهو مباح أو على مندوب فهو مندوب، والعلماء قسموا البدعة إلى خمسة أقسام وهي ما ذكرناه آنفًا وممن قسم البدعة من العلماء الإمام العز ابن عبد السلام والإمام النووي وابن الأثير.
والجواب أن يُقال هذا الكلام ملخص من كلام محمد بن علوي المالكي وهو في صفحة (٢٧١)، (٢٧٣) من كتابه المسمى "بالذخائر المحمدية" وقد ذكره يوسف الرفاعي في أدلته على جواز الاحتفال بالمولد وزاد عليه وقد تقدم الجواب عنه فليراجع (٢).
وقال الكاتب المجهول: الثالث عشر: ليست كل بدعة محرمة ولو كانت كذلك لحرم جمع القرآن وكتبه في المصاحف خوفًا على ضياعه بموت الصحابة القراء ﵃ ولحرم جمع عمر بن الخطاب ﵁ الناس على إمام واحد في صالة القيام مع قوله "نعمت البدعة ولهذا قيد العلماء حديث كل بدعة ضلالة بالبدعة السيئة وعصرنا الراهن مملوء بأمور كثيرة لم يفعلها السلف كجمع الناس على إمام واحد في صلاة التهجد وختم المصحف ودعاء
_________________
(١) ص (٨٨ - ١٠٠).
(٢) ص (١٠٥ - ١٢٢).
[ ١٨٥ ]
ختم القرآن والمناداة لصلاة القيام، فهل كل هذه الأمور بدعة مع أن لها فضائل جمة كما لا يخفى.
والجواب أن يُقال هذا الكلام بعضه منقول من كلام محمد بن علوي المالكي وهو في ص (٢٧٢) من كتابه المسمى "بالذخائر المحمدية" وبعضه منقول من كلام يوسف بن هاشم الرفاعي الذي نشره في عدد «٤٨٧٠» من جريدة السياسة الكويتية وقد ذكر يوسف كلام ابن علوي أيضًا وتقدم الجواب عن ذلك كله فليراجع (١).
وقال الكاتب المجهول: الرابع عشر: قال إمامنا الشافعي ﵀، ما أحدث وخالف كتابًا أو سنة أو إجماعًا أو أثرًا فهو البدعة الضالة، وما أحدث من الخير ولم يخالف شيئًا من ذلك فهو المحمود.
والجواب أن يُقال: هذا الكلام منقول بالنص من كلام محمد بن علوي المالكي وهو في ص (٢٧٣) من كتابه المسمى "بالذخائر المحمدية" وقد ذكره يوسف الرفاعي في أدلته على جواز الاحتفال بالمولد وتقدم الجواب عنه فليراجع (٢).
وقال الكاتب المجهول: الخامس عشر: كل ما تشمله الأدلة الشرعية ولم يقصد بإحداثه مخالفة الشريعة ولم يشتمل على منكر فهو من الدين وقد سمي الشارع بدعة الهدي سنة ووعد فاعلها أجرًا فقال ﵊: «من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء».
_________________
(١) ص (٤٧ - ٥٤) وص (١٣٣ - ١٤١).
(٢) ص (٤٤ - ٤٧).
[ ١٨٦ ]
والجواب عن هذا من وجوه أحدها: أن يُقال هذا الكلام منقول بالنص من كلام محمد بن علوي المالكي وهو في ص (٢٧٣) من كتابه المسمى "بالذخائر المحمدية".
الوجه الثاني: أن يُقال إن الاحتفال بالمولد النبوي لم يشمله شيء من الأدلة الدالة على الجواز وإنما شملته الأدلة الدالة على المنع من البدع والتحذير منها، وقد تقدم ذكرها في أول الكتاب فلتراجع (١).
الوجه الثالث: أن يُقال إن النبي - ﷺ - قد أنكر على الرجلين اللذين قال أحدهما أما أنا فأصلي الليل أبدًا وقال الآخر أنا أصوم ولا أفطر، وأنكر أيضًا على عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ لما كان يقوم الليل ولا ينام ويصوم ولا يفطر وعد رسول الله - ﷺ - أفعال هؤلاء من الرغبة عن سنته مع أنهم لم يقصدوا مخالفة الشريعة ولم تشتمل أفعالهم على منكر ومع هذا فلم يقرهم النبي - ﷺ - ولم يعتبر أفعالهم من الدين، وفي هذا أبلغ رد على القول الباطل الذي قرره الكاتب المجهول وابن علوي.
الوجه الرابع: أن يُقال إن الكاتب المجهول وابن علوي قد تقولا على النبي ﷺ حيث زعما أنه سمى بدعة الهدى سنة ووعد فاعلها أجرًا ولم ينقل عن النبي ﷺ أنه سمى شيئًا من البدع باسم السنة إلا مع التقييد بأنها سنة
_________________
(١) ص (٦ - ١٣).
[ ١٨٧ ]
سيئة أو سنة شر، وفي الحديث الذي ذكره الكاتب المجهول وابن علوي كفاية في الرد عليهما فإن النبي - ﷺ - قال فيه: «من سن في الإسلام سنة حسنة» ولم يقل من ابتدع بدعة هدى.
وأيضًا فإن النبي - ﷺ - قد حذر من البدع على وجه العموم وأخبر أنها شر وضلالة ولم يستثن منها شيئًا وفي هذا أبلغ رد على قول الكاتب المجهول وابن علوي أن الشارع سمى بدعة الهدى سنة.
الوجه الخامس: قال الشاطبي في كتاب "الاعتصام" ذم البدع والمحدثات عام لا يخص محدثة دون غيرها ثم ذكر أن الأدلة حجة في عموم الذم من أوجه:
أحدها: أنها جاءت مطلقة عامة لم يقع فيها استثناء البتة ولم يأت فيها ما يقتضي أن منها ما هو هدي ولا جاء فيها كل بدعة ضلالة إلا كذا وكذا ولا شيء من هذه المعاني، فلو كان هنا محدثة يقتضي النظر الشرعي فيها الاستحسان أو أنها لاحقة بالمشروعات لذكر ذلك في آية أو حديث، لكنه لا يوجد فدل على أن الأدلة بأسرها على حقيقة ظاهرها من الكلية التي لا يتخلف عن مقتضاها فرد من الأفراد.
والثاني: أنه قد ثبت في الأصول العلمية أن كل قاعدة كلية أو دليل شرعي كلي إذا تكررت في مواضع كثيرة وأتي بها شواهد على معان أصولية أو فروعية ولم يقترن بها تقييد ولا تخصيص مع تكرره وإعادة تقررها فذلك دليل على بقائها على مقتضى لفظها من العموم وما نحن بصدده من هذا القبيل إذ جاء في الأحاديث المتعددة والمتكررة في أوقات شتى وبحسب الأحوال مختلفة أن كل بدعة ضلالة وأن كل
[ ١٨٨ ]
محدثة بدعة، وما كان نحو ذلك من العبارات الدالة على أن البدع مذمومة ولم يأت في آية ولا حديث تقييد ولا تخصيص ولا ما يفهم منه خلاف ظاهر الكلية فيها، فدل دلالة واضحة على أنها على عمومها وإطلاقها.
والثالث: إجماع السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن يليهم على ذمها وتقبيحها والهروب عنها وعمن اتسم بشيء منها ولم يقع منهم في ذلك توقف ولا مثنوية فهو بحسب الاستقراء إجماع ثابت فدل على أن كل بدعة ليست بحق بل هي من الباطل إلى أن قال: ولما ثبت ذمها ثبت ذم صاحبها لأنها ليست بمذمومة من حيث تصورها فقط، بل من حيث اتصف بها المتصف، فهو إذا المذموم على الحقيقة، والذم خاصة التأثيم، فالمبتدع مذموم آثم وذلك على الإطلاق والعموم انتهى.
الوجه السادس: قال صاحب تحفة الأحوذي في قوله: «من سن في الإسلام سنة حسنة» أي أتى بطريقة مرضية يشهد لها أصل من أصول الدين «ومن سن سنة شر» وفي رواية مسلم «ومن سن في الإسلام سنة سيئة» أي طريقة غير مرضية لا يشهد لها أصل من أصول الدين انتهى.
قلت: والاحتفال بالمولد النبوي لم يشهد له شيء من أصول الدين بالجواز وإنما تشهد أصول الدين بعدم جوازه، وبيان ذلك من وجوه أحدها: أن الاحتفال بالمولد النبوي لم يكن من هدي النبي ﷺ ولا من عمل أصحابه ﵃ وإنما هو من هدي سلطان إربل وقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾ والتأسي
[ ١٨٩ ]
برسول الله - ﷺ - واتباع هديه من أعظم أصول الدين كما أن التأسي بغيره من أعظم أصول الشر والفساد قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ وقال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾.
الوجه الثاني: إن رسول الله - ﷺ - قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد».
وفي رواية: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» وهذا الحديث من جوامع الكلم وهو أصل من أصول الدين فيدخل في عمومه جميع المحدثات والأعمال التي ليس عليها أمر النبي - ﷺ - ومنها الاحتفال بالمولد؛ لأن النبي - ﷺ - لم يأمر به ولم يفعله ولم يفعله أصحابه ﵃ وإنما حدث بعد النبي - ﷺ - بنحو من ست مائة سنة، وقد قال الشاطبي في كتاب «الاعتصام» هذا الحديث عده العلماء ثلث الإسلام لأنه جمع وجوه المخالفة لأمره ﵇، ويستوي في ذلك، ما كان بدعة أو معصية انتهى.
الوجه الثالث: أن رسول الله - ﷺ - قال: «من رغب عن سنتي فليس مني» وقد كانت سنة رسول الله - ﷺ - في ليلة مولده لا تختلف عن سنته في غيرها من الليالي ولم يكن يحتفل بها ويتخذها عيدًا ولا كان يخصها بشيء من الأعمال دون غيرها من الليالي، فمن رغب عن سنته - ﷺ - في ليلة المولد فهو داخل في عموم قوله: «من رغب عن سنتي فليس مني».
[ ١٩٠ ]
الوجه الرابع: أن رسول الله - ﷺ - قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة».
قال الحافظ ابن رجب، رحمه الله تعالى قوله - ﷺ -: «كل بدعة ضلالة» من جوامع الكلم لا يخرج عنه شيء وهو أصل عظيم من أصول الدين وهو شبيه بقوله - ﷺ -: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» فكل من أحدث شيئًا ونسبه إلى الدين ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة، والدين بريء منه انتهى.
قلت: ومن ذلك الاحتفال بالمولد النبوي فقد أحدثه سلطان إربل بعد زمان النبي - ﷺ - بنحو من ست مائة سنة وجعله مضاهيا لعيدي الفطر والأضحى، ولا شك أنه من المحدثات التي حذر منها رسول الله - ﷺ - وأخبر أنها شر وضلالة ومع هذا فقد زعم ابن علوي والرفاعي والكاتب المجهول أنه مطلوب شرعًا، وزعم ابن علوي والرفاعي أيضا أن الاحتفال بالمولد مشروع في الإسلام، هكذا قالوا وتجرءوا على الشريعة، حيث ألصقوا بها ما ليس منها ونسبوا إلى الدين ما هو بريء منه، وقد وصفوا بدعة المولد بأنها بدعة حسنة ووصفها الرفاعي أيضًا بأنها سنة مباركة وبدعة حسنة محمودة وهذه الصفات لا تنطبق عليها وإنما ينطبق عليه ما جاء في الحديث الثابت عن النبي - ﷺ - أنه قال: «وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار».
الوجه الخامس: أن الله تعالى شرع لهذه الأمة على لسان نبيها
[ ١٩١ ]
- ﷺ -، سبعة أعياد في سبعة أيام وهي يوم الجمعة ويوم الفطر ويوم الأضحى ويوم عرفة وأيام التشريق، فمن زاد على هذه الأعياد السبعة عيدًا غيرها فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، والاحتفال بالمولد النبوي من الأعياد الزائدة على الأعياد المشروعة فيدخل في عموم قول الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾.
الوجه السادس: قال رشيد رضا في ص (٩٣) من الجزء الأول من فتاويه، وأما السنة الحسنة والسنة السيئة في الحديث الآخر أي في قوله - ﷺ - «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها» فهي تشمل كل ما يخترعه الناس من طرق المنافع والمرافق الدنيوية أو طرق المضار والشرور فمن اخترع طريقة نافعة كان مأجورًا عند الله تعالى ما عمل الناس بسنته وله مثل أجر كل عامل به لأنه السبب فيه، وكذلك حكم مخترعي طرائق الشرور والمضار كالضرائب والغرامات والفواحش عليهم وزرها ما عمل الناس بها وقولهم بدعة حسنة وبدعة سيئة يصح في البدعة اللغوية أو الدنيوية، ومن قال من العلماء إن البدعة لا تكون إلا سيئة أراد البدعة الشرعية أي الابتداع في الدين. وقد ذكر نحو هذا ابن حجر في الفتاوى الحديثية، انتهى.
وقال الكاتب المجهول: السادس عشر: كل ما ذكر آنفًا إنما هو في المولد الذي خلا من المنكرات المذمومة التي يجب الإنكار عليها أما إذا كان هناك اختلاط أو ارتكاب محرمات فهذا ولا شك محرم شرعًا أي إنه خرج عن نطاق البدع إلى التحريم.
[ ١٩٢ ]
والجواب: عن هذا من وجهين أحدهما: أن يقال هذا الكلام ملخص من كلام محمد بن علوي المالكي وهو في ص (٢٧٤) من كتاب المسمى "بالذخائر المحمدية" وقد غير الكاتب المجهول في آخره بعض التغيير.
الوجه الثاني: أن يُقال إن الاحتفال بالمولد منكر وإن لم يكن فيه اختلاط ولا غيره من المحرمات لأنه لم يكن من هدي رسول الله - ﷺ - ولا من عمل الصحابة ﵃ ولا من عمل التابعين وتابعيهم بإحسان، وإنما هو من البدع التي أحدثت في الإسلام وقد حذر النبي - ﷺ - من المحدثات على وجه العموم وأخبر أنها شر وضلالة وإنها في النار وأمر بردها من غير استثناء شيء منها فقال - ﷺ -: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» أي مردود. فالمحتفلون بالمولد قد خالفوا هدي رسول الله - ﷺ - وخالفوا ما كان عليه سلف الأمة وأئمتها ومن خالف هدي رسول الله - ﷺ - واتبع غير سبيل المؤمنين فهو على خطر عظيم؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ويقول تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ويقول تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.
وإذا اشتمل الاحتفال بالمولد على شيء من المنكرات كان أعظم لخطره وأشد في تحريمه، وقد ذكر ابن الحاج في كتابه المسمى «بالمدخل»
[ ١٩٣ ]
والشقيري في كتابه المسمى "بالسنن والمبتدعات" أشياء كثيرة من العظائم والمهازل التي تفعل في بدعة المولد ومن له عقل وإيمان لا يرضى بشيء منها.
وأما قول الكاتب المجهول والآن نذكر رأي علمائنا الأجلاء والأئمة الأعلام الذين قالوا رأيهم صراحة في الاحتفال بالمولد النبوي وسأذكر كتبهم المؤلفة في هذا الشأن وذلك للرجوع إليها والتأكد من حكم الاحتفال به - ﷺ -.
فجوابه من وجوه أحدها: أن يُقال إن الأحكام الشرعية لا تؤخذ من آراء العلماء وإنما تؤخذ من الكتاب والسنة والإجماع وقد ذكرت في أول الكتاب جملة من أدلة الكتاب والسنة على المنع من بدعة المولد فلتراجع ففيها أبلغ رد على الكاتب المجهول وعلى أمثاله من المتكلفين الذين يعتمدون على الآراء في تأييد بدعة المولد ويعرضون عن أدلة الكتاب والسنة على ذم البدع والتحذير منها على وجه العموم.
الوجه الثاني: أن يقال إن الله تعالى قد أمر المؤمنين بالرد إلى كتابه وسنة نبيه - ﷺ - فقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا﴾.
قال مجاهد وغير واحد من السلف في قوله: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ أي إلى كتاب الله وسنة رسوله وقال البغوي: أي إلى كتاب الله وإلى رسوله ما دام حيًا وبعد وفاته إلى
[ ١٩٤ ]
سنته قال والرد إلى الكتاب والسنة واجب إن وجد فيهما فإن لم يوجد فسبيله الاجتهاد انتهى.
قلت: وحكم الاحتفال بالمولد موجود في الكتاب والسنة فلا يعدل عنهما إلى كتب الناس وآرائهم وقد ذكرت جملة من أدلة الكتاب والسنة على المنع من بدعة المولد وغيرها من البدع فلتراجع في أول الكتاب (١).
الوجه الثالث: أن يقال إن الكاتب المجهول قد جمع بين أربعة أمور خطيرة، أحدها: أنه قد قضي ما ليس له به علم وذلك في جميع الأدلة التي استدل بها على جواز الاحتفال بالمولد وتحسين بدعته.
ثانيها: مصادمته للكتاب والسنة بالآراء والأقوال التي ما أنزل الله بها من سلطان.
ثالثها: إلصاقه بالشريعة ما ليس منها وذلك في زعمه أن الاحتفال بالمولد مطلوب شرعًا ومن بلغت به الجراءة إلى هذه الغاية السيئة فإنه يخشى عليه أن يكون ممن عناهم الله تعالى بقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ وقد اشترك في هذه الأمور الثلاثة كل من الرفاعي والكاتب المجهول وابن علوي.
رابعها: تقوله على بعض العلماء الذين قال عنهم أنهم يؤيدون بدعة المولد وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى.
الوجه الرابع: أن يقال إذا كان الاحتفال بالمولد مطلوبًا شرعًا على حد زعم الكاتب المجهول وأمثاله من المتكلفين كابن علوي والرفاعي فلم لم يفعله رسول الله -ﷺ- وأصحابه، ﵃ مع أنه لم يكن هناك مانع يمنعهم من فعله فهل
_________________
(١) ص٦ - ١٣.
[ ١٩٥ ]
يظن الكاتب المجهول وغيره من المتكلفين أن الذين يحتفلون بالمولد كانوا أتقى لله تعالى من رسول الله - ﷺ - وأصحابه ﵃ وأحرص على الخير منهم أم يظنون أن رسول الله - ﷺ - وأصحبه كانوا يتهاونون ببعض الأمور المطلوبة شرعًا ويتركونها عمدًا ولا يبالون بتركها، فالكاتب المجهول وابن علوي والرفاعي بين أمرين لا بد لهم من أحدهما. إما أن يظنوا ظنون السوء برسول الله - ﷺ - وأصحابه ﵃، وإما أن يرجعوا عن زعمهم أن الاحتفال بالمولد مطلوب شرعًا ولا يحرفوا كلام ابن مسعود ﵁ عن مواضعه ولا يتأولوه على غير تأويله.
وأما قول الكاتب المجهول: رأي الإمام الشيخ ابن تيمية في المولد النبوي (يقول في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم، فتعظيم المولد واتخاذه موسمًا قد يفعله بعض الناس ويكون له فيه أجر عظيم لحسن قصده وتعظيمه لرسول الله - ﷺ - كما قدمته لك أنه يحسن من بعض الناس ما يستقبح من المؤمن المسدد.
فجوابه أن يقال: إن الكاتب المجهول قد سلك فيما نقله عن شيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى مسلك التلبيس والتضليل فأوهم من لا علم عندهم أن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يرى جواز الاحتفال بالمولد والواقع في الحقيقة أن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يرى خلاف ذلك وقد ذكرت كلامه في ذلك قريبًا مع التنبيه على ما وقع فيه من العبارات الموهمة وهي التي قد تعلق بها الكاتب المجهول وغيره من المفتونين ببدعة المولد. فليراجع
[ ١٩٦ ]
كلامه (١) مع التنبيه على ما وقع فيه من العبارات الموهمة وليراجع (٢) أيضًا ما نقلته عنه من التصريح بأن اتخاذ موسم غير المواسم الشرعية كبعض ليالي شهر ربيع الأول التي يقال إنها ليلة المولد أنها من البدع التي لم يسحبها السلف ولم يفعلوها.
وقال الكاتب المجهول الإمام السيوطي ألف كتابًا في المولد النبوي سماه "حسن المقصد في عمل المولد" وكتابه "الحاوي للفتاوي" يبين في أحد فصول الكتاب حكم الاحتفال بالمولد النبوي ويرد فيه على من قال بأن المولد بدعة مذمومة.
الإمام الحافظ ابن كثير (٧٧٧) - (٨٤٢) هـ ألف في المولد النبوي كتبًا عدة ذكر صاحب كشف الظنون في أسامي الكتب والفنون (٣١٩) أن الحافظ ابن كثير قد صنف في المولد الشريف أجزاء عديدة، منها "جامع الآثار في مولد النبي المختار" في ثلاث مجلدات و"اللفظ الرائق في مولد خير الخلائق" وهو مختصر وقال ابن فهد إن لابن كثير كتابًا يسمى "مورد الصادي في مولد الهادي".
ومنهم الإمام الحافظ العراقي، صنف هذا الإمام كتابًا في المولد الشريف سماه "المورد الهني في المولد السني".
ومنهم الإمام الحافظ السخاوي له كتاب في المولد يسمى "التبر المسبوك في ذيل السلوك".
_________________
(١) ص١٤٤ - ١٥٣.
(٢) ص١٥٣.
[ ١٩٧ ]
ومنهم الإمام ملا علي قاري له كتاب في المولد سماه "المورد الروي في المولد النبوي"
والجواب أن يقال أما الحافظ ابن كثير، رحمه الله تعالى، فإنه قد ذكر الآثار الواردة في المولد النبوي في كتابه «البداية والنهاية» ولم يتعرض لذكر الاحتفال بالمولد إلا في ترجمة سلطان إربل الملك المظفر فإنه ذكر عنه أنه كان يعمل المولد في ربيع الأول ويحتفل به احتفالا هائلا، ولم يصرح بجواز ذلك ولا عدم جوازه، ولابن كثير أيضًا رسالة في المولد مختصرة ذكر فيها الآثار الواردة فيه ولم يتعرض فيها لذكر الاحتفال به.
وقد أخطأ الكاتب المجهول عدة أخطاء فيما ذكره عن ابن كثير الأول زعمه أنه من الذين قالوا رأيهم صراحة في لاحتفال بالمولد النبوي الثاني زعمه أن ابن كثير قد ولد في سنة سبع وسبعين وسبع مائة وأنه توفي في سنة اثنتين وأربعين وثمان مائة من الهجرة، الثالث زعمه أنه قد ألف في المولد النبوي كتبًا عدة الرابع ما ذكره عن صاحب كشف الظنون أنه ذكر عن الحافظ ابن كثير أنه قد صنف في المولد أجزاء عديدة منها «جامع الآثار في مولد النبي المختار» في ثلاث مجلدات و«اللفظ الرائق في مولد خير الخلائق» وهو مختصر الخمس ما ذكره عن ابن فهد أنه قال إن لابن كثير كتابًا يسمى "مورد الصادي في مولد الهادي"
والجواب عن هذه الأخطاء أن أقول. أما زعم الكاتب المجهول أن ابن كثير قد قال رأيه صراحة في الاحتفال بالمولد النبوي، فهو من أوهامه وتقوله على ابن كثير، وأما زعمه أن ابن كثير قد ولد في سنة
[ ١٩٨ ]
سبع وسبعين وسبع مائة وأنه توفي في سنة اثنتين وأربعين وثمان مائة فهو خطأ واضح.
والصواب: أنه قد ولد في سنة إحدى وسبع مائة من الهجرة وتوفي في سنة أربع وسبعين وسبع مائة وأما زعمه أن ابن كثير قد ألف في المولد النبوي كتبًا عدة، فهو قول لا صحة له وإنما ألف في المولد رسالة مختصرة وذكر الآثار الواردة فيه أيضًا في كتابه «البداية والنهاية» ولم يتعرض في الرسالة ولا في "البداية والنهاية" لحكم الاحتفال بالمولد وأما زعمه أن صاحب "كشف الظنون" ذكر عن الحافظ ابن كثير أنه صنف في المولد أجزاء عديدة منها «جامع الآثار في مولد النبي المختار» في ثلاث مجلدات و«اللفظ الرائق في مولد خير الخلائق» فهو من أوهامه على صاحب «كشف الظنون» والذي ذكره صاحب «كشف الظنون» أن هذين الكتابين للحافظ شمس الدين محمد بن ناصر الدين الدمشقي. وذكر صاحب «كشف الظنون» أيضًا عن الحافظ السخاوي أنه ذكر في "الضوء اللامع" جماعة ممن ألف في مولد النبي - ﷺ - منهم الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي له فيه «جامع الآثار في مولد النبي المختار» في ثلاث مجلدات و«المورد الصادي في مولد الهادي» في كراسة و«اللفظ الرائق في مولد خير الخلائق» وهو أخصر من الذي قبله.
وأما زعمه أن ابن فهد قال: إن لابن كثير كتابًا يسمى «مورد الصادي في مولد الهادي» فهو من أوهامه على ابن فهد. والذي ذكره ابن فهد في كتابه «لحظ الألحاظ» بذيل طبقات الحفاظ أن «مورد الصادي في مولد الهادي» للحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي، وذكر أيضًا أنه صنف في المولد النبوي ثلاثة أسفار، وذكر أيضًا من مصنفاته «اللفظ الرائق في مولد خير الخلائق» وهذا يوافق ما ذكره صاحب «كشف
[ ١٩٩ ]
الظنون» وهذه المؤلفات لم أر شيئًا منها فلا أدري هل كان ابن ناصر الدين يقول بجواز الاحتفال بالمولد أم أنه قد مشي على طريقة ابن كثير في جمع الآثار الواردة في لمولد من غير تعرض لحكم الاحتفال به هل هو جائز أم غير جائز؟، وكذلك الحافظ العراقي لا أدري هل كان يقول بجواز الاحتفال بالمولد أم لا؟ فإني لم أر كتابه في المولد.
وأما السيوطي فقد صرح بتحسين بدعة المولد، وكذلك السخاوي وملا علي قاري قد نقل عنهما القول بتحسين بدعة المولد وهؤلاء ومثالهم محجوجون بالنصوص الثابتة عن النبي - ﷺ - في التحذير من المحدثات على وجه العموم وأنها شر وضلالة وأنها في النار، وبقوله - ﷺ - في الحديث المتفق على صحته: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» وقد ذكرت الأحاديث الواردة في ذلك في أول الكتاب فلتراجع ففيها أبلغ رد على الذين أجازوا بدعة المولد واستحسنوها وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي يأمر الله فيها بطاعة الرسول - ﷺ - واتباعه والتي يحذر الله فيها من
[ ٢٠٠ ]