ففي أحاديث كثيرة منها حديث عائشة، ﵂ قالت: رأيت رسول الله - ﷺ - يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد متفق عليه.
[ ٢٤١ ]
ومنها حديث مسلمة ﵂، قالت كنت عند رسول الله - ﷺ - وعنده ميمونة فأقبل ابن أم مكتوم وذلك بعد أن أمرنا بالحجاب فقال النبي - ﷺ - «احتجبا منه» فقلنا يا رسول الله أليس أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا فقال النبي - ﷺ -: «أفعمياوان أنتما ألستما تبصرانه» رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح، وقال النووي هو حديث حسن. وقال الحافظ ابن حجر إسناده قوي، ورد النووي وابن حجر على من تكلم فيه بغير حجة وبوب الترمذي عليه بقوله: باب ما جاء في احتجاب النساء من الرجال" وهذا التبويب مفيد بما فهمه الترمذي من عموم الحكم لجميع نساء هذه الأمة وأنه ليس خاصًا بأزواج النبي - ﷺ - والخطاب وإن كان قد وقع معهن فغيرهن تبع لهن.
ومنها حديث فاطمة بنت قيس، ﵂، أن رسول الله - ﷺ - أمرها أن تعتد في بيت أم شريك ثم قال: «تلك امرأة يغشاها أصحابي اعتدي عند ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك» الحديث رواه مالك والشافعي وأحمد ومسلم وأبو داود والنسائي، وفي رواية لمسلم فإنك إذا وضعت ثيابك لم يرك.
وفي رواية لأحمد نحوه، وفي رواية للنسائي أن النبي - ﷺ - قال لها: «انطلقي إلى أم شريك» وأم شريك امرأة غنية من الأنصار عظيمة النفقة في سبيل الله ﷿ ينزل عليها الضيفان قلت سأفعل قال: «لا تفعلي فإن أم شريك كثيرة الضيفان فإني أكره أن يسقط منك خمارك أو ينكشف الثوب عن ساقيك فيرى القوم منك بعض ما تكرهين» الحديث. وفيه دليل على أنه لا يجوز
[ ٢٤٢ ]
للمرأة وضع ثيابها عند البصير من الرجال الأجانب وذلك يقتضي ستر وجهها وغيره من أعضائها عنهم.
ومنها حديث ابن عمر ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: «لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين» رواه الإمام أحمد والبخاري وأهل السنن إلا ابن ماجه وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح.
قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى هذا مما يدل على أن النقاب والقفازين كانا معروفين في النساء اللاتي لم يحرمن وذلك يقتضي ستر وجوههن وأيديهن انتهى.
ومنها حديث عائشة ﵂ قالت «كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله - ﷺ - محرمات فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها فإذا جاوزونا كشفناه» رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والدراقطني.
ورواه ابن ماجة أيضًا عن عائشة، ﵂ عن النبي - ﷺ - بنحوه وبوب عليه أبو داود بقوله: «باب في المحرمة تغطي وجهها» وبوب عليه ابن ماجه بقوله «باب المحرمة تسدل الثوب على وجهها» وهذا التبويب مفيد بما فهمه أبو داود وابن ماجه من عموم الحكم لجميع نساء المؤمنين.
ومنها حديث أم سلمة ﵂ قالت كنا نكون مع رسول الله - ﷺ - ونحن محرمات فيمر بنا الراكب فتسدل المرأة الثوب من فوق رأسها على وجهها، رواه الدارقطني.
[ ٢٤٣ ]
ومنها حديث أم سلمة أيضًا، ﵂ قالت قال لنا رسول الله - ﷺ -: «إذا كان لإحداكن مكاتب فكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه» رواه الشافعي وأحمد وأهل السنن والحكم في مستدركه وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح وصححه أيضًا الحاكم والذهبي.
ومنها حديث عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: «المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان» رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب ورواه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والطبراني في الكبير والأوسط وزادوا فيه «وإنها أقرب ما تكون إلى الله وهي في قعر بيتها» هذا لفظ الطبراني قال المنذري: ورجاله رجال الصحيح وقال الهيثمي: رجاله موثقون.
قال ابن الأثير: العورة هي كل ما يستحيا منه إذا ظهر، قال ومنه الحديث «المرأة عورة» جعلها نفسها عورة لأنها إذا ظهرت يستحيا منها انتهى.
وقال الراغب الأصفهاني: العورة أصلها من العار وذلك لما يلحق من ظهورها من العار أي المذمة ولذلك سمي النساء عورة انتهى.
وقال المناوي في قوله: «المرأة عورة» أي هي موصوفة بهذه الصفة، ومن هذه صفته فحقه أن يستر والمعنى أنه يستقبح تبرزها وظهورها للرجال انتهى.
وأما قوله: استشرفها الشيطان فمعناه أنه تطلع إليها وتعرض لها
[ ٢٤٤ ]
بالفتنة قال الطيبي: والمعنى أنها ما دامت في خدرها لم يطمع فيها وفي إغواء الناس فإذا خرجت طمع وأطمع؛ لأنها حبائله وأعظم فخوخه انتهى.
وهذا الحديث يدل على أن جميع أجزاء المرأة عورة في حق الرجال الأجانب وسواء في ذلك وجهها وغيره من أعضائها وقد نقل أبو طالب عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه قال ظفر المرأة عورة فإذا خرجت من بيتها فلا تبن منها شيئًا ولا خفها فإن الخف يصف القدم وأحب إلي أن تجعل لكمها زرًا عند يدها حتى لا يبين منها شيء.
وظاهره هذه الرواية أن المرأة كلها عورة في حق الرجال الأجانب فلا يجوز لها أن تبدي عندهم شيئًا من جسدها حتى ولا الظفر، وقد ذكر الخطابي عن أحمد، رحمه الله تعالى أنه قال المرأة تصلي ولا يرى منها شيء ولا ظفرها، وذكر شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية، رحمه تعالى عن أحمد رحمه الله تعالى أنه قال كل شيء منها عورة حتى ظفرها، قال الشيخ وهو قول مالك انتهى.
والأحاديث الدالة على مشروعية استتار النساء عن الرجال الأجانب كثيرة جدًا وقد ذكرت جملة منها في كتاب «الصارم المشهور على أهل التبرج والسفور» فلتراجع هناك.
فصل