بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستهديه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وحده لا شريك له الذي أمر باتباع صراطه المستقيم، ونهى عن اتباع السبل المضلة، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي حذر من البدع غاية التحذير، صلى الله عليه وعلى آله وصحابه ومن تبعهم على الدين القويم وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: فقد رأيت مقالًا ليوسف بن هاشم الرفاعي يرد به على فتوى الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز في النهي عن الاحتفال بمولد النبي - ﷺ -، ويرد به أيضًا على الذين ينكرون سياقة النساء للسيارات، وهذا المقال منشور في جريدة "السياسة" الكويتية في عددين: أولهما عدد ٤٨٥٩ في يوم الخميس ١٢ ربيع أول سنة ١٤٠٢ هـ والثاني عدد ٤٨٧٠ في يوم الاثنين ٢٣ ربيع أول، سنة ١٤٠٢ هـ.
والكلام على هذا المقال في مقامين: الأول: فيما يتعلق ببدعة
[ ٥ ]
المولد، والثاني: فيما يتعلق بسياقة النساء للسيارات، فأما بدعة المولد فقد أطال الرفاعي الكلام فيها، وخالف القرآن والسنة وما كان عليه سلف الأمة وأئمتها والمسلمون جميعًا منذ زمان رسول الله - ﷺ - إلى آخر القرن السادس من الهجرة أو قبيل آخره، فأما مخالفته للقرآن فهو واضح من الآيات التي سيأتي ذكرها منها قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ وفي هذه الآية الكريمة أبلغ رد على كل من ابتدع بدعة يزيد بها في الدين ما ليس منه.
ومن ذلك عيد المولد الذي ابتدعه سلطان إربل في آخر المائة السادسة من الهجرة، أو في أول المائة السابعة، ووافقه عليه كثير من العوام وبعض المقلدين من هل المذهب، وهؤلاء المقلدون يعترفون أنه بدعة، إلا أنهم يقولون إنها بدعة حسنة. وهذا القول منهم معدود من أخطائهم وزلاتهم كما سيأتي التنبيه على ذلك إن شاء الله تعالى، وسيأتي كلام الإمام مالك رحمه الله تعالى في التشديد على من ابتدع في الإسلام، ورأى أن بدعته حسنة، وهو كلام جيد في الرد على من يستحسن بدعة المولد.
ومن الآيات أيضًا قول الله تعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، قال ابن كثير في تفسير هذه الآية، أي مهما أمركم به فافعلوه، ومهما نهاكم عنه فاجتنبوه، فإنه إنما يأمر بخير، وإنما ينهي عن شر، انتهى.
وقال البغوي: هو عام في كل ما أمر به النبي - ﷺ - ونهى عنه انتهى.
[ ٦ ]
والنبي - ﷺ - لم يأمر أمته أن يخذوا يوم مولده عيدًا، وقد نهاهم عن البدع وحذرهم منها، فمن اتخذ يوم مولده - ﷺ - عيدًا فهو مخالف للآية التي ذكرنا لأنه قد عمل عملًا لم يأمر الله به ولا رسوله - ﷺ -، وارتكب ما نهى عنه الرسول - ﷺ - من محدثات الأمور.
ومنها قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾: أي عن أمر رسول الله - ﷺ - وهو سبيله ومنهاجه وطريقه وسنته وشريعته، فتوزن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله، فما وافق ذلك قبل، وما خالفه فهو مردود على قائله وفاعله كائنًا من كان، ثبت في الصحيحين وغيرهما عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» أي فليحذر وليخش من خالف شريعة الرسول باطنًا وظاهرًا ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ أي في قلوبهم من كفر، أو نفاق، أو بدعة ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي في الدنيا بقتل، أو حد، أو حبس، أو نحو ذلك انتهى.
وفي الآية تهديد شديد ووعيد أكيد لمن خالف الأمر الذي كان عليه رسول الله - ﷺ -، وسواء كان ذلك بزيادة على الأمر المشروع، أو بنقص منه، وقد استدل الإمام مالك رحمه الله تعالى بهذه الآية الكريمة على أنه لا يجوز لأحد أن يجاوز الأمر المشروع ويزيد عليه.
قال الشاطبي في كتاب "الاعتصام": حكي عياض عن سفيان بن عيينة أنه قال: سألت مالكًا عمن أحرم من المدينة
[ ٧ ]
وراء الميقات، فقال: هذا مخالف لله ولرسوله، أخشى عليه الفتنة في الدنيا والعذاب الأليم في الآخرة. أما سمعت قول الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وقد أمر النبي - ﷺ - أن يهل من المواقيت، وحكى ابن العربي عن الزبير بن بكار قال: سمعت مالك بن أنس وأتاه رجل، فقال: يا أبا عبد الله: من أين أحرم؟ قال من ذي الحليفة من حيث أحرم رسول الله - ﷺ -، فقال: إني أريد أن أحرم من المسجد، فقال: لا تفعل، فقال: إني أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر، قال لا تفعل فإني أخشى عليك الفتنة، فقال: وأي فتنة في هذه إنما هي أميال أزيدها، قال: وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول الله - ﷺ -، إني سمعت الله يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قال الشاطبي: رحمه الله تعالى، وهذه الفتنة التي ذكرها مالك، ﵀، في تفسير الآية هي شأن أهل البدع وقاعدتهم التي يؤسسون عليها بنيانهم، فإنهم يرون ما ذكره الله في كتابه وما سنه نبيه - ﷺ - دون ما اهتدوا إليه بعقولهم، وفي ذلك قال: ابن مسعود، ﵁، فيما روى عنه ابن وضاح: «لقد هديتم لما لم يهتد له نبيكم، أو إنكم لتمسكون بذنب ضلالة» إذ مر بقوم كان رجل يجمعهم يقول: رحم الله من قال: كذا وكذا مرة «سبحان الله»، فيقول القوم. ويقول: رحم الله من قال، كذا وكذا مرة "الحمد لله"، فيقول القوم انتهى كلام الشاطبي، وستأتي قصة ابن مسعود، ﵁، مع الذين ابتدعوا عد التكبير، والتسبيح، والتحميد، والاجتماع لذلك قريبًا إن شاء الله تعالى.
وإذا علم هذا فليعلم أيضًا أن الاحتفال بليلة المولد واتخاذها
[ ٨ ]
عيدًا لم يكن من هدي رسول الله - ﷺ -، وإنما هو من المحدثات التي أحدثت بعد زمانه - ﷺ - بنحو من ست مائة سنة وعلى هذا فالاحتفال بهذا العيد المحدث داخل فيما حذر الله منه في قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، ولو كان في الاحتفال بهذا العيد المبتدع أدنى شيء من الخير لسبق إليه الصحابة، ﵃ فإنهم كانوا أسبق إلى الخير ممن جاء بعدهم.
ومنها قوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾، قال ابن كثير في تفسير هذه الآية الكريمة أي اقتفوا آثار النبي الأمي الذي جاءكم بكتاب من رب كل شيء ومليكه ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾، أي لا تخرجوا عما جاءكم به الرسول إلى غيره فتكونوا قد عدلتم عن حكم الله إلى حكم غيره، انتهى.
وإذا علم أن الله تعالى أمر عباده باتباع ما أنزله في كتابه، ونهاهم عن اتباع الأولياء من دونه، فليعلم أيضًا أن اتخاذ ليلة المولد عيدًا من اتباع الأولياء الذين ابتدعوا إحياء ليلة المولد، واتخذوها عيدًا يفعلونها في كل عام.
ومنها قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بالله
[ ٩ ]
وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، فعلق ﵎ الفلاح على الإيمان بالرسول وتعزيره ونصره واتباع النور الذي أنزل معه وهو القرآن، وتعزيره - ﷺ - هو توقيره وتعظيمه، وإنما يكون ذلك باتباع أوامره واجتناب نواهيه، ثم أمر ﵎ بالإيمان به وبرسوله، وعلق الهداية على اتباعه - ﷺ - واتباعه لا يحصل إلا بالتمسك بهديه، وترك ما ابتدعه المبتدعون من بعده.
وأما مخالفة الرفاعي للسنة فقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» رواه الإمام أحمد، وأهل السنن، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه من حديث العرباض من سارية ﵁، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وصححه الحاكم، والذهبي، وقال ابن عبد البر في كتاب: "جامع بيان العلم وفضله": حديث عرباض بن سارية في الخلفاء الراشدين حديث ثابت صحيح.
وروى الإمام أحمد أيضًا، ومسلم، وابن ماجه، والدارمي عن جابر بن عبد الله، ﵄ قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول: صبّحكم ومساكم، ويقول: «أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة»، وقد رواه النسائي بإسناد جيد، ولفظه: «إن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار».
[ ١٠ ]
وروى ابن ماجه عن عبد الله بن مسعود، ﵁، أن رسول الله - ﷺ - قال: «إنما هما اثنتان الكلام والهدى فأحسن الكلام كلام الله، وأحسن الهدي هدي محمد، ألا وإياكم ومحدثات الأمور، فإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة»، وقد رواه ابن وضاح، وابن عبد البر وغيرهما موقوفًا على ابن مسعود ﵁.
وروي الإمام أحمد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه عن عائشة، ﵂، قالت: قال رسول الله - ﷺ - «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، وفي رواية لأحمد، ومسلم والبخاري تعليقًا مجزومًا به: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» قال النووي في شرح مسلم: قال أهل العربية الرد هنا بمعنى المردود ومعناه فهو باطل غير معتد به، قال: وهذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام وهو من جوامع كلمه، - ﷺ - فإنه صريح في رد كل البدع والمخترعات، وقال أيضًا: وهذا الحديث مما ينبغي حفظه واستعماله في إبطال المنكرات وإشاعة الاستدلال به، انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: هذا الحديث معدود من أصول الإسلام، وقاعدة من قواعده، فإن معناه من اخترع في الدين ما لا يشهد له أصل من أصوله فلا يلتفت إليه، ثم ذكر قول النووي: إن هذا الحديث مما ينبغي أن يعتنى بحفظه واستعماله في إبطال المنكرات، وإشاعة الاستدلال به كذلك. قال: وقال الطرقي: هذا الحديث يصلح أن يسمى نصف أدلة الشرع، قال الحافظ: وفيه
[ ١١ ]
رد المحدثات، وإن النهي يقتضي الفساد؛ لأن المنهيات كلها ليست من أمر الدين فيجب ردها، انتهى.
قلت: ومن الأعمال المردودة بلا ريب إحياء ليلة المولد كل عام، لأنه لم يكن من أمر النبي - ﷺ -، ولا من عمل لصحابة ﵃، ولا من عمل التابعين وتابعيهم بإحسان، وإنما هو من محدثات الأمور التي حذر منها رسول الله - ﷺ -، وأخبر أنها بدعة وضلالة.
وأما مخالفة الرفاعي لما كان عليه سلف الأمة وأئمتها والمسلمون جميعًا منذ زمان رسول الله - ﷺ - إلى آخر القرن السادس من الهجرة، فهو ظاهر فإنهم لم يكونوا يحتفلون بالمولد ويتخذونه عيدًا، ولم يكونوا يخصون ليلة المولد ولا يومه بشيء من الأعمال دون سائر الليالي والأيام. ولو كان الاحتفال بالمولد خيرًا لسبق إليه الصحابة، ﵃، فإنهم كانوا أسبق إلى الخير، وأحرص عليه ممن جاء بعدهم، وقد قال النووي في "تهذيب السماء واللغات": البدعة في الشرع هي إحداث ما لم يكن في عهد رسول الله - ﷺ -، انتهى.
قلت: ويستثنى من ذلك ما سنه أحد الخلفاء الراشدين وهم: أبو بكر، وعمر وعثمان، وعلي ﵃، فإنه سنة وليس ببدعة؛ لقول النبي - ﷺ - «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ».
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه «جامع العلوم والحكم»: وفي أمره - ﷺ - باتباع سنته وسنة الخلفاء
[ ١٢ ]
الراشدين بعد أمره بالسمع والطاعة لولاة الأمور عمومًا، دليل على أن سنة الخلفاء الراشدين متبعة كاتباع السنة بخلاف غيرهم من ولاة الأمور قال: والخلفاء الراشدون الذين أمرنا بالاقتداء بهم، هم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ﵃، وقوله: «وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة» تحذير للأمة من اتباع الأمور المحدثة المبتدعة. وأكد ذلك بقوله: «كل بدعة ضلالة»، والمراد بالبدعة ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعًا، وإن كان بدعة لغة إلى أن قال: فقوله - ﷺ -: «كل بدعة ضلالة» من جوامع الكلم لا يخرج عنه شيء وهو أصل عظيم من أصول الدين، وهو شبيه بقوله - ﷺ -: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، فكل من أحدث شيئا ونسبه إلى الدين، ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة، والدين بريء منه وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات، أو الأعمال، أو الأقوال الظاهرة، والباطنة، وأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع، فإنما ذلك في البدع اللغوية لا الشرعية، فمن ذلك قول عمر ﵁ لما جمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد في المسجد، وخرج ورآهم يصلون كذلك فقال: «نعمت البدعة هذه»، وروي عنه أنه قال: «إن كانت هذه بدعة فنعمت البدعة» انتهى المقصود من كلامه، وسيأتي تمامًا إن شاء الله تعالى مع الجواب عن استحسان الرفاعي لبدعة المولد، واستدلاله على ذلك بقوله عمر، ﵁ «نعمت البدعة هذه».
وأما قول الرفاعي: إن الاحتفال بالمولد النبوي سنة حسنة.
[ ١٣ ]
فجوابه أن يقال: إن السنة ما سنه رسول الله - ﷺ -، أو سنة أحد الخلفاء الراشدين المهديين وهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ﵃، فأما ما سوى ذلك فهو من المحدثات التي حذر منها رسول الله - ﷺ -، وأخبر أنها شر وضلالة، ومن ذلك الاحتفال بالمولد النبوي، لأن النبي - ﷺ - لم يأمر بذلك، ولم يفعله، ولم يأمر به أحد من الخلفاء الراشدين، ولم يفعله أحد من الصحابة، ﵃، ولا التابعين وتابعيهم بإحسان، وعلى هذا فهو بدعة وضلالة يجب ردها لقول النبي - ﷺ - «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد».
وقد زعم الرفاعي أن هذه البدعة من السنن الحسنة، وزعم في كلامه الذي سيأتي ذكره قريبًا أنها سنة مباركة وبدعة حسنة، هكذا قال وذلك مبلغه من العلم، وفيه دليل على انعكاس الحقائق عنده، حيث لم يفرق بين السنة والبدعة، بل إنه قد غلب عليه التكلف حتى جعل البدعة سنة مباركة حسنة، وهذا من مصداق الحديث الذي رواه رزين عن علي، ﵁ مرفوعًا «كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا» قالوا: يا رسول الله وإن ذلك لكائن، قال: نعم.
وروى أبو يعلي والطبراني في الأوسط من حديث أبي هريرة ﵁، مرفوعًا مثله، وروي ابن وضاح عن ضمام بن إسماعيل المعافري عن غير واحد من أهل العلم أن رسول الله - ﷺ - قال: فذكر مثله. وروى ابن وضاح أيضًا عن ابن مسعود ﵁، أنه قال: يأتي على الناس زمان تكون السنة فيه بدعة، والبدعة سنة، والمعروف منكرًا، والمنكر معروفًا، وهذه الأحاديث يشد بعضها بعضًا.
[ ١٤ ]
وقد ذكر الشاطبي في كتاب «الاعتصام» ما رواه ابن حبيب عن ابن ماجشون قال: سمعت مالكًا يقول: «من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة، فقد زعم أن محمدًا - ﷺ - خان الرسالة؛ لأن الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، فلما لم يكن يومئذ دينًا فلا يكون اليوم دينًا»، وذكره الشاطبي في موضع آخر من كتاب «الاعتصام»، ولفظه قال: «من أحدث في هذه الأمة شيئًا لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن رسول الله - ﷺ - خان الرسالة»، وذكر بقيته بمثل ما تقدم، انتهى.
وأما قول الرفاعي: وإن كانت بدعة فهو بدعة حسنة محمودة كغيرها من البدع التي ابتدعت في الإسلام، وأفتى بها وأثنى عليها علماء أهل السنة والجماعة.
فجوابه أن يقال: ليس في البدع التي قد ابتدعت في الدين شيء حسن محمود البتة، بل البدع في الدين كلها شر وضلالة بنص رسول الله - ﷺ - حيث قال في حديث جابر ﵁ الذي تقدم ذكره «وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة»، وفي حديث العرباض بن سارية، -رضي الله- عنه الذي تقدم ذكره «وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة»، وكل بدعة ضلالة، وفي حديث ابن مسعود ﵁، الذي تقدم ذكره «ألا وإياكم ومحدثات الأمور، فإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة».
وهل يقول عاقل: إن من الشر والضلالة ما هو حسن محمود، كلا لا يقول ذلك عاقل، ومن زعم أن في البدع التي قد ابتدعت في الدين
[ ١٥ ]
شيئًا حسنًا محمودًا فإنما هو في الحقيقة يستدرك على الشريعة، ويرد على رسول الله - ﷺ -، وهذان الأمران خطيران جدًا لما فيهما من المحادة لله ولرسوله - ﷺ - فليتأمل الرفاعي قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، فهذه الآية الكريمة تقضي على البدع كلها، وترد على من تعلق بها، أو بشيء منها، وعلى من أفتى بجوازها، أو جواز شيء منها، وعلى من زعم أن بدعة المولد حسنة محمودة وسنة مباركة، قال الشاطبي في كتاب «الاعتصام»: إن المستحسن للبدع يلزمه أن يكون الشرع عنده لم يكمل بعدُ، فلا يكون لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ معنى يعتبر به عندهم، انتهى.
ويلزم على القول بأن الاحتفال بالمولد سنة حسنة محمودة مباركة لوازم سيئة جدًا أحدها: أن يكون الاحتفال بالمولد من الدين الذي أكمله الله لعباده ورضيه لهم. وهذا معلوم البطلان بالضرورة، لأن الله تعالى لم يأمر عباده بالاحتفال بالمولد، ولم يأمر به رسول الله - ﷺ -، ولم يفعله ولا فعله أحد من الخلفاء الراشدين، ولا غيرهم من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان، بل ولم يكن معروفًا عند المسلمين إلى أن مضى عليهم نحو من ستمائة سنة، فحينئذ ابتدعه سلطان إربل وصار له ذكر عند الناس. وعلى هذا فمن زعم أن الاحتفال بالمولد من الدين، فقد قال: على الله، وعلى كتابه، وعلى رسوله - ﷺ - بغير علم.
الثاني: من اللوازم السيئة أن يكون النبي - ﷺ - وأصحابه ﵃ قد تركوا العمل بسنة حسنة
[ ١٦ ]
مباركة محمودة، وهذا مما ينزه عنه رسول الله - ﷺ - وأصحابه ﵃.
الثالث: أن يكون المحتفلون بالمولد قد حصل لهم العمل بسنة حسنة مباركة محمودة، لم تحصل للنبي - ﷺ - ولا لأصحابه، ﵃، وهذا لا يقوله من له أدنى مسكة من عقل ودين.
وليتأمل الرفاعي أيضًا نصوص رسول الله - ﷺ - في حديثي جابر والعرباض، ﵄، وما رواه ابن ماجه عن ابن مسعود ﵁، وليقابل بين الآية الكريمة وهي قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ مع النصوص الثابتة عن النبي - ﷺ - في التحذير من المحدثات على وجه العموم، ووصفها بأنها شر وضلالة، وبين قوله إن بدعة الاحتفال بالمولد بدعة حسنة محمودة كغيرها من البدع الحسنة التي ابتدعت في الإسلام، وقوله أيضًا: أنها سنة مباركة ليعلم ما في كلامه من المعارضة للكتاب والسنة؛ وليتأمل أيضًا قول النبي - ﷺ - «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، وفي رواية «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»، وقوله أيضًا: «من رغب عن سنتي فليس مني»، ولعله بعد التأمل يراجع الحق، فإن الرجوع إلى الحق نبل وفضيلة، كما أن الجدال بالباطل لإدحاض الحق نقص ورذيلة، وقد ذم الله الذي يجادلون بالباطل ليدحضوا به الحق، وتوعدهم على ذلك بأشد الوعيد، فقال تعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾، وذم ﵎ الذين إذا ذكروا لا يذكرون، وذم الذين لا يسمعون ولا يعقلون، فقال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ
[ ١٧ ]
الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾، فليحذر الرفاعي أن يصاب بما جاء في هذه الآيات أو ببعضه.
وإن لم يفهم الرفاعي دلالة النصوص على تحريم بدعة المولد وغيرها من البدع والمنع منها، فينبغي له أن يعرف قدر نفسه، ولا يتطاول على العلماء الذين ينهون عن الفساد في الأرض، ويحذرون الناس من البدع التي حذر منها رسول - ﷺ -، وأمر بردها.
وإذا علم هذا فمن أفتى بجواز البدع، وأثنى عليها وزعم أنها حسنة محمودة فقوله مردود عليه كائنًا من كان، لأنه لا قول لأحد مع رسول الله - ﷺ - قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: أتدري ما الفتنة، الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك، ثم جعل يتلو هذه الآية ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا *﴾، وقال الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى-: أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله - ﷺ -، لم يكن له أن يدعها لقول أحد.
[ ١٨ ]
ولما عارض بعض التابعين قول رسول الله - ﷺ - بقول أبي بكر وعمر -﵄- في متعة الحج، رد عليهم ابن عباس، ﵄، وقال: «يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله - ﷺ -، وتقولون: قال أبو بكر وعمر».
وإذا كان هذا قول ابن عباس، ﵄، لمن عارض قول رسول الله - ﷺ - بقول الخليفتين الراشدين أبي بكر وعمر -﵄-، فكيف بمن عارض قول رسول الله - ﷺ - بقول فلان وعلان، ممن زعم أنهم أفتوا بجواز الاحتفال بالمولد، وأثنوا على هذا العمل، فهذا القول مردود على قائليه، وفي الأحاديث التي تقدم ذكرها عن العرباض بن سارية، وجابر بن عبد الله، وابن مسعود، وعائشة، ﵃، أبلغ رد عليهم، وعلى الرفاعي الذي قدم أقوالهم على أقوال رسول الله - ﷺ -.
وقد روى الترمذي وحسنه عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار إلا ملة واحدة» قالوا من هي يا رسول الله قال: «ما أنا عليه وأصحابي»، وروى الطبراني نحوه من حديث أنس بن مالك، وأبي أمامة، ووائلة بن الأسقع، ﵃.
ومن المعلوم عند أهل العلم أن الاحتفال بالمولد لم يكن في عهد
[ ١٩ ]
رسول الله - ﷺ - ولا في عهد أصحابه، ولا في القرون الثلاثة المفضلة، وإنما حدث ذلك بعد زمان رسول الله - ﷺ -، بنحو من ست مائة سنة، وما لم يكن عليه رسول الله - ﷺ - وأصحابه، ﵃، فلا شك أنه مذموم ويخشى على فاعله أن يكون من الثنتين وسبعين فرقة التي أخبر النبي - ﷺ - أنها في النار.
وقد استدل الرفاعي على أن عيد المولد بدعة حسنة محمودة بثناء أبي شامة على سلطان إربل الذي ابتدع عيد المولد وهو الملك المظفر أبو سعيد كوكبوري ابن زين الدين علي بن بكتكين التركماني، واستدل أيضًا بأقوال لبعض الذين ألفوا في المولد واستحسنوا الاحتفال به، وأفتوا بجواز ذلك.
والجواب أن يقال: إن العبادات مبناها على الشرع والاتباع، لا على الرأي والاستحسان والابتداع، ولا قول لأحد مع رسول الله - ﷺ -، وقد تقدم في الأحاديث الثابتة عنه - ﷺ - أنه قال: «كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار»، وقال أيضًا: «وشر الأمور محدثاتها»، وقال أيضًا: «من عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد»، فهذه النصوص تقضي على كل ما خالفها من أقوال الناس واستحسانهم، وقد تقم قول الشافعي -رحمه الله تعالى- أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله - ﷺ - لم يكن له أن يدعها لقول أحد. وتتقدم في وصف الفرقة الناجية من هذه الأمة أنهم من كان على مثل ما كان عليه رسول الله - ﷺ - وأصحابه ﵃.
[ ٢٠ ]
وقد ذم الاحتفال بالمولد عدد كثير من أكابر العلماء، وعدوا ذلك من البدع، وسيأتي ذكر أقوالهم في آخر الكلام على ما يتعلق ببدعة المولد إن شاء الله تعالى.
وقد روي الإمام أحمد في الزهد عن ابن مسعود، ﵁ أنه قال: «عليكم بالسمت الأول»، وروى محمد بن نصر المروزي في كتاب "السنة" عنه، ﵁، أنه قال: «إنكم اليوم على الفطرة، وإنكم ستحدثون ويحدث لكم، فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالهدي الأول»، وروى الإمام أحمد، ومحمد بن نصر عنه، ﵁ أنه قال: «اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم وكل بدعة ضلالة»، وروى أبو نعيم في الحلية عن عبد الله بن عمر -﵄- أنه قال «من كان مستنًا فليستن بمن قد مات، أولئك أصحاب محمد - ﷺ - كانوا خير هذه الأمة، أبرها قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، - ﷺ - ونقل دينه، فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم فهم أصحاب محمد - ﷺ -، كانوا على الهدى المستقيم والله رب الكعبة»، وقد روى رزين نحو هذا عن عبد الله بن مسعود ﵁.
وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية: رحمه الله تعالى، الأفضل للناس اتباع السلف الصالح في كل شيء، انتهى.
وقال الراجز وأحسن فيما قال:
وكل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف
والثناء على من ابتدع عيد المولد واستحسان بعض الناس لبدعة
[ ٢١ ]
المولد، وإفتاؤهم بجوازها لا شك أنه من أخطاء العلماء وزلاتهم. وقد ورد التحذير من تتبع أخطاء العلماء وزلاتهم، وبيان أنها من هوادم الإسلام. فروى الطبراني في الكبير عن أبي الدرداء، ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «أخاف على أمتي ثلاثًا: زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، والتكذيب بالقدر»، وروى أبو نعيم في الحلية عن عمرو بن عوف المزني، ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إني أخاف على أمتي من بعدي، ثلاثة أعمال» قالوا: وما هي يا رسول الله، قال: «زلة عالم، وحكم جائر، وهوى متبع»، وروى البيهقي عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن أشد ما أتخوف على أمتي زلة عالم، وجدل منافق بالقرآن ودنيا تقطع أعناقكم»، وروى الطبراني في الصغير عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إني أخاف عليكم ثلاثًا، وهي كائنات، زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، ودنيا تفتح عليكم»، وروى الدارمي، وأبو نعيم في الحلية عن زياد بن حدير قال: قال لي عمر ﵁، هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قال: قلت: لا. قال «يهدمه، زلة عالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين»، وروي الإمام أحمد في الزهد عن أبي الدرداء ﵁ قال: «إنما أخشى عليكم زلة عالم، وجدال المنافق بالقرآن»، وهذه الأحاديث يشد بعضها بعضًا فليتأملها الرفاعي الذي قد اعتمد على زلات بعض العلماء في استحسان بدعة المولد، وقدمها على النصوص الثابتة عن النبي - ﷺ - في التحذير من البدع وبيان أنها شر وضلالة.
وإذا علم أنه لا دليل مع الذين قالوا بجواز بدعة المولد
[ ٢٢ ]
واستحسانه، وأنهم قد زلوا واخطئوا حيث خالفوا الأحاديث الثابتة عن النبي - ﷺ - في التحذير من البدع، وبيان أنها شر وضلالة، وأنها مردودة على من أحدثها، ومن عمل بها. وقد خالفوا أيضا هدي رسول الله - ﷺ - وما كان عليه الصحابة ﵃، والتابعون لهم بإحسان، فليعلم أيضًا أن القائلين بجواز بدعة المولد واستحسانها قد خالفهم كثير من المحققين، وردوا عليهم، وصرحوا بذم الاحتفال بالمولد، وأن ذلك من البدع السيئة، وسيأتي ذكر أقوالهم في آخر الكلام على ما يتعلق ببدعة المولد إن شاء الله تعالى.
وأما زعم الرفاعي أن علماء أهل السنة والجماعة أفتوا بما زعم أنها بدعة حسنة ابتدعت في الإسلام، وأنهم أثنوا عليها.
فجوابه أن يقال: أما علماء أهل السنة والجماعة من الصحابة والتابعين وأئمة العلم والهدي من بعدهم، فكلهم على إنكار البدع في الدين على سبيل العموم. ومن زعم أنهم استحسنوا شيئًا من البدع في الدين وأفتوا بها وأثنوا عليها فقد تقول عليهم. وأما المتساهلون ببعض البدع من المتأخرين الذين ذكرهم الرفاعي واعتمد على أقوالهم في استحسان بدعة المولد، فهؤلاء محجوجون بقول النبي - ﷺ -: «كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار»، وبقوله أيضًا: «وشر الأمور محدثاتها»، وبقوله أيضًا: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾، وسيأتي ذكر أقوال
[ ٢٣ ]
الذين خالفوهم وردوا عليهم في آخر الكلام على ما يتعلق ببدعة المولد إن شاء الله تعالى.
فإن قيل إن عمر -﵁- قد استحسن جمع الناس على إمام واحد في قيام رمضان، وقال: «نعمت البدعة هذه».
فالجواب أن يقال: إن ما فعله عمر -﵁- من جمع الناس على إمام واحد في قيام رمضان ليس ببدعة، وإنما هو سنة بنص رسول الله - ﷺ - حيث قال: «عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين»، وأيضا فإن رسول الله - ﷺ - قد صلى بالناس جماعة في قيام رمضان، ثم ترك ذلك خشية أن يفرض على أمته، وعلى هذا ففعل عمر ﵁ موافق لفعل رسول الله - ﷺ -، وليس من البدع وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى.
وأما ما ذكره الرفاعي عن السخاوي أنه قال: ولو لم يكن في ذلك إلا إرغام الشيطان، وسرور أهل الإيمان من المسلمين لكفى.
فجوابه أن يقال: وما يدريه أن بدعة المولد ترغم الشيطان، بل إن ذلك مما يفرح به الشيطان ويسر به؛ لأن البدع في الدين كلها من عمل الشيطان وتزيينه، وإذا عمل المسلمون بما يدعوهم إليه من البدع والمعاصي فلا شك أنه يسر بذلك. وقد روى أبو الفرج ابن الجوزي بإسناده إلى سفيان الثوري أنه قال: «البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، المعصية يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها»، والدليل على أن البدع في الدين كلها من عمل الشيطان قول الله تعالى مخبرًا عن إبليس أنه قال: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾، وقد قال النبي - ﷺ - في
[ ٢٤ ]
الأحاديث التي تقدم ذكرها: وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة فدلت الآية والأحاديث الصحيحة على أن البدع في الدين من إضلال الشيطان، وقد روى الإمام أحمد عن غضيف بن الحارث الثمالي ﵁، أن النبي - ﷺ - قال: «ما أحدث قوم بدعة إلا رفع مثلها من السنة»، وهذا يدل على شؤم البدع في الدين، وأنها مما يفرح به الشيطان لما يقع بسببها من رفع السنن.
وأما زعمه أن بدعة المولد فيها سرور أهل الإيمان.
فجوابه أن يقال: إنه لا يسر ببدعة المولد من المسلمين إلا من هو جاهل بما ثبت عن النبي - ﷺ - من التحذير من المحدثات والنص على أنها شر، وأن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وما ثبت عنه أيضًا أن من عمل عملًا ليس عليه أمره فهو رد، أي مردود، فأما أهل العلم والإيمان فإنما يكون سرورهم بإحياء السنن، وإماتة البدع كما أنه يسوءهم إحياء البدع، وإماتة السنن.
وأما ما ذكره الرفاعي عن السخاوي أنه قال: وإذا كان أهل الصليب اتخذوا ليلة مولد نبيهم عيدًا أكبر، فأهل الإسلام أولى بالتكريم وأجدر.
فجوابه أن يقال: لا شك أن الاحتفال بالمولد النبوي واتخاذه عيدًا مبني على التشبه بالنصارى في اتخاذهم مولد المسيح عيدًا، وهذا مصداق ما ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا شبرًا وذراعًا ذراعًا حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم»، قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى قال: فمن؟ رواه الإمام أحمد والبخاري، ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله
[ ٢٥ ]
عنه- وروى الإمام أحمد، والبخاري أيضًا، وابن ماجه نحوه من حديث أبي هريرة -﵁- وروى محمد بن نصر المروزي في كتاب السنة نحوه من حديث عبد الله بن عمرو -﵄- وإسناده جيد، وروى محمد بن نصر أيضًا، والبزار، والحاكم نحوه من حديث ابن عباس ﵄، وصححه الحاكم، والذهبي، وروى أبو داود الطيالسي، والترمذي، ومحمد بن نصر بعضه من حديث أبي واقد الليثي -﵁- وقال الترمذي: حسن صحيح، وروى أبو داود الطيالسي، ومحمد بن نصر، وأبو بكر الآجري نحوه من حديث عمرو بن عوف المزني -﵁- وروى الطبراني نحوه من حديث المستورد بن شداد ﵁.
وإذا علم أن عيد المولد عند جهال المسلمين مبني على التشبه بالنصارى، فليعلم أيضًا أن التشبه بالنصارى وغيرهم من المشركين حرام شديد التحريم؛ لقول النبي - ﷺ - «من تشبه بقوم فهو منهم»، رواه الإمام أحمد، وأبو داود من حديث عبد الله بن عمر -﵄- وصححه ابن حبان، وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية: إسناده جيد، وقال ابن حجر العسقلاني: إسناده حسن.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقد احتج أحمد وغيره بهذا الحديث، قال: وهذا الحديث أقل أحواله أنه يقتضي تحريم التشبه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم كما في قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾، وقال شيخ الإسلام أيضًا في موضع آخر قوله - ﷺ -: «من تشبه بقوم فهو منهم» موجب هذا تحريم التشبه بهم مطلقًا، انتهى.
وقد روى الترمذي عن عبد الله بن عمرو -﵄- أن
[ ٢٦ ]
رسول الله - ﷺ - قال: «ليس منا من تشبه بغيرنا، لا تشبهوا باليهود، ولا بالنصارى»، قال ابن مفلح في قوله: «ليس منا» هذه الصيغة تقتضي عند أصحابنا التحريم، انتهى.
وأما ما ذكره الرفاعي عن أبي شامة أنه قال في إقامة عيد المولد: إنه مشعر بمحبته، - ﷺ - وتعظيمه، وفيه إغاظة للكفرة والمنافقين.
فجوابه أن يقال: إن تعظيم النبي - ﷺ - لا يكون بارتكاب البدع التي حذر منها، وأخبر أنها شر وضلالة، وأنها في النار، وإنما يكون تعظيمه بطاعته، واتباع هديه، والتمسك بسنته، ونشر ما دعا إليه كما كان عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، فهؤلاء هم المحبون للرسول - ﷺ - حقًا والسير على منهاجهم هو الذي يشعر بمحبة النبي - ﷺ - وتعظيمه، وقد روى عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄- عن النبي - ﷺ - أنه قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به»، قال النووي في الأربعين: له حديث صحيح رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح، ثم قال في الكلام على هذا الحديث، يعني أن الشخص يجب عليه أن يعرض عمله على الكتاب والسنة ويخالف هواه ويتبع ما جاء به - ﷺ -، وهذا نظير قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾، فليس لأحد مع الله ﷿ ورسوله - ﷺ - أمر ولا هوى، انتهى.
[ ٢٧ ]
وقد قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- في أول كتابه «إغاثة اللهفان»: لا تجد مشركًا قط إلا وهو متنقص لله سبحانه، وإن زعم أنه يعظمه بذلك كما إنك لا تجد مبتدعًا إلا وهو متنقص للرسول - ﷺ -، وإن زعم أنه معظم له بتلك البدعة، فإنه يزعم أنها خير من السنة وأولى بالصواب، أو يزعم أنها هي السنة إن كان جاهلا مقلدًا، وإن كان مستبصرًا في بدعته فهو مشاق لله ورسوله انتهى.
وأما قوله: وفيه إغاظة للكفرة والمنافقين.
فجوابه أن يقال: بل الأمر بالعكس فإن الكفار والمنافقين يفرحون بما يكون من بعض المسلمين من المخالفة لهدي نبيهم - ﷺ - وارتكابهم لما حذرهم منه من البدع والضلالات، وقد قال الله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾، وإذا يئسوا من كفر المسلمين رضوا منهم بإظهار البدع في الدين؛ لأنها تئول إلى الشرك. قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية. رحمه الله تعالى، المبتدع يئول إلى الشرك، ولم يوجد مبتدع إلا وفيه نوع من الشرك كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، وكان من شركهم أنهم أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم، انتهى.
وقال السدي في تفسير هذه الآية: استنصحوا الرجال ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم قلت: وهذا هو المطابق لحال المشركين وأهل البدع، فإنهم استنصحوا الذين يدعوهم إلى الشرك والبدع في الدين، ونبذوا كتاب الله وسنة نبيه - ﷺ - وراء ظهورهم.
[ ٢٨ ]
وأما ما ذكره الرفاعي عن السيوطي أنه قال: إن عمل المولد من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها.
فجوابه أن يقال: إن كلام السيوطي مردود بقول النبي - ﷺ - في الأحاديث التي تقدم ذكرها "وشر الأمور محدثاتها"، وقوله أيضًا: «وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار»، وقوله أيضًا: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»، فقد وصف النبي - ﷺ - البدع بأنها شر وضلالة، وهذه صفات سيئة ذميمة، وأخبر أنها مردودة على أصحابها، وأنها في النار. وهذا يدل على أن صاحب البدعة لا يثاب على بدعه، بل إنه يخشى عليه من الفتنة والعذاب الأليم؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، ولقول النبي - ﷺ -: «وكل ضلالة في النار»، والثواب إنما يكون على متابعة الرسول - ﷺ - وتقديم هديه على هدي غيره، ويدل على ذلك قول الله تعالى ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، فقد جعل الله ﵎ اتباع رسوله - ﷺ - سببًا لمحبته لمن اتبعه وهدايته ومغفرة ذنوبه، وعمل المولد ليس من هدي الرسول - ﷺ - وسنته، وإنما هو من هدي سلطان إربل وسنته، وذلك بعد زمان رسول الله - ﷺ - بنحو من ست مائة سنة، وقد قال عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى، وأحسن فيما قال:
وهل أفسد الدين إلا الملو ك وأحبار سوء ورهبانها
[ ٢٩ ]
وأما ما ذكره الرفاعي عن ابن حجر المكي أنه خرّج بدعة المولد على صيام يوم عاشوراء.
فجوابه من وجوه أحدها: أن يقال ما زعمه الرفاعي من أن الذي خرج بدعة المولد على صيام يوم عاشوراء هو ابن حجر المكي فهو غلط ظاهر، وإنما هو ابن حجر العسقلاني صاحب "فتح الباري"، وقد نقل ذلك عنه السيوطي في رسالته التي سماها "حسن المقصد، في عمل المولد" وهي الرسالة الرابعة والعشرون مما في كتاب "الحاوي للفتاوي" وقد توفي السيوطي في سنة إحدى عشرة وتسع مائة من الهجرة، وذلك بعدما ولد ابن حجر الهيتمي المكي بسنتين؛ لأنه قد ولد في سنة تسع وتسع مائة من الهجرة، وهذا الذي في سن الفطام حين توفي السيوطي، لا يقول عاقل إن السيوطي قد نقل عنه، والظاهر أن الرفاعي نقل تخريج ابن حجر من رسالة السيوطي، وتوهم أنه أراد به ابن حجر الهيتمي المكي.
الوجه الثاني أن يقال: إن ابن حجر العسقلاني قد صرح في أول كلامه الذي نقله السيوطي عنه أن أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة، وهذه الجملة من كلام ابن حجر كافية في ذم المولد إذ لو كان خيرًا لسبق إليه الصحابة والتابعون وأئمة العلم والهدى من بعدهم. ثم قال ابن حجر: ولكنها مع ذلك قد اشتملت على محاسن وضدها فمن تحرى في عملها المحاسن وتجنب ضدها كان بدعة حسنة، وإلا فلا، قال: وقد ظهر لي تخريجها على أصل ثابت وهو ما ثبت في الصحيحين من أن النبي - ﷺ - قدم لمدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم فقالوا: هو يوم أغرق الله فيه فرعون، ونجى موسى فنحن
[ ٣٠ ]
نصومه شكرًا لله تعالى فيستفاد منه فعل الشكر لله على ما من به في يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة، ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة، انتهى.
وهذه الجملة من كلام ابن حجر مردودة بما صرح به في الجملة أولى من كلامه وهو قوله: إن أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة، وقد ذكرت الآيات والأحاديث لدالة على ذم البدع والتحذير منها، والأمر بردها في أول الكتاب فلتراجع ففيها أبلغ رد على الجملة الأخيرة من كلام ابن حجر.
ومما يرد به عليه أيضًا كلامه في "فتح الباري" لما ذكر حديث عائشة ﵂ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، قال: هذا الحديث معدود من أصول الإسلام وقاعدة من قواعده فإن معناه من اخترع في الدين ما لا يشهد له أصل من أصوله فلا يلتفت إليه، قال وفيه رد المحدثات، وأن النهي يقتضي الفساد؛ لأن المنهيات كلها ليست من مر الدين فيجب ردها، انتهى.
وقد صرح في كلامه الذي تقدم ذكره أن أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة فيلزم على قوله في "فتح الباري" أنه يجب ردها؛ لأنها من المحدثات وليست من أمر الدين.
[ ٣١ ]
الوجه الثالث: أن يقال إن تخريج بدعة المولد على صيام يوم عاشوراء ليس بوجيه، وإنما هو من التكلف المردود؛ لأن العبادات مبناها على الشرع والاتباع لا على الرأي والاستحسان والابتداع، ولم يرو عن النبي - ﷺ - بإسناد صحيح ولا ضعيف أنه أمر أمته بالاحتفال بمولده، ولا أنه خص ليلة المولد أو يومه بشيء من الأعمال دون سائر الليالي والأيام، وقد قال - ﷺ - في الحديث الصحيح: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد»، وقال أيضًا: «من رغب عن سنتي فليس مني»، وفي هذين الحديثين أبلغ رد على من جعل ليلة المولد عيدًا وخصها بأعمال لم يأمر بها رسول الله - ﷺ - في تلك الليلة ولم يفعلها، وفيهما أيضًا رد على من خرج بدعة المولد على صيام يوم عاشوراء؛ لأن صيام يوم عاشوراء قد فعله رسول الله - ﷺ - ورغب فيه بخلاف الاحتفال بالمولد واتخاذه عيدًا، فإن النبي - ﷺ - لم يفعله ولم يرغب فيه، ولو كان في الاحتفال بالمولد واتخاذه عيدًا أدنى شيء من الفضل لبين ذلك رسول الله - ﷺ - لأمته، لأنه لا خير إلا وقد دلهم عليه ورغبهم فيه، ولا شر إلا وقد نهاهم عنه وحذره منه، والبدع من الشر الذي نهاهم عنه وحذرهم منه كما تقدم النص على ذلك في أحاديث العرباض بن سارية، وجابر بن عبد الله وابن مسعود ﵃.
ولو قال قائل بتخريج بدعة المولد على نهي النبي - ﷺ - عن اتخاذ قبره عيدًا لكان أولى وأقرب من تخريجها على صيام يوم عاشوراء، وكذلك تخريج بدعة المولد على قوله - ﷺ - «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم» هو أولى
[ ٣٢ ]
وأقرب من تخريجها على صيام يوم عاشوراء، ويؤيد هذا التخريج أن عيد المولد النبوي مبني على التشبه بالنصارى في اتخاذهم يوم مولد المسيح عيدًا، فعيد مولد المسيح عند النصارى وعيد مولد النبي - ﷺ - عند جهال المسلمين متشابهان ولا فرق، وكلاهما من ثمرة الغلو والإطراء ونتائجهما السيئة.
وفيه وجه ثالث لتخريج بدعة المولد النبوي: وهو المنع من تعظيم أعياد أهل الجاهلية وتعظيم مواضعها، والنص على أن ذلك معصية لله تعالى وأنه لا يجوز الوفاء بالنذر في ذلك. وقد جاء فيه حديث صحيح رواه أبو داود في سننه بإسناد على شرط البخاري ومسلم عن ثابت بن الضحاك، ورضي الله عنه، قال: نذر رجل على عهد رسول الله - ﷺ - أن ينحر إبلا ببوانة فأتى النبي - ﷺ - فقال: إني نذرت أن أنحر إبلا ببوانة فقال النبي - ﷺ - «هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد»، قالوا: لا، قال: «هل كان فيها عيد من أعيادهم»، قالوا: لا، قال رسول الله - ﷺ -: «أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم»، وهذا الحديث الصحيح يدل على تحريم مضاهاة أهل الجاهلية والتشبه بهم في تعظيم الأوثان والأعياد التي شرعها لهم أولياؤهم من شياطين الجن والإنس، كما قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾، والذين يحتفلون بالمولد النبوي قد جمعوا بين التشبه بأهل الجاهلية في تعظيم الأعياد المبتدعة وبين التشبه بالنصارى في تعظيم مولد المسيح واتخاذه عيدًا، والتشبه بأهل الجاهلية وبالنصارى حرام شديد التحريم؛ لقول النبي - ﷺ -: «من تشبه بقوم فهو منهم»، ولقوله أيضًا: «ليس منا من تشبه
[ ٣٣ ]
بغيرنا لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى»، وقد ذكرت هذين الحديثين قريبًا وذكرت من خرجهما من الأئمة فليراجع ما تقدم (١).
وأما زعم الرفاعي أن بدعة المولد سنة مباركة وبدعة حسنة واستدلاله على ذلك باحتفال جمهور المنتسبين إلى الإسلام بهذه البدعة، وزعمه أن احتفالهم بها دليل ساطع على إجماعهم عليها.
فجوابه أن يقال ليس في البدع في الدين شيء مبارك ولا حسن البتة، ووصفها بالبركة والحسن من مجازفات أهل الغلو والإطراء ومجاوزة الحد، وقد تقدم في الأحاديث الصحيحة عن العرباض بن سارية، وجابر بن عبد الله، وابن مسعود -﵃- أن رسول الله - ﷺ - حذر أمته من محدثات الأمور، وأخبرهم أنها شر وأن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وفي هذه الأحاديث أوضح دليل على أن بدعة المولد شر وضلالة، واحتفال جمهور العوام بها لا يحيلها من الشر والضلالة إلى البركة والحسن؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾، وقد افتتن كثير من المنتسبين إلى الإسلام بالقبور واتخذوا بعضها أوثانًا، وجعلوا لبعض الأموات أعيادًا زعموها لمواليدهم، كما يفعلون ذلك في مولد البدوي وغيره من الأموات الذي يعظمهم الجهال، وهذه الأعياد كلها شر وبدعة وضلالة، ولا فرق في ذلك بين بدعة مولد النبي - صلى
_________________
(١) ص ٦ - ١٢.
[ ٣٤ ]
الله عليه وسلم - وبدعة مولد البدوي وغيره من الأموات، فكلها داخلة في قول النبي - ﷺ -: «وشر الأمور محدثاتها»، وقوله أيضًا: «وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار»، وكلها مردودة لقول النبي - ﷺ -: «من عمل عملا ليس عليه مرنا فهو رد»، وبدع المواليد في الإسلام مأخوذة مما ابتدعه النصارى في مولد المسيح حيث جعلوا ذلك عيدًا يعود كل عام، وقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من تشبه بقوم فهو منهم».
وأما قول الرفاعي: وهذا الإجماع يعتبر إجماعًا سكوتيًا يعتد به عند فقهاء المسلمين.
فجوابه ن يقال: هذه الجملة مما كتبه الرفاعي من غير تثبت ولا تعقل، وهل يقول عاقل له أدنى علم ومعرفة: إن الإجماع يؤخذ من أفعال العوام والجهال وسكوتهم على ما يفعلونه من البدع، وأن ذلك يعتبر إجماعًا سكوتيًا يعتد به عند فقهاء المسلمين، كلا لا يقول ذلك من له أدنى علم ومعرفة.
ويقال أيضًا: إن الإجماع الذي يعتد به عند فقهاء المسلمين هو إجماع الصحابة وأئمة العلم والهدى من بعدهم، فأما العوام والجهال، فلا عبرة بهم، ولا بأقوالهم وأفعالهم، وقد ذكر الشاطبي أن منشأ الاحتجاج بعمل الناس في تحسين البدع الظن بأعمال المتأخرين، وإن جاءت الشريعة بخلاف ذلك، والوقوف مع الرجال دون التحري للحق، وقال الشاطبي أيضًا: لا خلاف أنه لا اعتبار بإجماع العوام، وإن ادعوا الإمامة، انتهى.
وأما قول الرفاعي: ودليل كونها بدعة وحسنة قوله - صلى الله عليه
[ ٣٥ ]
وسلم -: «ومن سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة».
فجوابه أن يقال: هذا من تحريف الكلم عن مواضعه، وحمل كلام النبي - ﷺ - على غير المراد به، وذلك لأن النبي - ﷺ - قد حث على الأخذ بسنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين وهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي -﵃- وحذر مما سوى ذلك من محدثات الأمور التي لم تكن على عهده - ﷺ -، ولا على عهد الخلفاء الراشدين، وأخبر أن شر الأمور محدثاتها، وأن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
وإذا علم هذا فليعلم أيضًا أن ما سنه رسول الله - ﷺ - أو سنه أحد الخلفاء الراشدين فهو السنة الحسنة، وما أحدثه غيرهم مما ليس له أصل في الشريعة يرجع إليه فهو بدعة سيئة وضلالة مردودة، وإن كان صاحبه يريد الخير، ومن ذلك بدعة المولد. وقد أنكر ابن مسعود، وأبو موسى الأشعري -﵄- هو دون بدعة المولد بكثير، وعده ابن مسعود -﵁- من البدع وإن كان في الظاهر حسنًا، ومن أفعال الخير، وقد روي ذلك من عدة طرق، منها ما رواه الطبراني في الكبير عن عمرو بن سلمة قال: كنا قعودًا على باب ابن مسعود -﵁- بين المغرب والعشاء، فأتى أبو موسى -﵁- فقال: أخرج إلينا أبا عبد الرحمن، فخرج ابن مسعود -﵁- فقال: أبا موسى ما جاء بك هذه الساعة، قال: لا والله إلا أني رأيت أمرًا ذعرني وإنه لخير، ولقد ذعرني وإنه لخير، قوم جلوس في المسجد ورجل يقول: سبحوا كذا وكذا، احمدوا كذا
[ ٣٦ ]
وكذا، قال: فانطلق عبد الله وانطلقنا معهم حتى أتاهم فقال: «ما أسرع ما ضللتم وأصحاب رسول الله - ﷺ - أحياء، وأزواجه شواب، وأبنيته لم تغير، أحصوا سيئاتكم، فأنا أضمن على الله أن يحصي حسناتكم».
ومنها ما رواه الدارمي عن عمرو بن يحيى قال: سمعت أبي يحدث عن أبيه، قال: كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود -﵁- قبل صلاة الغداة، فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد، فجاءنا أبو موسى الأشعري -﵁- فقال: أخرج إليكم أبو عبد الرحمن بعد؟ قلنا: لا، فجلس حتى خرج، فلما خرج قمنا إليه جميعًا فقال: له أبو موسى يا أبا عبد الرحمن إني رأيت في المسجد آنفا أمرًا أنكرته، ولم أر والحمد لله إلا خيرًا، قال: فما هو فقال: إن عشت فستراه، قال: رأيت في المسجد قومًا حلقًا جلوسًا، ينتظرون الصلاة في كل حلقة رجل، وفي أيديهم حصى، فيقول: كبروا مائة فيكبرون مائة، فيقول: هللوا مائة فيهللون مائة، ويقول: سبحوا مائة فيسبحون مائة، قال: فماذا قلت لهم. قال: ما قل لهم شيئًا انتظار رأيك أو انتظار أمرك، قال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم، وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم شيء، ثم مضى ومضينا معه حتى أتى حلقة من تلك الحق، فوقف عليهم فقال: «ما هذا الذي أراكم تصنعون» قالوا يا أبا عبد الرحمن حصى نعد به التكبير، والتهليل، والتسبيح، قال: فعدوا سيئاتكم فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء، ويحكم يا أمة محمد ما أسرع هلكتكم، هؤلاء صحابة نبيكم - ﷺ - متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل، وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد - ﷺ -، أو مفتتحو باب ضلالة، قالوا: والله
[ ٣٧ ]
يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير، قال: «وكم من مريد للخير لن يصيبه».
ومنها ما رواه عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد الزهد، والطبراني، وأبو نعيم في الحلية، وأبو الفرج ابن الجوزي، واللفظ له عن أبي البختري، قال: أخبر رجل عبد الله بن مسعود -﵁- أن قومًا يجلسون في المسجد بعد المغرب فيهم رجل يقول: كبروا الله كذا وكذا، وسبحوا الله كذا وكذا، واحمدوا الله كذا وكذا، قال عبد الله فإذا رأيتهم فعلوا ذلك فائتني فأخبرني بمجلسهم، فجلس فلما سمع ما يقولون، قام فأتى ابن مسعود -﵁- وكان رجلًا حديدًا، فقال: أنا عبد الله بن مسعود والله الذي لا إله غيره لقد جئتم ببدعة ظلماء، أو لقد فضلتم أصحاب محمد - ﷺ - علما، عليكم بالطريق فالزموه، ولئن أخذتم يمينًا وشمالا لتضلن ضلالًا بعيدا، وفي رواية الطبراني فمرهم أن يتفرقوا.
ومنها ما رواه ابن وضاح أن عبد الله بن مسعود، -﵁- حدث أن ناسًا يسبحون بالحصى في المسجد فأتاهم، وقد كوم كل رجل منهم كومة من حصى فلم يزل يحصبُهم بالحصى حتى أخرجهم من المسجد، وهو يقول: لقد أحدثتم بدعة ظلماء، أو لقد فضلتم أصحاب محمد - ﷺ - علمًا.
وإذا كان ابن مسعود، وأبو موسى -﵄- قد أنكرا على الذين يجتمعون للذكر، وعد التكبير، والتهليل، والتسبيح بالحصى، وعد ابن مسعود -﵁- فعلهم من البدع الظلماء والهلكة والضلالة، وقال لهم إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد - صلى الله
[ ٣٨ ]
عليه وسلم -، أو مفتتحو باب ضلالة، ولم يزل يحصبهم بالحصى حتى أخرجهم من المسجد، فكيف بالذين يقيمون بدعة المولد كل عام ويجتمعون لذلك، فهؤلاء أولى بالإنكار، وأن يعد فعلهم من البدع الظلماء والهلكة والضلالة.
فليتأمل الرفاعي ما جاء عن ابن مسعود، وأبي موسى -﵄- من إنكار الأمر الذي لم يكن عليه رسول الله - ﷺ - وأصحابه -﵃- وإن كان ظاهره الخير، وليتأمل أيضًا قول الذين أنكر عليهم ابن مسعود -﵁- والله ما أردنا إلا الخير وجواب ابن مسعود -﵁- لهم بقوله وكم من مريد للخير لن يصيبه، وليتأمل أيضًا قول ابن مسعود -﵁- لهم، عليكم بالطريق فالزموه، ولئن أخذتم يمينًا وشمالًا لتضلن ضلالًا بعيدًا، ولعل الرفاعي بعد التأمل يراجع الحق في إنكار بدعة المولد ولا يكون عونًا للشيطان في تأييد هذه البدعة والذب عنها، ولا ينس قول الله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾.
ومما يدل على أن عيد المولد بدعة وضلالة أن الله شرع لهذه الأمة على لسان نبيها - ﷺ - سبعة أعياد في سبعة أيام وهي: يوم الجمعة، ويوم الفطر، ويوم الأضحى، ويوم عرفة، وأيام التشريق، فأما يوم الجمعة فقد جاء فيه عدة أحاديث، منها ما رواه مالك في الموطأ، والشافعي في مسنده من طريق مالك عن ابن شهاب
[ ٣٩ ]
عن عبيد بن السباق أن رسول الله - ﷺ - قال في جمعة من الجمع: «يا معشر المسلمين إن هذا يوم جعله الله عيدا، فاغتسلوا ومن كان عنده طيب فلا يضره أن يمس منه، وعليكم بالسواك»، هكذا رواه مالك، والشافعي مرسلا، وقد رواه ابن ماجه، والطبراني من حديث صالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن عبيد بن السباق عن ابن عباس -﵄- قال: قال رسول الله - ﷺ - فذكره بنحوه.
ومنها ما رواه الإمام أحمد، والبخاري في الكنى، والحاكم في مستدركه وصححه عن أبي هريرة، ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن يوم الجمعة يوم عيد، فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم إلا أن تصوموا قبله أو بعده».
ومنها ما رواه الطبراني عن أبي هريرة، ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال في جمعة من الجمع: «معاشر المسلمين إن هذا يوم جعله الله لكم عيدًا، فاغتسلوا، وعليكم بالسواك».
ومنها ما رواه الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، وأبو داود السجستاني، والنسائي، وابن ماجه، وابن خزيمة في صحيحه، والحاكم في مستدركه عن إياس بن أبي رملة الشامي قال: شهدت معاوية بن أبي سفيان وهو يسأل زيد بن أرقم قال: أشهدت مع رسول الله - ﷺ - عيدين اجتمعا في يوم واحد؟ قال: نعم، قال: فكيف صنع؟ قال: صلى العيد، ثم رخص في الجمعة، فقال: «من شاء أن يصلي فليصل» صححه الحاكم، والذهبي.
[ ٤٠ ]
ومنها ما رواه أبو داود، وابن ماجه، والحاكم عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «قد اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن شاء أجزأه من الجمعة، وإنا مجمعون» قال الحاكم صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
ومنها ما رواه ابن ماجه عن ابن عباس، ﵄ عن النبي - ﷺ - مثل حديث بي هريرة ﵁.
ومنها ما رواه ابن ماجه أيضًا عن ابن عمر -﵄-، قال اجتمع عيدان على عهد رسول الله - ﷺ -، فصلى بالناس ثم، قال: «من شاء أن يأتي الجمعة فليأتها، ومن شاء أن يتخلف فليتخلف».
ومنها ما رواه الشافعي في مسنده عن عمر بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى- قال: اجتمع عيدان على عهد رسول الله - ﷺ -، فقال: «من أحب أن يجلس من أهل العالية فليجلس في غير حرج».
وفي الباب أحاديث موقوفة منها ما رواه مالك في الموطأ، والشافعي في مسنده من طريق مالك عن ابن شهاب عن أبي عبيد مولى ابن أزهر قال: شهدت العيد مع عثمان بن عفان -﵁- فجاء فصلى، ثم انصرف، فخطب، وقال: إنه قد اجتمع لكم في يومكم هذا عيدان، فمن أحب من أهل العالية أن ينتظر الجمعة فلينتظرها، ومن أحب أن يرجع فقد أذنت له.
ومنها ما رواه النسائي وابن خزيمة في صحيحه والحاكم في مستدركه عن وهب بن كيسان، قال: اجتمع عيدان على عهد ابن الزبير
[ ٤١ ]
فأخر الخروج حتى تعالى النهار، ثم خرج فخطب فأطال الخطبة، ثم نزل فصلى ولم يصل للناس يومئذ الجمعة فذكر ذلك لابن عباس -﵄- فقال: «أصاب السنة»، زاد ابن خزيمة، والحاكم فبلغ ابن الزبير، فقال: رأيت عمر بن الخطاب إذا اجتمع عيدان صنع مثل هذا، قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي في تلخيصه، وقد رواه أبو داود في سننه من حديث عطاء بن أبي رباح بنحوه، وفي رواية له عن عطاء، قال: اجتمع يوم جمعة ويوم فطر على عهد ابن الزبير، فقال: «عيدان اجتمعا في يوم واحد، فجمعهما جميعًا فصلاهما ركعتين بكرة، لم يزد عليهما حتى صلى العصر».
ومنها ما رواه ابن جرير في تفسيره، والطبراني في الأوسط عن قبيصة بن ذؤيب قال: قال كعب: لو أن غير هذه الأمة نزلت عليهم هذه الآية؛ لنظروا اليوم الذي أنزلت فيه عليهم فاتخذوه عيدًا يجتمعون فيه، فقال عمر -﵁-: أي آية يا كعب فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، فقال عمر -﵁-: قد علمت اليوم الذي أنزلت فيه، والمكان الذي أنزلت فيه يوم الجمعة ويوم عرفة، وكلاهما بحمد الله لنا عيد.
ومنها ما رواه وابن جرير عن عمار بن أبي عمار، قال: قرأ ابن عباس -﵄- ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، وعنده يهودي، فقال: لو أنزلت هذه الآية علينا لاتخذنا يومها عيدًا، فقال ابن عباس -﵄- فإنها نزلت في يوم عيدين في يوم الجمعة ويوم عرفة، قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
[ ٤٢ ]
وأما يوم الفطر ويوم الأضحى، فقد جاء فيهما عن أنس -﵁- قال: قدم رسول الله - ﷺ - المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: «ما هذان اليومان»، قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال رسول الله - ﷺ -: «إن الله ﷿ قد أبدلكم بهما خيرًا منهما، يوم الأضحى، ويوم الفطر»، ورواه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، والحاكم، وقال صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي في تلخيصه، وقد جاء ذكر يوم النحر أيضا في حديث عقبة بن عامر الذي سيأتي ذكره.
وأما يوم عرفة، وأيام التشريق فالدليل على أنها من أعياد المسلمين ما رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والحاكم عن عقبة بن عامر -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل، وشرب» صححه الترمذي، والحاكم وقال: على شرط مسلم، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وإذا علم أن النبي - ﷺ - لم يشرع لأمته عيدًا سوى السبعة الأيام التي تقدم ذكرها في الأحاديث الثابتة فليعلم أيضًا أن ما سوى ذلك من الأعياد فهو بدعة وضلالة مثل عيد المولد النبوي، وليلة المعراج، وليلة النصف من شعبان، ومن هذا الباب أيضًا أعياد الجلوس عند بعض الملوك والرؤساء، وأعياد الثورة عند المنازعين للملوك والرؤساء وانتصار بعضهم على بعض، وأعياد جلاء المستعمرين عند بعض المنتسبين إلى الإسلام، فكل هذه الأعياد المحدثة من باب واحد وكلها داخلة في عموم قول النبي - ﷺ - «وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار»، وفي
[ ٤٣ ]
عموم قوله - ﷺ - أيضًا: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد».
وأما قول الرفاعي: أما دليل كونها بدعة حسنة، فقد روي البيهقي بإسناده في مناقب الشافعي عن الشافعي، قال: المحدثات من الأمور ضربان أحدهما: ما أحدث مما يخالف كتابًا، أو سنة، أو أثرًا، أو إجماعًا فهذه البدعة ضلالة؛ الثاني: ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا وهذه محدثة غير مذمومة، وقد قال عمر -﵁- في قيام رمضان: "نعمت البدعة هذه" يعني أنها محدثة لم تكن، وإن كانت فليس فيها رد لما مضى.
فجوابه من وجوه، أحدها: أن يقال إن الأدلة على جواز الشيء وتحسينه، أو على منعه وذمه لا تؤخذ من أقوال العلماء، وإنما تؤخذ من القرآن، أو من السنة، أو من الإجماع، أو من قول الصحابي إذا لم يخالفه غيره منهم على القول الراجح. وما ذكره البيهقي عن الشافعي -رحمه الله تعالى- ليس فيه دليل على تحسين بدعة المولد، ولا غيرها من البدع، بل يؤخذ من كلامه ذم الاحتفال بالمولد لمخالفته للكتاب والسنة والأثر وما كان عليه سلف الأمة وأئمتها كما سيأتي بيانه إن شاء الله -تعالى، وقد روي كلام الشافعي -رحمه الله تعالى- بلفظ آخر وهو ما رواه الحافظ أبو نعيم في الحلية من طريق إبراهيم بن الجنيد حدثنا حرملة بن يحيى، قال: سمعت محمد بن إدريس الشافعي يقول: «البدعة بدعتان، بدعة محمودة، وبدعة مذمومة، فما وافق السنة فهو محمود، وما خالف السنة فهو مذموم، واحتج بقول عمر بن الخطاب -﵁- في قيام رمضان نعمت البدعة هذه»، قال الحافظ ابن رجب -رحمه الله تعالى- في كتابه "جامع العلوم والحكم": ومراد الشافعي -رضي الله
[ ٤٤ ]
عنه- ما ذكرناه من قبل (١) أن أصل البدعة المذمومة ما ليس لها أصل في الشريعة ترجع إليه، وهي البدعة في إطلاق الشرع، وأما البدعة المحمودة فما وافق السنة يعني ما كان لها أصل من السنة ترجع إليه، وإنما هي بدعة لغة لا شرعًا لموافقتها للسنة، انتهى.
الوجه الثاني: أن يقال إن بدعة المولد ليس لها أصل في الشريعة ترجع إليه، وإنما هي مخالفة لهدي رسول الله - ﷺ - وسنته، وعلى هذا فهي بدعة مذمومة، وفي الرواية التي ذكرها أبو نعيم عن الشافعي -رحمه الله تعالى- أبلغ رد على الرفاعي فيما تعلق به من الرواية الأولى عن الشافعي، وزعم أنها تدل على تحسين بدعة المولد.
الوجه الثالث: أن يقال إن الاحتفال بالمولد مخالف للكتاب والسنة والأثر، وما كان عليه سلف الأمة وأئمتها، فأما مخالفته للكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة وأئمتها فقد تقدم بيانه في أول الكتاب فليراجع (٢).
وأما مخالفته للأثر، فقد قال أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه: حدثنا معاذ بن معاذ قال: أخبرنا ابن عون عن نافع، قال: بلغ عمر بن الخطاب ﵁، أن ناسا يأتون الشجرة التي بويع تحتها قال: فأمر بها فقطعت، إسناده صحيح إلى نافع، ولكن فيه انقطاع بينه وبين عمر -﵁-، فإنه لم يدركه وهذا الأثر مشهور عن عمر ﵁، وقال ابن أبي شيبة أيضًا: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن المعرور بن سويد قال: خرجنا مع عمر ﵁
_________________
(١) ١٣.
(٢) ص ٦ - ١٣.
[ ٤٥ ]
في حجة حجها، فقرأ بنا في الفجر ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾، ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ فلما قضى حجه، ورجع والناس يبتدرون، فقال: ما هذا، فقال: مسجد صلى فيه رسول الله - ﷺ -، فقال: «هكذا هلك أهل الكتاب اتخذوا آثار أنبيائهم بيعًا، من عرض له منكم فيه الصلاة فليصل، ومن لم تعرض له منكم فيه الصلاة فلا يصل» إسناده صحيح على شرط الشيخين، وفي هذين الأثرين عن عمر -﵁- دليل على أنه لا يجوز الاحتفال بالمولد واتخاذه عيدًا لما في ذلك من الغلو ومضاهاة أهل الكتاب في تتبعهم لآثار أنبيائهم، وقد صرح عمر -﵁-، أن تتبع آثار الأنبياء من الهلاك، وقد ذكرت فيما تقدم أن الاحتفال بالمولد النبوي مبني على التشبه بالنصارى في اتخاذهم مولد المسيح عيدًا والتشبه بهم حرام شديد التحريم، وقد ذكرت الأدلة على ذلك فيما تقدم فلتراجع (١) ففيها أبلغ رد على الرفاعي الذي قد نصب نفسه لتأييد بدعة المولد والذبّ عنها.
الوجه الرابع: أن يقال إن الاحتفال بالمولد واتخاذه عيدًا يعود في كل عام لم يكن من هدي رسول الله - ﷺ -، ولا من سنة الخلفاء الراشدين، ولم يفعله أحد من الصحابة ولا التابعين ولا تابعيهم بإحسان، وإنما أحدثه سلطان إرببل في آخر القرن السادس من الهجرة، أو في أول القرن السابع، وقد تقدم إيراد النصوص في التحذير من محدثات الأمور، وبيان أن كل محدثة بدعة، وأن كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وبيان أن شر الأمور محدثاتها، وتقدم أيضا ما جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله - صلى الله عليه
_________________
(١) ص ٢٦ - ٢٧.
[ ٤٦ ]
وسلم -
قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، وفي رواية: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»، وفي هذه النصوص أبلغ تحذير من بدعة المولد وغيرها من المحدثات، وقد قال الله تعالى ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، وبدعة المولد داخلة فيما نهى عن رسول الله لأنها من محدثات الأمور التي قد حذر منها، وأخبر أنها شر وضلالة، وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، والذين يعملون بدعة المولد لا شك أنهم قد خالفوا الأمر الذي كان عليه رسول الله - ﷺ - لأنهم لم يقتصروا على الأعياد المشروعة للمسلمين، بل زادوا عليها عيدًا لم يأذن به الله، ولم يفعله رسول الله - ﷺ - ولا أصحابه ﵃، فهم بذلك متعرضون للفتنة والعذاب الأليم.
وقد أمر الله المؤمنين باتباع ما أنزله على رسوله محمد - ﷺ -، ونهاهم عن اتباع الأولياء من دونه، وعلق محبته للعباد ومغفرته لذنوبهم وهدايته إياهم ونيلهم الفلاح على اتباع رسوله محمد - ﷺ -، وذم الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، وذم الذين ابتدعوا في الدين ما لم يأذن به الله، وفي هذا أبلغ تحذير من الابتداع في الدين واتباع المبتدعين للأعياد وغيرها من البدع.
وأما قوله: وقد قال عمر -﵁- في قيام رمضان نعمت البدعة هذه، يعني أنها محدثة لم تكن، وإن كانت فليس فيها رد لما مضى.
[ ٤٧ ]
فجوابه أن يقال: إن الاجتماع على إمام واحد في قيام رمضان ليس ببدعة، وإنما هو سنة سنها رسول الله - ﷺ - فقد صح عنه من عدة أوجه أنه صلى بالناس جماعة في شهر رمضان ثلاث ليال، ثم ترك ذلك مخافة أن تفرض صلاة الليل على أمته فيعجزوا عنها. وقد جاء في ذلك أحاديث كثيرة، منها ما رواه مالك، وأحمد، والبخاري، ومسلم، واللفظ له، وأبو داود، والنسائي، عن عائشة ﵂ أن رسول الله - ﷺ - خرج من جوف الليل فصلى في المسجد فصلى رجال بصلته، فأصبح الناس يحدثون بذلك، فاجتمع أكثر منهم فخرج رسول الله - ﷺ - في الليلة الثانية، فصلوا بصلاته فأصبح الناس يذكرون ذلك، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج فصلوا بصلاته فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله فلم يخرج إليهم رسول الله - ﷺ -، فطفق رجال منهم يقولون الصلاة فلم يخرج إليهم رسول الله - ﷺ - حتى خرج لصلاة الفجر، فلما قضى الفجر أقبل على الناس، ثم تشهد، فقال: «أما بعد، فإنه لم يخف علي شأنكم الليلة، ولكني خشيت أن تفرض عليكم صلاة الليل، فتعجزوا عنها» وفي رواية لهم، وذلك في رمضان.
ومنها ما رواه الإمام أحمد أيضًا واللفظ له، وأهل السنن عن أبي ذر ﵁ قال: صمنا مع رسول الله - ﷺ - رمضان فلم يقم بنا شيئا من الشهر حتى بقي سبع، فقام بنا حتى ذهب نحو من ثلث الليل، ثم لم يقم بنا الليلة الرابعة، وقام بنا الليلة التي تليها حتى ذهب نحو من شطر الليل، قال: فقلنا يا رسول الله لو نفلتنا بقية ليلتنا هذه قال: «إن الرجل إذا قام مع الإمام حتى
[ ٤٨ ]
ينصرف حسب له بقية ليلته»، ثم لم يقم بنا السادسة وقام بنا السابعة قال: وبعث إلى أهله واجتمع الناس، فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح قال: قلت: وما الفلاح؟ قال السحور. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وفي قوله - ﷺ - «إن الرجل إذا قام مع الإمام حتى ينصرف حسب له بقية ليلته» دليل على أن الاجتماع على إمام واحد في قيام رمضان سنة وليس ببدعة.
ومنها ما رواه الإمام أحمد، والنسائي أيضًا بإسناد جيد عن نعيم بن زياد أبي طلحة الأنماري، قال: سمعت النعمان بن بشير ﵄ على منبر حمص يقول: قمنا مع رسول الله - ﷺ - في شهر رمضان ليلة ثلاث وعشرين إلى ثلث الليل، ثم قمنا معه ليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل، ثم قمنا معه ليلة سبع وعشرين حتى ظننا أن لا ندرك الفلاح وكانوا يسمونه السحور.
وإذا علم ما جاء في هذه الأحاديث من صلاة النبي - ﷺ - بالناس ثلاث ليال في رمضان فليعلم أيضًا أن ما فعله عمر -﵁- من جمع الناس على إمام واحد في قيام رمضان هو السنة لأمرين: أحدهما أن النبي - ﷺ - قد صلى بالناس ثلاث ليال في رمضان، ثم قطع ذلك خشية أن يفرض على أمته، وما فعله النبي ص فهو سنة وليس ببدعة. الأمر الثاني أن النبي - ﷺ - قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ»، فهذا النص الصحيح يدل على أن ما فعله عمر﵁- من جمع الناس على إمام واحد في قيام رمضان فهو سنة وليس ببدعة، ويدل على ذلك أيضًا ما رواه الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه،
[ ٤٩ ]
والبخاري في تاريخه، والحاكم في مستدركه عن حذيفة بن اليمان ﵄ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر»، قال الترمذي: هذا حديث حسن، وصححه الحاكم، والذهبي، وللترمذي والحاكم أيضًا من حديث ابن مسعود ﵁ عن النبي - ﷺ - نحوه.
وقد قال عمر بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى-: سن رسول الله - ﷺ - وخلفاؤه من بعده سننًا الأخذ بها، تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر في شيء خالفها، من عمل بها مهتد، ومن انتصر بها منصور، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا. رواه أبو بكر الخطيب من طريق الزهري عن عمر بن عبد العزيز، -رحمه الله تعالى-، وقد ذكره الشاطبي في كتاب "الاعتصام"، فقال ومن كلامه الذي عني به وبحفظه العلماء وكان يعجب مالكًا جدًا، فذكر كلام عمر الذي رواه الخطيب، ثم قال: وبحق ما كان يعجبهم فإنه كلام مختصر جمع أصولا حسنة من السنة منها قوله: ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر في شيء خالفها، قطع لمادة الابتداع جملة، وقوله من عمل بها مهتد إلى آخر الكلام مدح لمتبع السنة، وذم لمن خالفها بالدليل الدال على ذلك، وهو قول الله سبحانه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾، ومنها ما سنه ولاة الأمر من بعد النبي - ﷺ -، فهو سنة لا بدعة فيه البتة، وإن لم يعلم في كتاب الله ولا سنة نبيه - ﷺ - نص عليه على الخصوص فقد جاء ما يدل عليه في الجملة،
[ ٥٠ ]
وذلك نص حديث العرباض بن سارية ﵁، حيث قال فيه: «فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور»، فقرن ﵇ كما ترى سنة الخلفاء الراشدين بسنته، وإن من اتباع سنته اتباع سنتهم، وإن المحدثات خلاف ذلك ليست منها في شيء؛ لأنهم -﵃-، فيما سنوه إما متبعون لسنة نبيهم ﵇ نفسها، وإما متبعون لما فهموا من سنته - ﷺ - في الجملة والتفصيل على وجه يخفى على غيرهم مثله، لا زائد على ذلك.
ومن الأصول المضمنة في أثر عمر بن عبد العزيز أن سنة ولاة الأمر وعملهم تفسير لكتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -؛ لقوله: «الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة في دين الله»، وهو أصل مقرر في غير هذا الموضع، فقد جمع كلام عمر بن عبد العزيز، ﵀ أصولا حسنة وفوائد مهمة انتهى كلام الشاطبي -رحمه الله تعالى-.
وإذا علم هذا فليعلم أيضا أن عمر بن الخطاب -﵁-، إنما سمى ما فعله من جمع الناس على إمام واحد في قيام رمضان بدعة، لأن النبي - ﷺ - لم يستمر على فعله ولم يكن يفعل في زمان أبي بكر الصديق -﵁- فلهذا قال عمر ﵁ فيه ما قال. وقد صرح الشاطبي في كتاب "الاعتصام" أن عمر بن الخطاب -﵁- إنما سمى قيام الناس في ليالي رمضان بدعة على المجاز، وقال في موضع آخر من كتاب "الاعتصام" وأما قسم المندوب فليس من البدع بحال، وتبيين ذلك بالنظر في الأمثلة التي مثل لها بصلاة التراويح في رمضان جماعة في المسجد، فقد قام بها
[ ٥١ ]
رسول الله - ﷺ - في المسجد واجتمع الناس خلفه، ثم ذكر الشاطبي حديث أبي ذر -﵁- في قيام النبي - ﷺ - بالناس ثلاث ليال في العشر الأواخر من رمضان، وذكر أيضًا حديث عائشة -﵂- في ذلك وفيه أنهم لما اجتمعوا في الليلة الثالثة أو الرابعة، لم يخرج إليهم رسول الله - ﷺ - فلما أصبح قال: «قد رأيت صنيعكم، فلم يمنعني من الخروج إلا أني خشيت أن يفرض عليكم»، وقد ذكرت هذين الحديثين قريبًا ومعهما حديث النعمان بن بشير -﵄- بنحو حديث أبي ذر -﵁- ثم قال الشاطبي بعد ذكره لحديث عائشة -﵂- فتأملوا ففي هذا الحديث ما يدل على كونها سنة، فإن قيامه أولا بهم دليل على صحة القيام في المسجد جماعة في رمضان، وامتناعه بعد ذلك من الخروج خشية الافتراض لا يدل على امتناعه مطلقًا؛ لأن زمانه كان زمان وحي وتشريع فيمكن أن أوحى إذا عمل به الناس بالإلزام.
فلما زالت علة التشريع بموت رسول الله - ﷺ - رجع الأمر إلى أصله، وقد ثبت الجواز فلا ناسخ له، وإنما لم يقم ذلك أبو بكر ﵁، لأحد أمرين: إما لأنه رأى أن قيام الناس آخر الليل وما هم عليه كان أفضل عنده من جمعهم على إمام أول الليل ذكره الطرطوشي، وإما لضيق زمانه ﵁ عن النظر في هذه الفروع مع شغله بأهل الردة وغير ذلك مما هو أوكد من صلاة التراويح، فلما تمهد الإسلام في زمن عمر ﵁، ورأى الناس في المسجد أوزاعًا كما جاء في الخبر، قال: لو جمعت الناس على قارئ واحد لكان أمثل فلما تم له ذلك نبه على أن قيامهم آخر
[ ٥٢ ]
الليل أفضل، ثم اتفق السلف على صحة ذلك وإقراره، والأمة لا تجتمع على ضلالة، وقد نص الأصوليون أن الإجماع لا يكون إلا عن دليل شرعي.
فإن قيل فقد سماها عمر، ﵁، بدعة وحسنها بقوله: «نعمت البدعة هذه»، وإذا ثبتت بدعة مستحسنة في الشرع ثبت مطلق الاستحسان في البدع.
فالجواب: إنما سماها بدعة باعتبار ظاهر الحال من حيث تركها رسول الله - ﷺ -، واتفق إن لم تقع في زمان أبي بكر ﵁، لا أنها بدعة في المعنى فمن سماها بدعة بهذا الاعتبار فلا مشاحة في الأسامي، وعند ذلك فلا يجوز أن يستدل بها على جواز الابتداع بالمعنى المتكلم فيه؛ لأنه نوع من تحريف الكلم عن مواضعه، انتهى.
وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية، رحمه الله تعالى، في كتابه "اقتضاء الصراط المستقيم": فأما صلاة التراويح فليست بدعة في الشريعة، بل هي سنة بقول رسول الله - ﷺ - وفعله، فإنه قال: «إن الله فرض عليكم صيام رمضان، وسننت لكم قيامه»، ولا صلاتها جماعة بدعة، بل هي سنة في الشريعة، بل قد صلاها رسول الله - ﷺ - في الجماعة في أول شهر رمضان ليلتين، بل ثلاثًا، وصلاها أيضًا في العشر الأواخر في جماعة مرات، وقال: «إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة» لما قام بهم حتى خشوا أن يفوتهم الفلاح. رواه أهل السنن، وبهذا الحديث احتج أحمد وغيره على أن فعلها في الجماعة أفضل من فعلها
[ ٥٣ ]
في حال الانفرد، وفي قوله هذا ترغيب في قيم شهر رمضان خلف الإمام وذلك أوكد من أن يكون سنة مطلقة، وكان الناس يصلونها جماعة في المسجد على عهده - ﷺ - ويقرهم، وإقراره سنة منه - ﷺ -، انتهى.
وقد ذكر الحافظ ابن رجب -رحمه الله تعالى- في كتابه "جامع العلوم والحكم" قول عمر -﵁-، لما جمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد في المسجد وخرج ورآهم يصلون كذلك، فقال: «نعمت البدعة هذه»، قال وروي عنه أنه، قال: «إن كانت هذه بدعة فنعمت البدعة»، ومراده أن هذا الفعل لم يكن على هذا الوجه قبل هذا الوقت، ولكن له أصل في الشريعة يرجع إليه، فمنها أن النبي - ﷺ - كان يحث على قيام رمضان، ويرغب فيه، وكان الناس في زمنه يقومون في المسجد جماعات متفرقة ووحدانًا، وهو - ﷺ - صلى بأصحابه في رمضان غير ليلة، ثم امتنع من ذلك معللًا بأنه خشي أن يكتب عليهم فيعجزوا عن القيام، وهذا قد أُمن بعده - ﷺ -، وروي عنه - ﷺ - أنه كان يقوم بأصحابه ليالي الإفراد في العشر الأواخر، ومنها أنه - ﷺ - أمر باتباع سنة الخلفاء الراشدين، وهذا قد صار من سنة الخلفاء الراشدين، فإن الناس اجتمعوا عليه في زمن عمر، وعثمان، وعلي -﵃-، انتهى.
وأما قول الرفاعي في العدد الأخير وهو الصادر في ٢٣ من ربيع الأول سنة ١٤٠٢ هـ عدد ٤٨٧٠ من جريدة السياسة الكويتية، ونورد اليوم المزيد من الأدلة على جواز الاحتفال بالمولد النبوي الشريف وهي كثيرة أهمها ما يلي:
[ ٥٤ ]
١ - أن الاحتفال بالمولد الشريف تعبير عن الفرح والسرور بالمصطفى - ﷺ -، وقد انتفع بذلك الاحتفال الكافر فقد جاء في صحيح البخاري أنه يخفف عن أبي لهب كل اثنين بسبب عتقه لثويبة جاريته لما بشرته بولادة المصطفى - ﷺ -، وفي ذلك قال الحافظ شمس الدين الدمشقي:
إذا كان هذا كافرًا جاء ذمه بتبّت يداهُ في الجحيم مخلدًا
أتى أنه في يوم الاثنين دائمًا يخفف عنه للسرور بأحمدا
فما الظن بالعبد الذي كان عمره بأحمد مسرورًا ومات موحدًا
فجوابه من وجوه، أحدها: أن يقال هذا الكلام منقول بالنص من كلام محمد بن علوي المالكي وهو في صفحة ٢٦٧ من كتابه المسمى "بالذخائر المحمدية" وهذا الكتاب مملوء من الشركيات والشطحات والخرافات، وعسى الله أن يَهُيئ الفرصة للرد عليه وبيان ما فيه من البلايا العظيمة، ولو أن الرفاعي نسب الكلام إلى قائله لكان أولى به من الاتصاف بصفة الاختلاس، وقد ذكر ابن علوي هذا الكلام أيضًا مختصرًا ومبسوطًا في صفحة، ٦ وصفحة ٩٨، وصفحة ١٦١، وصفحة ٢٦١، وجميع أدلة الرفاعي التي سيأتي ذكرها والرد عليها كلها مأخوذة من كتاب ابن علوي، وسيأتي التنبيه على ذلك في مواضعه إن شاء الله تعالى.
الوجه الثاني: أن يقال إن الأدلة على جواز الشيء أو منعه
[ ٥٥ ]
لا تؤخذ من أفراح الناس وسرورهم، ولا من أحزانهم وغمومهم، وإنما تؤخذ من القرآن أو السنة أو الإجماع، وليس مع من ادعى جواز الاحتفال بالمولد النبوي دليل على ما ادعاه لا من الكتاب ولا من السنة ولا من الإجماع، وعلى هذا فدعواه باطلة مردودة.
الوجه الثالث: أن يقال قد دلت السنة على ذم المحدثات والتحذير منها، وقد تَقدَّم إيراد الأحاديث الدالة على ذلك في أول الكتاب فلتراجع، وبدعة المولد من المحدثات التي قد أحدثت بعد زمان رسول الله - ﷺ - بنحو من ست مائة سنة وهي داخلة فيما ذمة رسول الله - ﷺ - وحذر منه.
الوجه الرابع: أن يقال إن الفرح والسرور بالنبي - ﷺ - ينبغي أن يكون على الدوام، ولا يكون مقصورًا على ليلة واحدة من كل سنة.
وأما قوله: وقد انتفع بذلك الاحتفال الكافر، فقد جاء في صحيح البخاري أنه يخفف عن أبي لهب كل اثنين بسبب عتقه لثويبة جاريته لما بشرته بولادة المصطفى - ﷺ -.
فجوابه من وجوه أحدها: أن يقال لم يجيء في صحيح البخاري أنه يخفف عن أبي لهب العذاب كل اثنين ولا أن أبا لهب أعتق ثويبة من أجل بشرتها إياه بولادة المصطفى - ﷺ -، فكل هذا من التقول على البخاري، وقد روى البخاري في أول "كتاب النكاح" من صحيحه في باب ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ من طريق الزهري عن عروة بن الزبير أن زينب ابنة أبي سلمة أخبرته أن
[ ٥٦ ]
أم حبيبة بنت أبي سفيان -﵄- أخبرتها إنها قالت: يا رسول الله انكح أختي بنت أبي سفيان، فقال: «أو تحبين ذلك»، فقلت: نعم لست لك بمخيلة، وأحب من شاركني في خير أختي، فقال النبي - ﷺ -: «إن ذلك لا يحل لي»، قلت: فإنا نحدث أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة، قال: «بنت أم سلمة» قلت: نعم، فقال: «لو أنها لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي، إنها لابنة أخي من الرضاعة أرضعتني وأبا سلمة ثويبة، فلا تعرضن على بناتكن، ولا أخواتكن» قال عروة وثويبة مولاة لأبي لهب، وكان أبو لهب أعتقها فأرضعت النبي - ﷺ -، فلما مات أبو لهب أُريه بعض أهله بشرِّ حِيْبة (١) قال له ماذا لقيت؟ قال أبو لهب: لم ألق بعدكم غير أني سقيت في هذه بعتاقتي ثويبة، هذا لفظ الحديث عند البخاري، وليس فيه ما تقوَّله ابن علوي والرفاعي على البخاري.
الوجه الثاني: أن يقال لم يثب من طريق صحيح أنا أبا لهب فرح بولادة النبي - ﷺ -، ولا أن ثويبة بشرته بولادته، ولا أنه أعتق ثويبة من أجل البشارة بولادة النبي - ﷺ -، فكل هذا لم يثبت، ومن ادعى ثبوت شيء من ذلك فعليه إقامة الدليل على ما ادعاه، ولن يجد إلى الدليل الصحيح سبيلًا، وسيأتي في الوجه الثالث أن إعتاق أبي لهب لثويبة كان بعدما هاجر النبي - ﷺ - إلى المدينة.
الوجه الثالث: أن يقال ظاهر قول عروة بن الزبير: إن إعتاق
_________________
(١) حِيْبة بكسر الحاء وسكون الياء. قال الحميدي أي بشر حال، ذكره عنه ابن الأثير في جامع الأصول.
[ ٥٧ ]
أبي لهب لثويبة كان قبل أن ترضع النبي - ﷺ -، قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": والذي في السير يخالفه وهو أن أبا لهب أعتقها قبل الهجرة، وذلك بعد الإرضاع بدهر طويل، انتهى.
وقد روى ابن سعد في الطبقات عن محمد بن عمر الواقدي عن غير واحد من أهل العلم قالوا: وكان رسول الله - ﷺ - يصلها وهو بمكة، وكانت خديجة تكرمها وهي يومئذ مملوكة، وطلبت إلى أبي لهب أن تبتاعها منه لتعتقها، فأبى أبو لهب، فلما هاجر رسول الله - ﷺ - إلى المدينة أعتقها أبو لهب، وكان رسول الله - ﷺ - يبعث إليها بصلة وكسوة حتى جاءه خبرها أنها قد توفيت سنة سبع مرجعه من خيبر، انتهى. وهذا الذي ذكره ابن سعد يرد قول من قال إن أبا لهب أعتقها لما بشرته بولادة النبي - ﷺ -.
الوجه الرابع: أن يقال إن خبر عروة مرسل أرسله عروة ولم يذكر من حدثه به. والمرسل لا يثبت به شيء، قال الحافظ ابن حجر في "فتح لباري": وعلى تقدير أن يكون موصولا فالذي في الخبر رؤيا منام فلا حجة فيه، ولعل الذي رآها لم يكن إذ ذاك أسلم بعد، فلا يحتج به، انتهى.
الوجه الخامس: أن يقال إن الله ﵎ قد أخبر في آيات من القرآن أن أعمال الكفار حابطة، وقال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾، وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾، وفي هاتين
[ ٥٨ ]
الآيتين مع الآيات الدالة على إحباط أعمال الكفار دليل على أن أبا لهب لا ينتفع بإعتاقه ثويبة؛ لأن أعماله كلها حابطة، وقد جعلت هباء منثورًا وكالرماد الذي قد اشتدت به الريح في يوم عاصف، وفيها أيضًا أبلغ رد على ما جاء في خبر عروة.
الوجه السادس: أن يقال إن أبا لهب كان من أشد الناس عداوة للنبي - ﷺ - بعد البعثة، وكان يؤذي النبي - ﷺ - أشد الأذى، وعلى تقدير أن يكون قد فرح بولادة النبي - ﷺ -، وأنه أعتق ثويبة لما بشرته بولادته، فإن عداوته للنبي - ﷺ - بعد البعثة ومبالغته في أذيته تهدم كل ما كان أسلفه من الفرح والسرور بولادة النبي - ﷺ -، وعتق ثويبة وغير ذلك من الأعمال الحسنة إن كان له أعمال حسنة، ومن كان بهذه المثابة فلا يتعلق بالرؤيا التي ذكرت عنه ويستدل بها على جواز الاحتفال بالمولد، إلا من هو بعيد كل البعد عن السداد وإصابة الحق.
الوجه السابع: أن يقال إن نصوص القرآن دالة على أن العذاب لا يخفف عن الكفار، وقد جاء ذلك في عدة آيات منها قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ * وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾، وأبو لهب ممن تنطبق عليه هاتان الآيتان لشدة كفره بالله وشدة عداوته لرسول الله، - ﷺ - وأذيته له، وقد عمّر عمرًا طويلًا وجاءه النذير وهو
[ ٥٩ ]
محمد - ﷺ - على القول الراجح، وهو قول أكثر المفسرين، فكذب النذير وبارزه بالعداوة والأذى.
ومن الآيات أيضًا قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ * وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ * وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ * لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾، وأبو لهب ممن تنطبق عليه هذه الآيات؛ لأنه قد جاءه الحق على لسان محمد - ﷺ - فكرهه أشد الكراهة، وعادى من جاء به أشد العداوة وآذاه أشد الأذى.
ومن الآيات أيضًا قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا * ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾، وأبو لهب ممن تنطبق عليه هذه الآيات لكفره بآيات الله وتكذيبه سيد المرسلين وبمالغته في عداوته وإيذائه، وقد قال الله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾، ولم يأت في كتاب الله، ولا عن رسول الله - ﷺ - ما يدل على تخفيف العذاب عن أبي لهب طرفة عين، ومن ادعى تخفيف العذاب عنه كل يوم اثنين فعليه إقامة الدليل على ذلك من الكتاب أو من السنة، ولن يجد إلى ذلك سبيلًا البتة. وأما الرؤيا التي ذكرها عروة فهي مرسلة كما تقدم بيان ذلك، وعلى تقدير ثبوتها فليس فيها إلا أن أبا لهب أخبر عن نفسه أنه جوزي عن إعتاقه ثويبة بأن سقي في النقرة التي في الأبهام، وماذا تغني عنه هذه القطرة الصغيرة مع
[ ٦٠ ]
شدة عطشه في النار، وليس في سقيه القطرة الصغيرة تخفيف عنه من العذاب كما قد يتوهم ذلك من لا علم عندهم. والمقصود ههنا أن الرؤيا التي ذكرها عروة لم تثبت من طريق صحيح متصل فلا يعول عليها، وأما التخفيف عن أبي لهب في كل يوم اثنين فهذا لم يثبت بإسناد صحيح يعتمد عليه، بل ولم يرو بإسناد ضعيف، وإنما ذكره بعض المؤرخين بدون إسناد، ومثل هذا لا ينبغي أن يلتفت إليه فضلًا عن أن يحتج به، والله أعلم.
وأما قول الرفاعي:
٢ - أنه - ﷺ - كان يعظم يوم مولده ويشكر الله تعالى فيه على نعمته الكبرى عليه وتفضله عليه بالوجود لهذا الوجود إذ سعد به كل موجود، وكان يعبر عن ذلك التعظيم بالصيام كما جاء في الحديث عن أبي قتادة أن رسول الله - ﷺ - سئل عن صوم يوم الاثنين فقال: «فيه ولدت، وفيه أنزل علي» كما ورد في صحيح مسلم.
فجوابه من وجوه أحدها: أن يقال هذا الكلام منقول من كلام محمد بن علوي المالكي وهو في صفحة ٢٦٧ من كتابه المسمى "بالذخائر المحمدية"، وقد نقله الرفاعي نصًا، ولم يبين أنه نقله من كلام ابن علوي وهذا عمل غير مرضي عند أهل العلم لما فيه من الاتصاف بصفة الاختلاس.
الوجه الثاني: أن يقال إن النبي - ﷺ - لم يكن يخص اليوم الثاني عشر من ربيع الأول بالصيام، ولا بشيء من الأعمال دون سائر الأيام، ولو كان يعظم يوم مولده كما زعم ذلك ابن علوي
[ ٦١ ]
والرفاعي؛ لكان يتخذ ذلك اليوم عيدًا في كل سنة، أو كان يخصه بالصيام أو بشيء من الأعمال دون سائر الأيام، دليل على أنه لم يكن يفضله على غيره، وقد قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾، والتأسي بالرسول - ﷺ - هو التمسك بهديه، والبعد عما أحدثه أهل البدع ومنه بدعة المولد، لأنها لم تكن من هدي رسول الله - ﷺ -، ولا من عمل أصحابه ﵃.
الوجه الثالث: أن يقال إن النبي - ﷺ - قد رغب في صيام يوم الاثنين من كل أسبوع، كما رغب في صيام يوم الخميس ويوم عرفة ويوم عاشوراء وأيام البيض وست من شوال، وكان يصوم حتى يقول القائل لا يفطر، ويفطر حتى يقول القائل لا يصوم، وكان يكثر الصوم في شعبان، وكان يتحرى صيام يوم الاثنين والخميس، وإذا كان النبي - ﷺ - لم يخص يوم الاثنين بالصيام دون يوم الخميس فاستدلال ابن علوي والرفاعي بصوم يوم الاثنين على جواز الاحتفال ببدعة المولد في غاية البعد والتكلف.
الوجه الرابع: أن النبي - ﷺ - علل صيامه ليوم الاثنين والخميس بأنهما يومان تعرض فيهما الأعمال على الله تعالى، وأنه يحب أن يعرض عمله وهو صائم، وقد جاء ذلك في حديثين عن أبي هريرة وأسامة بن زيد -﵃- فأما حديث أبي هريرة -﵁- فقد رواه الإمام أحمد، والترمذي وحسنه أن رسول الله - ﷺ - قال: «تعرض الأعمال يوم الاثنين
[ ٦٢ ]
والخميس، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم».
وأما حديث أسامة بن زيد -﵄- فرواه الإمام أحمد، والنسائي بإسناد حسن ولفظه قلت: يا رسول الله إنك تصوم حتى لا تكاد تفطر، وتفطر حتى لا تكاد أن تصوم إلا يومين إن دخلا في صيامك وإلا صمتهما، قال: «أي يومين»، قلت: يوم الاثنين ويوم الخميس. قال: «ذانك يومان تعرض فيهما الأعمال على رب العالمين، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم»، وقد جاء في ذلك حديث ثالث رواه الإمام أحمد بإسناد جيد عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله - ﷺ - كان أكثر ما يصوم الاثنين والخميس. قال فقيل له فقال: «إن الأعمال تعرض كل اثنين وخميس أو كل يوم اثنين وخميس، فيغفر الله لكل مسلم أو لكل مؤمن إلا المتهاجرين فيقول أخرهما»، وقد رواه ابن ماجه مختصرًا وإسناده جيد، وفي تعليله - ﷺ - صيامه ليوم الاثنين والخميس بأنهما يومان تعرض فيهما الأعمال على رب العالمين، وأنه يحب أن يعرض عمله وهو صائم أبلغ رد على من استدل بصيام يوم الاثنين على جواز الاحتفال ببدعة المولد.
الوجه الخامس: أن يقال قد زعم ابن علوي والرفاعي أنه قد سعد بالنبي - ﷺ - كل موجود، وهذا الإطلاق خطأ كبير؛ لأنه يلزم عليه إثبات الإيمان لجميع الإنس والجن، ونفي الكفر عن الكافرين منهم وهم الأكثرون، وهذا خلاف ما أخبر الله به في آيات كثيرة من القرآن كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَانَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ
[ ٦٣ ]
لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على قلة السعداء وكثرة الأشقياء، ولو كان الموجودون كلهم قد سعدوا بالنبي - ﷺ - كما قد زعم ذلك الذين يهرفون بما لا يعرفون؛ لكان الناس كلهم على الإسلام والإيمان وكانوا جميعًا من أهل الجنة، وهذا خلاف قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾، وقد أخبر الله تعالى عن السعداء أنهم في الجنة فقال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾، وهذا يدل على أن السعادة بالنبي - ﷺ - خاصة بمن آمن به وبما جاء به من الهدى ودين الحق، وأنه لا حظ فيها لأحد من الكافرين والمنافقين، وفي هذا أبلغ رد على من زعم أنه قد سعد بالنبي - ﷺ - كل موجود، وأما قول الرفاعي:
٣ - أن الفرح به - ﷺ - مطلوب بأمر القرآن الكريم من قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾، فالله تعالى أمرنا أن نفرح برحمته والنبي - ﷺ - أعظم الرحمة قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾.
فجوابه من وجوه أحدها: أن يقال هذا الكلام منقول من كلام
[ ٦٤ ]
محمد بن علوي المالكي وهو في صفحة ٢٦٨ من كتابه المسمى بالذخائر المحمدية"، ومع هذا لم ينسبه الرفاعي إلى قائله، وهذا من ضعف الأمانة عنده.
الوجه الثاني: أن يقال إن الله تعالى لم يأمر عباده أن يخصوا ليلة المولد بالفرح والاحتفال، وإنما أمرهم أن يفرحوا بما أنزله على نبيه محمد - ﷺ - من الهدى ودين الحق، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، ثم قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾، فأمر ﵎ عباده أن يفرحوا بما جاءهم من ربهم من الموعظة والشفاء لما في الصدور والهدى والرحمة. قال أبو سعيد الخدري -﵁-: فضل الله القرآن، ورحمته أن جعلكم من أهله، وقال ابن عباس -﵄-، وهلال بن يساف، وقتادة: فضل الله الإسلام، ورحمته القرآن، وعن ابن عباس -﵄- أنه قال: فضل الله القرآن، ورحمته حين جعلهم من أهل القرآن، وقال زيد بن أسلم، والضحاك: فضل الله القرآن، ورحمته الإسلام، روى هذه الأقوال كلها ابن جرير، وقال القرطبي في تفسيره: قال أبو سعيد الخدري، وابن عباس -﵄-: فضل الله القرآن، ورحمته الإسلام، وعنهما أيضًا: فضل الله القرآن، ورحمه أن جعلكم من أهله، وعن الحسن، والضحاك، ومجاهد، وقتادة: فضل الله الإيمان، ورحمته القرآن، على العكس من القول الأول.
قلت: ولا منافاة بين القولين، فإن الإسلام والقرآن كلاهما من فضل الله ورحمته
[ ٦٥ ]
وفيما ذكرته عن المفسرين أبلغ رد على من حمل الآية التي تقدم ذكرها على غير محملها، وخالف ما قاله علماء السلف في تفسيرها.
الوجه الثالث: أن يقال إن الرحمة للناس لم تكن بولادة النبي - ﷺ -، وإنما كانت ببعثه وإرساله إليهم، وعلى هذا تدل النصوص من الكتاب والسنة، أما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ فنص على أن الرحمة للعالمين إنما كانت في إرساله - ﷺ -، ولم يتعرض لذكر ولادته، وأما السنة ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة -﵁- قال: قيل يا رسول الله ادع على المشركين، قال: «إني لم أبعث لعانًا، وإنما بعثت رحمة»، وروي الإمام أحمد، وأبو داود بإسناد حسن عن سلمان، -﵁- أن رسول الله - ﷺ - خطب، فقال: «أيما رجل من أمتي سببته سبة، أو لعنته لعنة في غضبي، فإنما أنا من بني آدم أغضب كما يغضبون، وإنما بعثتني رحمة للعالمين، فاجعلها عليهم صلاة يوم القيامة».
وفيما ذكرته من الآية والحديثين أبلغ رد على ما توهمه ابن علوي والرفاعي في معنى الآية التي تقدم ذكرها، وجعلاه دليلا على جواز الاحتفال بالمولد.
وأما قول الرفاعي:
٤ - أن المصطفى - ﷺ - كان يهتم بالحوادث الدينية الهامة التي مضت وانقضت، فإذا مر الوقت الذي وقعت به وصادف ذكراها جعلها فرصة لتذكرها وتعظيم يومها بطاعة من الطاعات، سواء كان ذلك بصيام أو إطعام أو اجتماع على ذكر أو صلاة
[ ٦٦ ]
عليه - ﷺ - أو سماع شمائله الشريفة وقراءة سيرته العطرة، وقد أصّل النبي - ﷺ - هذه القاعدة وقعّدها بنفسه فقد صح في الحديث أنه لما وصل إلى المدينة ورأى اليهود يصومون يوم عاشوراء شكرًا لله؛ لأنه نجا فيه نبيهم سيدنا موسى ﵇، وأغرق عدوه صامه ودعا أصحابه لصومه قائلًا: ونحن أولى بموسى منهم (مقدمة المورد الروي في المولد النبوي، لعلي القاري).
فجوابه من وجوه أحدها: أن يقال هذا الكلام منقول من كلام محمد بن علوي المالكي وهو في صفحة ٢٦٨ من كتابه المسمى "بالذخائر المحمدية"، وقد غير فيه الرفاعي بالزيادة والنقصان في بعض الكلمات، ومنها جملة ذكرها ابن علوي في الثاني من أدلته وجعلها الرفاعي في الرابع من أدلته وهي قوله: سواء كان ذلك بصيام، أو إطعام طعام، أو اجتماع على ذكر، أو صلاة عليه - ﷺ -، أو سماع شمائله الشريفة.
الوجه الثاني: أن يقال إن النبي - ﷺ - لم يكن يحتفل بمولده ويتخذه عيدًا، ولا كان الصحابة -﵃- يفعلون ذلك، ولا التابعون، ولا أئمة العلم والهدي من بعدهم، ولو كان ذلك خيرًا لسبقوا إليه، وقد قال النبي - ﷺ - «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» فالاحتفال بالمولد مردود على من ابتدعه، ومن عمل به، ومن دعا إليه، ومن زعم أنه بدعة حسنة.
الوجه الثالث: أن يقال ما ذكره ابن علوي والرفاعي عن النبي - ﷺ - من الاهتمام وملاحظة ارتباط الزمان
[ ٦٧ ]
بالحوادث الدينية الهامة التي قد مضت وانقضت فهو شيء جاء به ابن علوي والرفاعي من عندهما ولا صحة له ولا دليل عليه، ولم يرد عن النبي - ﷺ - أنه جعل شيئًا من أوقات الحوادث التي قد مضت وانقضت فرصة لتذكرها وتعظيم أمرها، ولم يرد عنه أنه كان يصوم أو يطعما لطعام لتذكر الحوادث التي قد مضت وانقضت، ولا أنه كان يعمل الاجتماع على الذكر لتذكر الحوادث التي قد مضت وانقضت وتعظيم يومها، ولا أنه كان يعمل الاجتماع للصلاة عليه وسماع شمائله وقراءة سيرته، فكل هذا لم يرد عنه - ﷺ - أنه فعله، وما زعمه ابن علوي والرفاعي ونسباه إلى النبي - ﷺ - في كلامهما الذي تقدم ذكره فهو من توهمهما وتقولهما عن النبي - ﷺ -.
ومن أعظم الأمور التي وقعت في زمن النبي - ﷺ - مجيء الملك إليه بالنبوة وهو في غار حراء وتعليمه أول سورة ﴿اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، ومن أعظم الأمور أيضًا الإسراء به إلى بيت المقدس، والعروج به إلى السماوات السبع وما فوقها، وتكليم الرب ﵎ له، وفرضه الصلوات الخمس عليه وعلى أمته، ومن أعظم الأمور أيضًا هجرته - ﷺ - إلى المدينة، ومن أعظم الأمور أيضًا وقعة بدر، ومن أعظم الأمور أيضًا فتح مكة ولم يرد عنه، - ﷺ - أنه كان يعمل الاجتماع لتذكر شيء من هذه الأمور العظيمة وتعظيم أيامها، ولو كانت قاعدة ابن علوي والرفاعي التي توهماها وابتكراها صحيحة؛ لكان النبي - ﷺ - يهتم بأوقات هذه الأمور العظيمة، ويعقد الاجتماعات لتذكرها، وتعظيم أيامها وفي تركه - ﷺ - ذلك أبلغ
[ ٦٨ ]
رد على مزاعم ابن علوي والرفاعي وتقولهما على النبي - ﷺ -، وقد زعم الرفاعي في العاشر من أدلته الوهمية إن أكثر أعمال الحج هي إحياء لذكريات مشهودة، وسيأتي الجواب عن هذا الخطأ الكبير في موضعه، إن شاء الله تعالى.
وأما قول ابن علوي والرفاعي وقد أصّل النبي - ﷺ - هذه القاعدة وقعّدها بنفسه إلى آخر كلامهما الذي تقدم ذكره.
فجوابه أن يقال ليس في صيامه، - ﷺ - يوم عاشوراء تأصيل لشيء من القواعد البتة، وإنما الأمر بصيامه قبل أن يفرض رمضان، فلما فرض رمضان قال رسول الله - ﷺ -: «من شاء صام ومن شاء ترك» متفق عليه من حديث عائشة وابن عمر رضي الله -عنهم-، وزاد بعد حديث ابن عمر ﵄، وكان عبد الله لا يصومه إلا أن يوافق صومه، وفي الصحيحين أيضًا عن علقمة بن قيس النخعي أن الأشعث بن قيس دخل على عبد الله بن مسعود -﵁- وهو يأكل يوم عاشوراء فقال: يا أبا عبد الرحمن إن اليوم يوم عاشوراء، فقال: «قد كان يصام قبل أن ينزل رمضان، فلما نزل رمضان ترك»، وفي صحيح مسلم عن جابر بن سمرة -﵄- قال: كان رسول الله - ﷺ - يأمرنا بصيام يوم عاشوراء ويحثنا عليه وتعاهدنا عنده، فلما فرض رمضان لم يأمرنا ولم ينهنا ولم يتعاهدنا عنده، وفي هذه الأحاديث الصحيحة أبلغ رد على ما زعمه ابن علوي والرفاعي من التأصيل والتقعيد بصيام يوم عاشوراء.
وأما قول الرفاعي:
٥ - إن المولد الشريف مناسبة وفرصة مناسبة للإكثار من
[ ٦٩ ]
الصلاة والسلام على المصطفى الحبيب - ﷺ - المطلوبين بنص قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
فجوابه من وجهين أحدهما: أن يقال هذا الكلام مأخوذ من كلام محمد بن علوي المالكي إلا أن الرفاعي قد غير في العبارة بعض التغيير وهو في صفحة ٢٦٩ من كتاب ابن علوي المسمى "بالذخائر المحمدية".
الوجه الثاني: أن يقال إن النبي - ﷺ - إنما أمر بإكثار الصلاة عليه في يوم لجمعة ولم يأمر بذلك في ليلة مولده فيعمل بما أمر به رسول الله - ﷺ -، ويرد ما لم يأمر به والحديث في الأمر بإكثار الصلاة على النبي - ﷺ - في يوم الجمعة قد رواه الإمام أحمد، وأبو داود والنسائي، وابن ماجه، وابن خزيمة، وابن حبان في صحيحهما، والحاكم في مستدركه من حديث أوس بن أوس الثقفي -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا علي من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة عليّ»، فقالوا يا رسول الله وكيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت يعني وقد بليت؟ قال: «إن الله ﷿ حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» قال الحاكم: صحيح على شرط البخاري، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
ويستحب الإكثار من الصلاة على النبي - ﷺ - في كل وقت لما رواه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي عن
[ ٧٠ ]
أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من صلى علي واحدة صلى الله عليه بها عشرًا» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، قال وفي الباب عن عبد الرحمن بن عوف، وعامر بن ربيعة، وعمار، وأبي طلحة، وأنس، وأبي بن كعب انتهى.
وروى الإمام أحمد، ومسلم، والترمذي، والنسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄- أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليّ، فإنه من صلى عليّ صلاة، صلى الله عليه بها عشرًا» الحديث قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وتتأكد الصلاة على النبي - ﷺ - في التشهد الأخير من الصلاة، وعند الشافعية، وجمهور الحنابلة أنها واجبة في التشهد الأخير، وبعض الحنابلة يرى أنها ركن في التشهد الأخير لا تصح الصلاة بدونه.
وتتأكد أيضًا في خطبتي الجمعة والعيدين، وعند الشافعية، والحنابلة أنها شرط في الخطبة، وتجب الصلاة على النبي - ﷺ - في صلاة الجنازة، وتسن بعد الأذان والدعاء، وعند دخول المسجد والخروج منه، وتستحب عند ذكره - ﷺ - فكلما مر ذكره فإنه يستحب لمن ذكره ولمن سمع ذلك أن يصلي عليه، صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين.
وأما قول الرفاعي:
٦ - إن المولد الشريف يشمل ذكر مولده الشريف وشمائله
[ ٧١ ]
ومعجزاته وسيرته ومعرفة خصاله الكريمة، ونحن مأمورون بمعرفة ذلك للاقتداء به والتأسي بأعماله والإيمان بمعجزاته، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾.
فجوابه من وجوه أحدها: أن يقال هذا الكلام مأخوذ من كلام محمد بن علوي المالكي وهو في صفحة ٢٦٩ من كتابه المسمى "بالذخائر المحمدية"، وقد غير فيه الرفاعي بعض التغيير وزاد فيه ذكر الآية.
الوجه الثاني: أن يقال إن النبي - ﷺ - لم يأمر أمته بالاحتفال بمولده، ولم يأمرهم بذكر مولده وشمائله ومعجزاته وسيرته وخصاله الكريمة في ليلة المولد بخصوصها، بل هذا من البدع التي أحدثت بعد النبي - ﷺ - بنحو من ست مائة سنة، وقد تقدم في أول الكتاب (١) ذكر الأحاديث الثابتة عن النبي - ﷺ - في ذم المحدثات وبيان أنها شر وضلالة، وقدم أيضًا قوله - ﷺ - في الحديث الصحيح: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد»، وهذا الحديث والأحاديث المشار إليها قبله تدل على ذم الاحتفال بالمولد، وأنه من الأعمال المردودة.
الوجه الثالث: أن يقال إن معرفة مولد النبي - ﷺ - وشمائله ومعجزاته وسيرته وخصاله الكريمة متيسرة لمن أراد الاطلاع على هذه الأمور، ومعرفتها في أي وقت من الأوقات ولا يتقيد ذلك بوقت معين وعلى هيئة اجتماعية مبتدعة، كما يفعله المفتونون
_________________
(١) ص (١٠، ١١).
[ ٧٢ ]
ببدعة المولد، حيث جعلوا قراءة المولد والشمائل والمعجزات في ليلة المولد خاصة دون سائر الليالي والأيام وعلى هيئة اجتماعية مبتدعة، وهذه التقاليد الذميمة ينطبق عليها قول الله تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾، والمراد بالأمة ههنا الدين والطريقة التي تؤم أي تقصد والذين يحتفلون بالمولد إنما هم سائرون على طريقة سلطان إربل وما أحدثه من الاحتفال بالمولد واتخاذه عيدًا يعتادون إقامته في كل عام، وهذا الاحتفال من الأمور التي لم يأذن بها الله، ولم يأمر بها رسول الله - ﷺ - فيدخل في عموم قول الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾.
الوجه الرابع: أن يقال إن الاقتداء بالرسول - ﷺ - والتأسي به لا يتم إلا بتحقيق المتابعة للرسول - ﷺ - والتمسك بسنته وتقديم هديه على هدي غيره، وقد قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية، رحمه الله تعالى في بعض فتاويه العبادات مبناها على الشرع والاتباع، لا على الهوى والابتداع فإن الإسلام مبني على أصلين أحدهما: أن نعبد الله وحده لا شريك له؛ والثاني: أن نعبده بما شرعه على لسان رسوله - ﷺ - لا نعبده بالأهواء والبدع، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾، وقال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ فليس لأحد أن يعبد الله إلا بما شرعه رسوله - ﷺ - من واجب ومستحب، ولا يعبده بالأمور المبتدعة، انتهى.
[ ٧٣ ]
وقال شيخ الإسلام أيضًا في موضع آخر وبالجملة فمعنا أصلان عظيمان أحدهما: أن لا نعبد إلا الله؛ والثاني: أن لا نعبده إلا بما شرع لا نعبده بعبادة مبتدعة، وهذان الأصلان هما تحقيق شهادة أن لا إله الله وأن محمدًا رسول الله كما قال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾، قال الفضيل بن عياض: أخلصه وأصوبه، قالوا يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه.
قال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصًا لم يقبل حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة، وذلك تحقيق قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾، وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من أحدث في مرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، وفي لفظ في الصحيح «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد»، ولهذا قال الفقهاء العبادات مبناها على التوقيف، والله سبحانه أمرنا باتباع الرسول وطاعته وموالاته ومحبته، وأن يكون الله ورسوله أحب إلينا مما سواهما، وضمن لنا بطاعته، ومحبته محبة الله وكرامته، فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾، وأمثال ذلك في القرآن كثير، ولا ينبغي لأحد أن يخرج في هذا عما مضت به السنة، وجاءت به الشريعة، ودل عليه الكتاب والسنة، وكان عليه سلف الأمة وما علمه قال به، وما لم يعلمه أمسك عنه، ولا يقفو ما ليس له به علم، ولا يقول على الله ما لا يعلم، فإن الله قد حرم ذلك كله، انتهى.
[ ٧٤ ]
وقال شيخ الإسلام أيضًا في موضع آخر، وأصل الإسلام أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فمن طلب بعبادته الرياء والسمعة فلم يحقق شهادة أن لا إله إلا الله، ومن خرج عما أمره به الرسول من الشريعة وتعبد بالبدعة فلم يحقق شهادة أن محمدًا رسول الله، وإنما يحقق هذين الأصلين من لم يعبد إلا الله، ولم يخرج عن شريعة رسول الله - ﷺ - التي بلغها عن الله فإنه قال: «تركتم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك»، وقال: «ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة إلا قد حدثتكم به، ولا من شيء يبعدكم عن النار إلا وقد حدثتكم به»، وقال ابن مسعود -﵁-: «خط لنا رسول الله - ﷺ - خطًا وخط خطوطًا عن يمينه وشماله، ثم قال: هذا سبيل الله، وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم قرأ ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾، فالعبادات والزهادات، والمقالات، والتورعات الخارجة عن سبيل الله وهو الصراط المستقيم الذي أمرنا الله أن نسأله هدايته، وهو ما دلت عليه السنة هي سبل الشيطان انتهى كلامه، فليتأمل من أوله إلى آخره ففيه رد على المفتونين ببدعة المولد، وليتأمل قوله أنه لا ينبغي لأحد أن يخرج عما مضت به السنة وجاءت به الشريعة ودل عليه الكتاب والسنة، وكان عليه سلف الأمة ففي هذه الجملة أبلغ رد على المفتونين ببدعة المولد».
الوجه الخامس: أن يقال إن الاحتفال بالمولد ليس من هدي النبي - ﷺ -، ولا من عمل أصحابه، ولا التابعين، ولا أئمة العلم والهدي من بعدهم، وإنما هو من هدي سلطان إربل، فمن احتفل بالمولد فقد تأسى بسلطان إربل واتبع هديه شاء أم أبى.
[ ٧٥ ]
الوجه السادس: أن يقال من أراد الاقتداء بالنبي - ﷺ -، والتأسي بأعماله وهو صادق النية، فلا بد له من لزوم الأمر الذي كان عليه رسول الله - ﷺ - وأصحابه؛ لأن النبي - ﷺ - قد أخبر عن الفرقة الناجية من الثلاث والسبعين فرقة بأنهم من كان على مثل ما كان عليه رسول الله - ﷺ - وأصحابه، ولا بد له أيضًا من إنكار البدع كلها ومخالفة أهلها ومنها بدعة المولد؛ لأنها من المحدثات التي أحدثت بعد زمان النبي - ﷺ - بنحو من ست مائة سنة فهي داخلة فيما حذر منه رسول الله - ﷺ - وأخبر أنه شر وضلالة، فأما من يفعل بدعة المولد ويذب عنها وعن أهلها أو يفعل غير ذلك من البدع، ثم يدعي أنه يريد بذلك الاقتداء برسول الله - ﷺ - والتأسي بأعماله فإنه غير صادق في دعواه؛ لأن عمله يكذب دعواه.
وأما قول الرفاعي:
٧ - الاحتفال فرصة لأداء بعض حقه الكبير علينا؛ لأن الله تعالى هدانا به، وأنقذنا من النار، وأخرجنا من الظلمات إلى النور جزاه الله عنا ما هو أهله، وقد كان الشعراء يتقربون إليه - ﷺ - في حياته المنيفة بالقريض والقصائد مثل كعب بن زهير، وحسان بن ثابت فكان يرضى عملهم ويكافئهم على ذلك بالصلات والطيبات، فإذا كان يرضى عمن مدحه فكيف لا يرضى عمن جمع شمائله الشريفة مثل: «مولد البرزنجي» وغيره أو تلاه أو جمع الناس للاستماع إليه، ففي ذلك كل التقرب والتحبب إليه باستجلاب محبته ورضاه - ﷺ -.
[ ٧٦ ]
فجوابه من وجوه أحدها: أن يقال هذا الكلام مأخوذ من كلام محمد بن علوي المالكي وهو في صفحة ٢٦٩ من كتابه المسمى «بالذخائر المحمدية»، وقد غير فيه الرفاعي بعض التغيير وزاد فيه ونقص.
الوجه الثاني: أن يقال إن الاحتفال بالمولد واتخاذه عيدًا ليس فيه أداء لشيء من حقوق النبي - ﷺ -، وإنما هو في الحقيقة إساءة إلى النبي - ﷺ - من جهتين.
إحداهما: أن الذين يحتفلون بالمولد قد شرعوا عيدًا لم يأذن به الله ولم يأمر به رسول الله - ﷺ -، وقد زعموا مع ذلك أن هذه البدعة بدعة حسنة، وزعم الرفاعي أنها سنة مباركة وبدعة حسنة محمودة، وقد تقدم في أول الكتاب (١) ما ذكره الشاطبي عن الإمام مالك -رحمه الله تعالى- أنه قال: من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا - ﷺ - خان الرسالة؛ لأن لله يقول ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فما لم يكن يومئذ دينًا فلا يكون اليوم دينًا. انتهى.
الجهة الثانية: معصيتهم للرسول - ﷺ - حيث نبذوا تحذيره من محدثات الأمور وراء ظهورهم، ولم يبالوا بقوله - ﷺ - في الأحاديث الثابتة عنه: «وشر الأمور محدثاتها»، وقوله أيضًا: «وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار»، وقوله أيضًا: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد».
_________________
(١) ص (١٥).
[ ٧٧ ]
الوجه الثالث: أن يقال إن أداء حق النبي - ﷺ - لا يتم إلا بطاعته، واتباع هديه، والتمسك بسنته، ونشر دعوته، والبعد عن كل ما خالف أمره، وليس لأداء حقه وقت مخصوص، بل هو واجب في جميع الأوقات، ومن زعم أنه يؤدي بعض حق النبي، - ﷺ - في ليلة المولد بخصوصها فلا شك أنه قد بخسه حقه.
الوجه الرابع: أن يقال من آكد حقوق النبي - ﷺ - كثرة الصلاة والسلام عليه، وقد أمر النبي - ﷺ - بإكثار الصلاة عليه في يوم الجمعة كما تقدم ذلك في حديث أوس بن أوس الثقفي -﵁- (١) ولم يأمر بذلك في ليلة مولده. فبدل الذين ظلموا قولًا غير الذي قيل لهم، وتشبهوا بالذين اتخذوا مولد المسيح عيدًا، وزعموا أن فعلهم هذا بدعة حسنة محمودة وسنة مباركة، وهذا مصداق ما جاء في عدة أحاديث صحيحة عن النبي - ﷺ - أنه قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم»، ولو كان في إكثار الصلاة على النبي - ﷺ - في ليلة مولده زيادة فضل لبين ذلك النبي - ﷺ -، فإنه لا خير إلا وقد دل أمته عليه ورغبهم فيه، ولا شر إلا وقد نهاهم عنه وحذرهم منه.
وأما قول الرفاعي: وقد كان الشعراء يتقربون إليه - ﷺ - بالقريض والقصائد مثل كعب بن زهير، وحسان بن ثابت فكان يرضى عملهم ويكافئهم على ذلك بالصلات والطيبات.
_________________
(١) ص (٧٠).
[ ٧٨ ]
فجوابه أن يقال: لم يذكر عن أحد من شعراء الصحابة -﵃- أنه كان يتقرب إلى النبي - ﷺ - بإنشاد القصائد في ليلة مولده، وإنما كان إنشادهم في الغالب عند وقوع الفتوح، والظفر بالأعداء. وكان إنشاد كعب بن زهير -﵁- لقصيدته المشهورة حين قدم على النبي - ﷺ - وبايعه على الإسلام، وعلى هذا فليس في إنشاد كعب بن زهير وحسان بن ثابت وغيرهما من شعراء الصحابة -﵃- بين يدي النبي - ﷺ - ما يتعلق به الرفاعي في تأييد بدعة المولد.
وأما قول الرفاعي: فإذا كان يرضى عمن مدحه فكيف لا يرضى عمن جمع شمائله أو تلاه أو جمع الناس للاستماع إليه؟، ففي ذلك كل التقرب والتحبب إليه باستجلاب محبته ورضاه - ﷺ -.
فجوابه أن يقال إن الاحتفال بالمولد ليس من هدي النبي - ﷺ - ولا من عمل أصحابه - ﵃ - وإنما هو بدعة محدثة في الإسلام، وقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: «وشر الأمور محدثاتها»، وثبت عنه أيضًا أنه قال: «كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار»، وثبت عنه أيضًا أنه قال: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد»، وما كان بهذه المثابة فإن النبي - ﷺ - لا يحبه، ولا يرضاه، ولا يحب أهله، ولا يرضى عنهم، ولا عن محدثاتهم، ولا شك أن الإصرار على فعل البدع يجلب البغض، والمقت، والسخط، والبعد من الله تعالى ومن رسوله - ﷺ -، وقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من رغب عن سنتي فليس مني» رواه الإمام أحمد،
[ ٧٩ ]
والبخاري، ومسلم، والنسائي من حديث أنس بن مالك -﵁- وروى الإمام أحمد أيضًا عن عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄- عن النبي - ﷺ - مثله وإسناده صحيح على شرط الشيخين، قال الشاطبي في كتاب «الاعتصام» على قوله - ﷺ - «من رغب عن سنتي فليس مني»: هذه العبارة أشد شيء في الإنكار، انتهى.
وسنة رسول الله - ﷺ - في ليلة مولده لا تختلف عن سنته في سائر الليالي فإنه لم يرو عنه أنه كان يخصها بشيء من الأعمال، ولا أنه كان يجمع الناس فيها لتلاوة مدائحه وشمائله والاستماع إلى ذلك، والخير كل الخير في لزوم هديه - ﷺ - والتمسك بسنته وترك ما أحدثه الناس من بعده.
وأما قول الرفاعي:
٨ - يؤخذ من قوله - ﷺ - في فضل يوم الجمعة وعد مزاياه (وفيه ولد آدم) تشريف الزمان الذي ثبت أنه يوم ميلاد نبي، فكيف باليوم الذي ولد فيه أفضل النبيين وأشرف المرسلين وأكرم الخلق أجمعين على رب العالمين؟، كما يؤخذ تكريم وتعظيم المكان المرتبط بنبي من قوله تعالى مخاطبًا هذه الأمة ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، وكذلك من طلب جبريل ﵇ ليلة الإسراء والمعراج من النبي - ﷺ - بصلاة ركعتين ببيت لحم، ثم قال أتدري أين صليت قال لا. قال صليت ببيت لحم، حيث ولد عيسى ﵇.
فجوابه من وجوه أحدها: أن يقال هذا الكلام مأخوذ من كلام
[ ٨٠ ]
محمد بن علوي المالكي وهو في صفحة ٢٧٠ من كتابه المسمى "بالذخائر المحمدية"، وقد غير فيه الرفاعي بعض التغيير وزاد فيه ذكر الآية من سورة البقرة.
الوجه الثاني: أن يقال إن ابن علوي والرفاعي قد حرفا ما نقلاه من حديث أوس بن أوس الثقفي ﵁، فقد جاء في الحديث أن رسول الله - ﷺ - قال: «من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قُبض» الحديث، وقد تقدم إيراده قريبًا (١) فقال ابن علوي والرفاعي ما نصه (وفيه ولد آدم)، ثم زعما أنه يؤخذ من هذا تشريف الزمان الذي ثبت أنه يوم ميلاد نبي.
وإنا نسأل ابن علوي والرفاعي من هو أبو آدم، ومن هي أمه التي قد ولدته، وندعو بما دعا به نبي الله موسى ﵊، فقد أخبر الله عنه أنه قال: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾، وأي جهل أقبح من القول بأن آدم مولود.
وإذا كان ابن علوي والرفاعي قد خفي عليهما أن الله تعالى قد خلق آدم بيديه من طين، ثم سواه ونفخ فيه من روحه وأمر الملائكة بالسجود له، فينبغي لكل منهما أن يعرف قدر نفسه، ولا يتكلف الكتابة فيما لا علم له به.
وأرجو أن لا يكون ابن علوي والرفاعي من أتباع داروين الذين يقولون بالنشوء والارتقاء، ويزعمون أن الإنسان متولد من القرود، وهذه المقالة الخبيثة من أقبح مقالات أهل الكفر والعناد الذين ينكرون
_________________
(١) ص (٧٠).
[ ٨١ ]
وجود الخالق جل وعلا، ويرون أن المخلوقات إنما تكونت من قبل الطبيعة، لا بفعل الرب الفاعل المختار الذي أوجد جميع المخلوقات بعد عدمها وصورها على غير مثال سابق، فقتل الله من قال بهذه المقالة الخبيثة ومن تلقاها بالقبول.
الوجه الثالث: أن يقال إن إبدال ابن علوي والرفاعي؛ لقول النبي - ﷺ - «فيه خلق آدم» بقولهما (وفيه ولد آدم) يعد من الكذب على رسول الله - ﷺ -، وقد تواتر عنه - ﷺ - أنه قال: «من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار».
الوجه الرابع: أن يقال إن النبي - ﷺ - لم يكن يخص يوم الجمعة بشيء من نوافل الأعمال، وقد نهى عن تخصيصه بالصيام، وعن تخصيص ليلة الجمعة بالقيام ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة -﵁- عن النبي - ﷺ - قال: «لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم»، وروى الإمام أحمد عن أبي الدرداء -﵁- عن النبي - ﷺ - نحوه وإسناده صحيح على شرط الشيخين، وإذا كان النبي - ﷺ - لم يخص يوم الجمعة بشيء من نوافل الأعمال من أجل أن آدم قد خلق فيه فأي متعلق لابن علوي والرفاعي في ذكر ذلك والاستدلال به على جواز الاحتفال بالمولد؟.
الوجه الخامس: أن يقال إن العبادات مبناها على الشرع والاتباع لا على الرأي والابتداع، وإذا كان النبي - صلى الله عليه
[ ٨٢ ]
وسلم -
لم يخص يوم مولده بشيء من الأعمال دون سائر الأيام فليس لأحد من الناس أن يبتدع فيه أعمالا لم يأذن بها الله ولم يفعلها رسول الله - ﷺ -.
وقد ذكرت في أول الكتاب (١) حديث عائشة -﵂- أن رسول الله - ﷺ - قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، وفي رواية «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد»، وهذا الحديث الصحيح هو الحجة القاطعة على رد ما أحدثه سلطان إربل وغيره في ليلة المولد.
وأما قول الرفاعي: كما يؤخذ تكريم وتعظيم المكان المرتبط بنبي من قوله تعالى مخاطبًا هذه الأمة ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.
فجوابه أن أقول: قد ذكرت مرارًا أن العبادات مبناها على التوقيف والاتباع، لا على الرأي والابتداع، فما عظمه الله ورسوله من زمان أو مكان فإنه يستحق التعظيم وما لا فلا، والله ﵎ قد أمر عباده أن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلى، ولم يأمرهم أن يتخذوا يوم مولد النبي - ﷺ - عيدًا ويبتدعوا فيه بدعًا لم يؤمروا بها، وأما قياس المكان لمرتبط ببعض الأنبياء على الصلاة خلف مقام إبراهيم فهو من أفسد القيام، وهو من جنس قياس الذين قالوا إنما البيع مثل الربا، وتعظيم الأمكنة المرتبطة ببعض الأنبياء من أعظم الوسائل إلى الشرك، وقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه نهى عن اتخاذ قبره عيدًا، وأنه نهى عن اتخاذ القبور مساجد، وثبت عنه أنه لعن اليهود والنصارى الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وإنما
_________________
(١) ص (١١).
[ ٨٣ ]
تركت إيراد الأحاديث في ذلك إيثارًا للاختصار. وقد تقدم (١) ما رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح إلى نافع أنه قال: بلغ عمر بن الخطاب -﵁- أن ناسًا يأتون الشجرة التي بويع تحتها، قال: فأمر بها فقطعت، وتقدم أيضًا (٢) ما رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن المعرور بن سويد، قال: خرجنا مع عمر ﵁ في حجة حجها، فلما قضى حجه ورجع رأى الناس يبتدرون، فقال ما هذا؟ فقالوا مسجد صلى فيه رسول الله - ﷺ - فقال: «هكذا هلك أهل الكتاب، اتخذوا آثار أنبيائهم بيعًا، من عرضت له منكم فيه الصلاة فليصل، ومن لم تعرض له منكم فيه الصلاة فلا يصل»، فهذا قول الخليفة الراشد في الإنكار على الذين يعظمون الشجرة التي بويع تحتها النبي - ﷺ -، والذين يعظمون المكان الذي قد صلى فيه رسول الله - ﷺ -، ولو كان تعظيم الأمكنة المرتبطة ببعض الأنبياء جائزًا لما قطع عمر -﵁- الشجرة التي بويع النبي - ﷺ - تحتها، ولما نهى الناس عن تحري الصلاة في المسجد الذي قد صلى فيه رسول الله - ﷺ -.
وفي فعل عمر -﵁- وقوله أبلغ رد على ما رآه الرفاعي من القياس الفاسد، وقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إن الله تعالى جعل الحق على لسان عمر وقلبه» رواه الإمام أحمد، والترمذي، وابن حبان في صحيحه من حديث ابن عمر -﵄- وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح
_________________
(١) ص٤٥.
(٢) ص٤٦.
[ ٨٤ ]
غريب، قال: وفي الباب عن الفضل بن العباس وأبي ذر وأبي هريرة، انتهى.
ولفظه عند ابن حبان: «إن الله جعل الحق على لسان عمر يقول به»، وروى الإمام أحمد أيضًا، وابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ - «إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه»، وروي الإمام أحمد أيضًا، وأبو داود، وابن ماجه، والحاكم في مستدركه، عن أبي ذر ﵁، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن الله وضع الحق على لسان عمر يقول به»، قال: الحاكم صحيح على شرط الشيخين، وقال الذهبي في تلخيصه صحيح على شرط مسلم. وروي الإمام أحمد أيضًا، والترمذي، وابن ماجه والبخاري في التاريخ، والحاكم في مستدركه عن حذيفة بن اليمان -﵄- عن النبي - ﷺ - أنه قال: «اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر»، قال الترمذي: هذا حديث حسن، وصححه الحاكم، والذهبي.
وقد قال ابن وضاح في كتاب "البدع والنهي عنها": كان مالك بن أنس وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد، وتلك الآثار للنبي - ﷺ - ما عدا قباء وأحدًا، قال ابن وضاح: وسمعتهم يذكرون أن سفيان الثوري دخل مسجد بيت المقدس فصلى فيه ولم يبع تلك الآثار ولا الصلاة فيها، وكذلك فعل غيره أيضًا ممن يقتدى به، وقدم وكيع أيضًا مسجد بيت المقدس فلم يعد فعل سفيان، قال ابن وضاح: فعليكم بالاتباع لأئمة الهدى المعروفين، فقد قال: بعض من مضى كم من أمر هو اليوم معروف عند كثير من الناس
[ ٨٥ ]
كان منكرا عند من مضى، ومتحبب إليه بما يبغضه عليه، ومتقرب إليه بما يبعده منه، وكل بدعة عليها زينة وبهجة، انتهى.
وأما قول الرفاعي تقليدًا لابن علوي: وكذلك من طلب جبريل -﵇- ليلة الإسراء والمعراج من النبي، - ﷺ - بصلاة ركعتين ببيت لحم، ثم قال: أتدري أين صليت قال: لا، قال: صليت ببيت لحم، حيث ولد عيسى ﵇.
فجوابه أن يقال: قد جاء ذكر الصلاة في بيت لحم في حديثين عن أنس بن مالك، وشداد بن أوس -﵃-، وقد تكلم الحافظ ابن كثير في كل من الحديثين، فأما حديث أنس بن مالك ﵁، فقال فيه غرابة، ونكارة جدًا قلت: قد رواه النسائي في سننه عن عمرو بن هشام عن مخلد، وهو ابن يزيد القرشي عن سعيد بن عبد العزيز عن يزيد بن أبي مالك عن أنس بن مالك -﵁- وقد قال الحافظ ابن حجر في كل من يزيد ومخلد: إنه صدوق له أوهام، وقال الذهبي في "الميزان": يزيد بن أبي مالك صاحب تدليس وإرسال عمن لم يدرك، وقال يعقوب الفسوي: يزيد بن أبي مالك فيه لين، وقال الذهبي أيضًا في ترجمة مخلد بن يزيد القرشي: صدوق مشهور روى حديثًا في الصلاة مرسلا فوصله، قال أبو داود: مخلد شيخ، إنما رواه الناس مرسلا، وقال الحافظ ابن حجر في ترجمة مخلد بن يزيد القرشي من "تهذيب التهذيب": قال الأثرم عن أحمد لا بأس به، وكان يهم، وقال الساجي: كان يهم، ثم ذكر ابن حجر من أوهامه حديثًا وصله وهو مرسل. قلت: وهذا مما يدعو إلى التوقف في قبول الحديث؛ لأنه يحتمل أن يكون قد وقع فيه وهم من أحد الرجلين، ولهذا قال الحافظ ابن كثير: إن فيه غرابة ونكارة جدًا.
[ ٨٦ ]
وأما حديث شداد بن أوس -﵄- فرواه البيهقي في دلائل النبوة من طريق أبي إسماعيل الترمذي حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن العلاء بن الضحاك الزبيدي، قال: حدثنا عمرو بن الحارث، وساق بقية الإسناد ومتن الحديث، وقال بعد إيراده: هذا إسناد صحيح، قلت: وفي تصحيحه نظر؛ لأن في إسناده إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الزبيدي المعروف بابن زبريق، قال الذهبي في "الميزان": قال النسائي: ليس بثقة، وقال أبو داود: ليس بشيء وكذّبه محدث حمص محمد بن عوف الطائي. وقال الحافظ ابن حجر في "تهذيب التهذيب": روى الآجري عن أبي داود أن محمد بن عوف قال: ما أشك أن إسحاق بن زبريق يكذب، انتهى.
وقد أثنى عليه ابن معين، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وثناء ابن معين عليه، وما قاله أبو حاتم فيه لا يقاوم ما قيل فيه من الجرح الشديد، وهذا مما يدعو إلى رد الحديث وعدم قبوله، وقد أورده الحافظ ابن كثر في تفسير سورة الإسراء، ثم قال: ولا شك أن هذا الحديث أعني الحديث المروي عن شداد بن أوس مشتمل على أشياء منها ما هو صحيح كما ذكره البيهقي، ومنها ما هو منكر كالصلاة في بيت لحم وسؤال الصديق عن نعت بيت المقدس وغير ذلك والله أعلم انتهى كلام ابن كثير -رحمه الله تعالى- والمقصود هنا بيان أنه لم يثبت عن النبي - ﷺ - أنه صلى في بيت لحم؛ لأن الحديثين اللذين ذكر ذلك فيهما قد تكلم في كل منهما، والله أعلم.
وقد روى الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي بإسناد صحيح عن حذيفة بن اليمان -﵄- أن رسول الله - ﷺ - قال: «أتيت بالبراق وهو دابة أبيض فوق الحمار ودون البغل،
[ ٨٧ ]
فلم نزايل ظهره أنا وجبريل حتى انتهينا إلى بيت المقدس» الحديث، وقد رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح وصححه أيضا ابن حبان، والحاكم، والذهبي.
وفي قوله: - ﷺ - «فلم نزايل ظهره أنا وجبريل حتى انتهينا إلى بيت المقدس» أبلغ رد على ما جاء في حديثي أنس، وشداد بن أوس -﵄- أن النبي - ﷺ - صلى بيثرب، وطور سيناء، وبيت لحم حين مر بهذه المواضع في ليلة الإسراء وهو ذاهب إلى بيت المقدس، ولو ثبت أن النبي - ﷺ - صلى ليلة الإسراء في بيت لحم لم يكن في ذلك ما يؤيد بدعة المولد ولا غيرها من البدع؛ لأن النبي - ﷺ - لم يأمر أمته بتعظيم بيت لحم، ولم يأمرهم بالصلاة فيه، ولم يكن أحد من الصحابة -﵃- يعظم بيت لحم ويصلي فيه والخير كل الخير في اتباع ما كان عليه رسول الله - ﷺ - وأصحابه ﵃، والشر كل الشر في مخالفتهم، والأخذ بالبدع وتعظيمها وتعظيم أهلها، وإطراح الأحاديث الصحيحة في ذم المحدثات والتحذير منها.
وأما قول الرفاعي:
٩ - إن الاحتفال بالمولد كما أسلفنا استحسنه العلماء والمسلمون من السلف والخلف في جميع البلاد والأصقاع وجري به العمل، فهو مطلوب شرعًا للقاعدة المأخوذة من حديث ابن مسعود (ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحًا فهو عند الله قبيح) أخرجه الإمام أحمد.
فجوابه من وجوه أحدها: أن يقال هذا الكلام مأخوذ من كلام
[ ٨٨ ]
محمد بن علوي المالكي وهو في صفحة ٢٧٠، وصفحة ٢٧١ من كتابه المسمى "بالذخائر المحمدية"، وقد غير فيه الرفاعي بعض التغيير.
الوجه الثاني: أن يقال إن الاحتفال بالمولد بدعة في الإسلام أحدثها سلطان إربل في آخر القرن السادس من الهجرة، أو في أول القرن السابع، والمحدثات كلها شر وضلالة بنص رسول الله - ﷺ -، وسواء في ذلك بدعة المولد وغيرها من البدع؛ لأن ألفاظ الأحاديث الثابتة عن النبي - ﷺ - في ذم البدع والتحذير منها ووصفها بصفة الشر والضلالة كلها على العموم وليس فيها استثناء لشيء من البدع.
وقد جاء ذم المحدثات والنص على أنها شر وضلالة في ثلاثة أحاديث صحيحة عن العرباض بن سارية، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن مسعود -﵃- وقد ذكرتها في أول الكتاب فلتراجع، وذكرت في أول الكتاب أيضًا حديث عائشة -﵂- أن رسول الله - ﷺ - قال: «من أحدث في مرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، وفي رواية «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد»، وهذا الحديث الصحيح يعم كل بدعة وهو الحكم القاطع في بدعة المولد وغيرها من البدع فكلها مردودة بنص حديث عائشة -﵂- ومن توقف في هذا فهو إما جاهل أو مكابر معاند.
الوجه الثالث: أن يقال: ما زعمه ابن علوي والرفاعي من استحسان العلماء والمسلمين من السلف والخلف في جميع البلاد
[ ٨٩ ]
والأصقاع لبدعة المولد فهو من مجازفاتهما التي كتباها من غير تثبت، ولا يخفى ما في هذه المجازفة من التقول على الصحابة وجميع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها منذ زمن الصحابة ﵃ إلى آخر القرن السادس من الهجرة؛ لأن هؤلاء لم يكونوا يعرفون بدعة المولد، ولا كانت تفعل في زمانهم، فكيف يستحسنونها وهم لا يعرفونها؟.
وأما من كان بعد القرن السادس من الهجرة إلى زماننا في أول القرن الخامس عشر من الهجرة، فالمتمسكون منهم بالكتاب والسنة كلهم ينكرون بدعة المولد أشد الإنكار وينهون عن فعلها عملًا بتحذير النبي - ﷺ - من البدع، ووصفه إياها بأنها شر وضلالة من غير استثناء شيء منها، وعملًا أيضًا بقول النبي - ﷺ - «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، وأما المتساهلون الذين استحسنوا بدعة المولد وقالوا بجوازها فلا شك أنهم قد خالفوا النصوص الدالة على ذم البدع والتحذير منها والأمر بردها، وهؤلاء على خطر عظيم؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، ويقول تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾، ويقول تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾، ويقول تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، ويقول تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك، ثم جعل يتلو هذه الآية.
﴿فَلَا وَرَبِّكَ
[ ٩٠ ]
لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
الوجه الرابع: أن يُقال إنه يلزم على استحسان بدعة المولد والعمل بها أن يكون الدين ناقصا، وأن يكون العمل بهذه البدعة من مكملات الدين. وهذا اللازم لا محيد عنه، وقد قال الشاطبي -رحمه الله تعالى- في أول كتاب "الاعتصام": إن الشريعة جاءت كاملة لا تحتمل الزيادة ولا النقصان؛ لأن الله تعالى قال فيها ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، وفي حديث العرباض بن سارية وعظنا رسول الله - ﷺ - موعظة ذرفت منها الأعين، ووجلت منها القلوب فقلنا: يا رسول الله إن هذه موعظة مودع فما تعهد إلينا قال: «تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي» الحديث.
وثبت أن النبي - ﷺ - لم يمت حتى أتى ببيان جميع ما يحتاج إليه في أمر الدين والدنيا، وهذا لا مخالف عليه من أهل السنة، فإذا كان كذلك فالمبتدع إنما محصول قوله بلسان حاله أو مقاله أن الشريعة لم تتم وأنه بقي منها أشياء يجب، أو يستحب استدراكها؛ لأنه لو كان معتقدًا لكمالها وتمامها من كل وجه لم يبتدع ولا استدرك عليها، وقائل هذا ضال عن الصراط المستقيم، قال ابن الماجشون: سمعت مالكًا يقول من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا - ﷺ - خان الرسالة؛ لأن الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فما لم يكن يومئذ دينًا فلا يكون اليوم دينًا، ثم قال الشاطبي: إن المبتدع معاند للشرع ومشاق له؛ لأن الشارع قد عين لمطالب العبد طرقًا خاصة على وجوه خاصة، وقصر الخلق عليها بالأمر
[ ٩١ ]
والنهي والوعد والوعيد، وأخبر أن الخير فيها وأن الشر في تعديها إلى غير ذلك؛ لأن الله يعلم ونحن لا نعلم، وأنه إنما أرسل الرسول - ﷺ - رحمة للعالمين، فالمبتدع راد لهذا كله فإنه يزعم أن ثم طرقًا أخر ليس ما حصره الشارع بمحصور ولا ما عينه بمتعين، كأن الشارع يعلم ونحن أيضًا نعلم، بل ربما يفهم من استدراكه الطرق على الشارع أنه علم ما لم يعلمه الشارع، وهذا إن كان مقصودًا للمبتدع فهو كفر بالشريعة والشارع، وإن كان غير مقصود فهو ضلل مبين، وإلى هذا المعنى أشار عمر بن عبد العزيز -﵀- إذ كتب له عدي بن أرطاة يستشيره في بعض القدرية فكتب إليه «أما بعد فإني أوصيك بتقوى الله والاقتصاد في أمره واتباع سنة نبيه - ﷺ -، وترك ما أحدث المحدثون فيما قد جرت سنته وكفوا مؤنته، فعليك بلزوم السنة فإن السنة إنما سنها من قد عرف ما في خلافها من الخطأ والزلل والحمق والتعمق، فارض لنفسك بما رضي به القوم لأنفسهم فإنهم على علم وقفوا، وببصر نافذ قد كفوا، وهم كانوا على كف
الأمور أقوى، وبفضل كانوا فيه أحرى، فلئن قلتم أمر حدث بعدهم ما أحدثه بعدهم إلا من اتبع غير سنتهم، ورغب بنفسه عنهم إنهم لهم السابقون، فقد تكلموا منه بما يكفي، ووصفوا منه ما يشفي، فما دونهم مقصر وما فوقهم محسر، لقد قصر عنهم آخرون فضلوا وإنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم»، انتهى.
فليتأمل كلام عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى وما قبله من كلام الشاطبي وما نقله عن الإمام مالك -رحمه الله تعالى- ففي ذلك أبلغ رد على من استحسن بدعة المولد وعلى من عمل بها.
الوجه الخامس: أن يقال ظاهر كلام ابن علوي والرفاعي أن
[ ٩٢ ]
الاحتفال بالمولد قد جري به العمل في زمن السلف، وهذا لا أساس له من الصحة، وقد ذكرت في الوجه الثالث أن الصحابة الذين هم خيرة السلف وصفوتهم لم يكونوا يعرفون الاحتفال بالمولد، ولم يكن معروفا في زمن التابعين وتابعيهم ومن كان بعد ذلك إلى آخر القرن السادس من الهجرة، وبهذا يتضح لكل عاقل ما في كلام ابن علوي والرفاعي من التهور والتلبيس على ضعفاء البصيرة.
وأما قول ابن علوي والرفاعي فهو مطلوب شرعًا للقاعدة المأخوذة من حديث ابن مسعود (ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحًا فهو عند الله قبيح).
فجوابه من وجوه أحدها: أن يقال إن المطلوب شرعًا هو ما شرعه الله في كتابه وعلى لسان رسوله محمد - ﷺ -، وكذلك ما سنه الخلفاء الراشدون وهم: أبو بكر، وعمر وعثمان، وعلي ﵃؛ لأن رسول الله - ﷺ - قد حث على الأخذ بسنته وسنتهم والتمسك بها والعض عليها بالنواجذ، وما سوى ذلك من المحدثات في الدين، فهي من الشرع الذي لم يأذن به الله، وما كان من هذا القبيل فهو مردود؛ لقول النبي - ﷺ - «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» أي مردود، وهذا الحديث عام لجميع المحدثات في الدين فيدخل فيه الاحتفال بالمولد، واتخاذه عيدًا، وكذلك غيره من الأعياد المبتدعة والأمور المحدثة في الدين.
الوجه الثاني: أن يقال لا يخفى ما في كلام ابن علوي والرفاعي من التهور والجراءة على الله تعالى حيث زعم كل منهما أن الاحتفال
[ ٩٣ ]
بالمولد مطلوب شرعًا فزادا في شرع الله ما ليس منه، أما يخشى ابن علوي والرفاعي أن يكونا ممن عناهم الله بقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أما يخشى كل منهما أن يكون داخلا في عموم قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
الوجه الثالث: أن يقال إن رسول الله - ﷺ - كان أشد الناس قيامًا بالأمور المشروعة وأشد الناس محافظة عليها، وكذلك كان أصحابه من بعده، ومع هذا فلم يكن رسول الله - ﷺ - وأصحابه ﵃ يحتفلون بالمولد ولا يخصون ليلته بشيء من الأعمال دون غيرها من الليالي، وعلى هذا فهل يقول ابن علوي والرفاعي إن الذين يحتفلون بالمولد كانوا أشد قيامًا بالأمور المشروعة من النبي - ﷺ - وأصحابه وأشد منهم محافظة عليها، أم ماذا يجيبان به عن التهور والجراءة على الله تعالى وعلى رسوله - ﷺ -، وعلى الشريعة المطهرة.
الوجه الرابع: أن يقال إنه يلزم على قول ابن علوي والرفاعي لوازم شنيعة جدًا.
أحدها: أن النبي - ﷺ - قد قصر في البيان والتبليغ حيث لم يخبر أمته أن الاحتفال بمولده مطلوب شرعًا.
الثاني: أن النبي - ﷺ - قد ترك العمل بأمر مطلوب شرعًا.
[ ٩٤ ]
الثالث: تكذيب قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾.
الرابع: أن الدين كان ناقصًا منذ زمن رسول الله - ﷺ - إلى أن أُقيم الاحتفال بالمولد في آخر القرن السادس من الهجرة، أو في أول القرن السابع.
الخامس: الطعن في الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى آخر القرن السادس من الهجرة بأنهم قد تركوا العمل بمر مطلوب شرعًا.
السادس: تكذيب ما أخبر به رسول الله - ﷺ - عن القرون الثلاثة المفضلة حيث قال: «خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» وما لزمت عليه هذا اللوازم السيئة فهو قول سوء لا يصدر من رجل له عقل ودين.
الوجه الخامس: أن يقال إن الاحتفال بالمولد من شرع سلطان إربل الملك المظفر أبي سعيد كوكبوري التركماني فهو أول من ابتدع هذه البدعة وشرعها للجهال وقد أمر الله ﵎ باتباع الشرع الذي أنزله في كتابه وعلى لسان رسوله محمد - ﷺ - ونهى عن اتباع ما سوى ذلك فقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾.
الوجه السادس: أن يقال قول ابن مسعود ﵁: «ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن وما رآه المسلمون سيئًا فهو عند الله سيئ» إنما أراد به أصحاب رسول الله - ﷺ - ولم يرد به كل من هب ودب من المسلمين والمنتسبين إلى الإسلام وكلامه صريح في ذلك وهذا لفظه عند الإمام أحمد، رحمه
[ ٩٥ ]
الله تعالى، قال: «إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد، - ﷺ - خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه فابتعثه برسالته ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه يقتلون على دينه فما رأي المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن وما رأوا سيئًا فهو عند الله سيئ».
وروى ابن عبد البر في كتاب «جامع بيان العلم وفضله» بإسناده عن قتادة قال. قال ابن مسعود ﵁: «من كان منكم متأسيًا فليتأس بأصحاب محمد - ﷺ - فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبًا وأعمقها علمًا وأقلها تكلفًا وأقومها هديًا وأحسنها حالا قومًا اختارهم الله لصحبة نبيه - ﷺ - وإقامة دينه فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم» إسناده منقطع لأن قتادة لم يدرك ابن مسعود ﵁، ولكن هذا الأثر مشهور عن ابن مسعود، ﵁ وقد ذكره ابن الأثير في جامع الأصول ونسب في بعض النسخ منه إلى رواية رزين. وقد روى أبو نعيم في الحلية نحوه عن عبد الله بن عمر، ﵄، وهذا الأثر والأثر قبله قد تطابقا على شيء واحد وهو الحث على اتباع الصحابة ﵃ والتأسي بهم وأن ما رآه الصحابة ﵃ حسنًا فهو حسن وما رأوه سيئًا فهو سيئ فما من بعد الصحابة ﵃ فقد تفرقت بالأكثرين منهم الأهواء والملل وظهر مصداق قول النبي - ﷺ - «وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة» وفي رواية ملة كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة وفي رواية أنهم قالوا وما هي تلك الفرقة قال: «ما أنا عليه اليوم وأصحابي».
[ ٩٦ ]
وإذا علم هذا فليعلم أيضًا أن كل فرقة من فرق أهل الأهواء والبدع تستحسن بدعتها وتدعو إليها وترى أنها هي التي على الحق ومن سواها فهم على الباطل، فإذا كان ابن علوي والرفاعي ومن كان يرى رأيهما قد زعموا أن الاحتفال بالمولد حسن ومطلوب شرعًا فإن الخوارج والروافض والقدرية والمرجئة والمعتزلة والجهمية وغيرهم من أهل الأهواء والبدع لا يتوقفون عن استحسان بدعهم وعن الدعوى أنها مطلوبة شرعًا وسواء قالوا ذلك بلسان الحال أو بالمقال، وليس أحد من أهل البدع ومنها بدعة المولد، إلا وهو مبطل فيما يدعيه من تحسين بدعته ومشروعيتها.
الوجه السابع: أن يقال إن ابن علوي والرفاعي قد حرفا في آخر كلام ابن مسعود، ﵁ حيث قالا: «وما رآه المسلمون قبيحًا فهو عند الله قبيح» وقد ذكر ابن علوي والرفاعي أن الإمام أحمد أخرجه والذي في مسند الإمام أحمد رحمه الله تعالى هو ما ذكرته في الوجه السادس ولفظه «وما رأوا سيئًا فهو عند الله سيء».
الوجه الثامن: أن يقال إن استدلال ابن علوي والرفاعي على تحسين بدعة المولد ومشروعيتها بقول ابن مسعود ﵁ ليس بمطابق وإنما هو في الحقيقة من تحريف الكلم عن مواضعه، ومن تأمل كلام ابن مسعود ﵁، عرف أنه إنما أراد به الصحابة ﵃، ولم يرد به من بعدهم، وذلك لأن الصحابة ﵃ قد أجمعوا على بيعة أبي بكر الصديق ﵁ ورأوا ذلك حسنًا وأجمعوا على بيعة عمر بن الخطاب ﵁ بعد أبي بكر ﵁، ورأوا ذلك حسنًا وأجمعوا على تسمية عمر ﵁، ومن بعده من الخلفاء بأمير
[ ٩٧ ]
المؤمنين وروا ذلك حسنًا وأجمعوا على العمل بالتاريخ والابتداء به من الهجرة ورأوا ذلك حسنًا، وأجمعوا على الاجتماع على إمام واحد في قيام رمضان ورأوا ذلك حسنًا، وأجمعوا على وضع ديوان العطاء في زمان عمر، ﵁، ورأوا ذلك حسنًا وأجمعوا على بيعة عثمان بن عفان ﵁ ورأوا ذلك حسنًا وأجمعوا على كتابة المصاحف على العرضة الأخيرة ورأوا ذلك حسنًا، إلى غير ذلك مما رآه الصحابة ﵃ حسنًا وكل ما رأوه حسنًا فلا يشك المسلم العاقل في حسنه.
وأما ما رآه الصحابة ﵃ سيئًا، فمنه التحلق والاجتماع على عد التسبيح والتحميد والتكبير، وقد أنكر ذلك ابن مسعود وأبو موسى ﵄ على الذين فعلوا ذلك وقال لهم ابن مسعود ﵁: «ويحكم يا أمة محمد ما أسرع هلكتكم» وقال لهم أيضًا: «والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد - ﷺ - أو مفتتحوا باب ضلالة» وفي رواية أنه قال لهم «لقد جئتم ببدعة ظلماء أو لقد فضلتم أصحاب محمد - ﷺ - علمًا عليكم بالطريق فالزموه ولئن أخذتم يمينًا وشمالا لتضلن ضلالا بعيدًا» وقد ذكرت هذه القصة في أول الكتاب من عدة طرق فلتراجع ولم يذكر عن أحد من الصحابة ﵁ أنه خالف ما جاء عن ابن مسعود وأبي موسى، ﵄ من الإنكار على الذين يجتمعون للتسبيح والتحميد والتكبير ويعدونه بالحصى فكان كالإجماع على أنه عمل سيئ.
ومن ذلك بدعة الخوارج فقد أنكر الصحابة ﵃،
[ ٩٨ ]
مذهبهم ورأوه سيئًا، ومن ذلك غلو الرافضة في علي ﵁ فقد أنكر ذلك علي، ﵁، وغيره من الصحابة، ﵃ ورأوا ذلك سيئًا ومن ذلك قول القدرية فقد أنكر ذلك ابن عمر وابن عباس وغيرهما من الصحابة، ﵃ ورأوا ذلك سيئًا وأما غير ذلك من البدع والملل فإنما حدثت بعد زمان الصحابة ﵃ وقد أنكر علماء التابعين ما حدث في زمانهم منها وأنكر اتباع التابعين ومن بعدهم من علماء أهل السنة والجماعة ما حدث بعد ذلك من البدع وصنفوا المصنفات الكثيرة في الرد على أهل البدع والتحذير من بدعهم.
ومن ذلك بدعة المولد فقد أنكرها غير واحد من أكابر العلماء وعدوها من البدع، وسيأتي إيراد أقوالهم في ذلك في آخر الرد على ما يتعلق ببدعة المولد إن شاء الله تعالى
وقد تقدم في أول الكتاب قول النووي رحمه الله تعالى أن البدعة في الشرع هي إحداث ما لم يكن في عهد رسول الله - ﷺ - قلت: ويستثنى من ذلك سنة الخلفاء الراشدين وهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ فإنها سنة بنص رسول الله - ﷺ - وليست ببدعة وقد تقدم التنبيه على ذلك وقال الشاطبي رحمه الله تعالى في كتابه «الاعتصام» في تعريف البدعة «إنها عبارة عن طريق في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه» ثم ذكر أن منها التزام الكيفيات والهيئات المعينة كالذكر بهيئة الاجتماع على صوت واحد واتخاذ يوم ولادة النبي - صلى
[ ٩٩ ]
الله عليه وسلم - عيدًا وما أشبه ذلك ومنها التزام العبادات المعينة في وقات معينة لم يوجد لها ذلك التعيين في الشريعة كالتزام صيام يوم النصف من شعبان وقيام ليلته إلى أن قال إن صاحب البدعة إنما يخترعها ليضاهي بها السنة حتى يكون ملبسًا بها على الغير أو تكون هي مما تلتبس عليه بالسنة إذ الإنسان لا يقصد الاستتباع بأمر لا يشابه المشروع لأنه إذ ذاك لا يستجلب في ذلك الابتداع نفعًا ولا يدفع به ضررًا ولا يجيبه غيره إليه، ولذلك تجد المبتدع ينتصر لبدعته بأمور تخيل التشريع ولو بدعوى الاقتداء بفلان المعروف منصبه في هل الخير فأنت ترى العرب الجاهلية في تغيير ملة إبراهيم ﵇ كيف تأولوا فيما أحدثوه احتجاجًا منهم كقولهم في أصل الإشراك (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) وكترك لحمس الوقوف بعرفة لقولهم لا نخرج من الحرم اعتدادًا بحرمته وطواف من طاف منهم بالبيت عريانًا قائلين: لا نطوف بثياب عصينا الله فيها، وما أشبه ذلك مما وجهوه ليصيروه بالتوجيه كالمشروع، فما ظنك بمن عد أو عد نفسه من خواص أهل الملة فهم أحرى بذلك وهم المخطئون وظنهم الإصابة انتهى.
المقصود من كلام الشاطبي فليتأمل كلامه رحمه الله تعالى ففيه أبلغ رد على ما تخيله ابن علوي والرفاعي في بدعة المولد، حيث زعم كل منهما أن الاحتفال بهذه البدعة مطلوب شرعًا وأن ذلك مأخوذ من قول ابن مسعود ﵁: «وما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن» وقد قال الشاعر وأحسن فيما قال:
يقضي على المرء في أيام محنته حتى يرى حسنًا ما ليس بالحسن
[ ١٠٠ ]
وأما قول الرفاعي:
١٠ - أن المولد اجتماع لإحياء ذكرى المصطفى، - ﷺ - وذلك أمر مشروع عندنا في الإسلام فإن ذلك قياس على أعمال الحج التي هي إحياء لذكريات مشهودة ومواقف محمودة فالسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار والذبح بمنى كلها حوادث ماضية سابقة للأنبياء الكرام يحيي المسلمون كل عام ذكراها بتجديد صورتها وتجسيدها في الواقع.
فجوابه من وجوه أحدها: أن يقال هذا الكلام منقول من كلام محمد بن علوي المالكي وهو في - ﷺ - ٢٧٣ من كتابه المسمى "بالذخائر المحمدية" وقد غير فيه الكاتب بعض الكلمات وزاد فيه ونقص منه شيئًا يسيرًا.
الوجه الثاني: أن يقال ما زعمه ابن علوي والرفاعي من أن الاجتماع في المولد لإحياء ذكرى المصطفى، - ﷺ - أمر مشروع في الإسلام فهو من التقول على الله وعلى رسوله - ﷺ - فإن الله تعالى لم يشرع الاجتماع لإحياء ذكرى المصطفى لا في يوم المولد ولا في غيره من الأيام ولم يشرع ذلك رسول الله - ﷺ - لا بقوله ولا بفعله، وإن ابن علوي والرفاعي ومن كان على منوالهما لعلى خطر عظيم من تهجمهم على الشريعة وإلصاقهم بدعة المولد بها وزعمهم أن ذلك مشروع في الإسلام.
الوجه الثالث: أن يقال إن الله تعالى قد رفع ذكر نبيه، - ﷺ - بما شرعه لعباده من الشهادة له بالرسالة في الصلاة.
[ ١٠١ ]
والأذان والإقامة والخطب في الجمعة والعيدين والاستسقاء وما شرعه أيضًا من الصلاة والسلام عليه في الصلاة والخطبة وبعد الأذان والدعاء وعند دخول المسجد والخروج منه وعند ذكره صلوات الله وسلامه عليه وكذلك قد رفع الله ذكر نبيه - ﷺ - في القرآن العظيم وعظم شأنه فيه غاية التعظيم اقرأ قول الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا *﴾ وقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ وقوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ وقوله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي يعظم
فيها الرب ﵎ نبيه محمدًا - ﷺ - ولو تتبعتها لطال الكلام جدا وفيما ذكرته كفاية إن شاء الله تعالى ولا شك أن قراءة القرآن تشتمل على أعظم الإحياء لذكر النبي - ﷺ - وأعظم الشعور بتعظيم شأنه عند ربه وكذلك قراءة الأحاديث الثابتة عن النبي - ﷺ - فيها أعظم الإحياء لذكر النبي
[ ١٠٢ ]
- ﷺ -
وأعظم الشعور بعظم شأنه عند الله تعالى وعند المسلمين.
وبالجملة فالمسلمون لم يزالوا محيين لذكر نبيهم - ﷺ - في كثير من أوقاتهم ولم يميتوا ذكره فيحتاجوا إلى إحيائه كما يفعل ذلك الجاهلون الذين لا يعرفون نبيهم إلا في ليلة المولد وعلى هيئة مبتدعة، ومن لم يتسع له في إحياء ذكر المصطفى - ﷺ - ما اتسع للصحابة ﵃، ومن سار على منهاجهم من المتمسكين بالكتاب والسنة فهو على خطر عظيم لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ فليحذر المؤمن الناصح لنفسه من الوقوع فيما جاء في هذه الآية الكريمة.
الوجه الرابع: أن يقال من أكبر الخطأ وأقبح الجهل قياس بدعة المولد على أعمال الحج، وهذا القياس من أفسد القياس لما فيه من التسوية بين الأعمال التي شرعها الله تعالى لعباده وبين البدعة التي شرعها الشيطان لأهل لجهل والضلال بواسطة سلطان إربل.
الوجه الخامس: أن يقال من أكبر الخطأ أيضًا زعم ابن علوي والرفاعي أن أعمال الحج هي إحياء لذكريات مشهودة إلى آخر كلامهما الذي تقدم ذكره، وهذا الخطأ مردود بقول النبي - ﷺ - «إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الحجار لإقامة ذكر الله» رواه أبو داود والترمذي من حديث عائشة ﵁، وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح.
[ ١٠٣ ]
وأما قول الرفاعي:
١١ - إن الله ﵎ وجل شأنه قال: ﴿وَكُلًا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ وهذا يشير أن الحكمة في قص أنباء الرسل وأخبارهم، ﵈ على النبي - ﷺ - كان لتثبيت فؤاده الشريف بذلك، ولا شك أننا اليوم محتاجون إلى تثبيت أفئدتنا بأنبائه وأخباره وسيرته العطرة وجهاده - ﷺ - أكثر وأشد من احتياجه هو - ﷺ - إلى ذلك والاحتفال السنوي بالمولد يحقق هذه الغاية العظيمة النبيلة.
فجوابه من وجهين أحدهما: أن يقال هذا الكلام منقول منن كلام محمد بن علوي المالكي وهو في صفحة ٢٧١ من كتابه المسمى "بالذخائر المحمدية" وقد غير فيه الرفاعي وزاد الجملة التي في آخره وهي قوله: والاحتفال السنوي بالمولد يحقق هذه الغاية العظيمة النبيلة.
الوجه الثاني: أن يقال إن البدع كلها شر وضلال بنص رسول الله - ﷺ - وكلها مردودة بنص رسول الله - ﷺ - ولا فرق في ذلك بين بدعة المولد وغيرها من البدع، وما كان من الشر والضلالة والأمور المردودة فإنه لا خير فيه، ولا يرجى من ورائه تحقيق شيء من الغايات النبيلة، بل الفاعلون له متعرضون للوعيد الشديد على ارتكابهم لما حذر منه رسول الله - ﷺ - ووصفه بالصفات الذميمة ونص على رده قال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ومن أراد الاطلاع على أخبار رسول الله - صلى الله عليه
[ ١٠٤ ]
وسلم -
وسيرته وجهاده فإنه يمكنه ذلك في غير ليلة المولد وحيث لا تكون بدعة.
وأما قول الرفاعي:
١٢ - ليس كل ما لم يفعله السلف ولم يكن في الصدر الأول فهو بدعة منكر سيئة يحرم فعلها ويلزم الإنكار عليها بل يجب أن يعرض ما أحدث على أدلة الشرع فما اشتمل على مصلحة فهو واجب أو على محرم فهو محرم أو على مكروه فهو مكروه أو على مباح فهو مباح أو على مندوب فهو مندوب، إذ للوسائل حكم المقاصد فقد قسم العلماء البدعة إلى خمسة أقسام، واجبة كالرد على أهل البدع وتعلم النحو، ومندوبة كإحداث الربط والمدارس والأذان على المنابر وصنع إحسان لم يع هد في الصدر الأول، مكروه كزخرفة المساجد وتزويق المصاحف مباحة كالتوسع في المأكل والمشرب، ومحرمة وهي ما أحدث لمخالفة السنة ولم تشمله أدلة الشرع العامة ولم يحتو على مصلحة شرعية (خلاصة آراء الإمام الشافعي وسلطان العلماء العز بن عبد السلام والإمام النووي وابن الأثير) وعمل المولد وإن حدث بعد عهد النبي - ﷺ - وعهد صحابته رضوان الله عليهم ليس فيه مخالفة لكتاب الله ولا لسنة رسول الله - ﷺ - ولا لإجماع المسلمين فلا يقال بأنه مذموم فضلا عن كونه منكرًا وبدعة سيئة وكون السلف الصالح الأول لم يفعلوه ليس بدليل للمعترض وإنما هو عدم دليل، ويستقيم الدليل على كونه ممنوعًا أو منكرا لو نهى الله تعالى عنه في كتابه العزيز أو نهى عنه رسول الله - ﷺ - في سنته الصحيحة ولم ينه عنه فيهما.
[ ١٠٥ ]
فجوابه من وجوه أحدها: أن يقال إن بعض هذا الكلام منقول من كلام محمد بن علوي المالكي وهو من أول الكلام إلى قوله ولم يحتو على مصلحة شرعية، وقد ذكره ابن علوي في كتابه المسمى "بالذخائر المحمدية" وهو في - ﷺ - ٢٧١، ٢٧٢.
الوجه الثاني: ن أقول قد ذكرت فيما تقدم قول شيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية، رحمه الله تعالى إن العبادات مبناها على الشرع والاتباع لا على الهوى والابتداع فإن الإسلام مبني على أصلين.
أحدهما: أن نعبد الله وحده لا شريك له.
والثاني: أن نعبده بما شرعه على لسان رسوله - ﷺ - لا نعبده بالهواء والبدع قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ وقال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ فليس لأحد أن يعبد الله إلا بما شرعه على لسان رسوله - ﷺ - من واجب ومستحب، ولا يعبده بالأمور المبتدعة، انتهى. وقال أيضًا ولا ينبغي لأحد أن يخرج عما مضت به السنة وجاءت به الشريعة ودل عليه الكتاب والسنة وكان عليه سلف الأمة انتهى.
وقد تقدم إيراده بأبسط من هذا فليراجع فإنه مهم جدًا.
وإذا علم أن العبادات مبناها على الشرع والاتباع لا على الهوى والابتداع وأن من أصول الإسلام أن نعبد الله
[ ١٠٦ ]
بما شرعه على لسان رسوله، - ﷺ - ولا نعبده بالأهواء والبدع وأنه لا ينبغي لأحد أن يخرج عما مضت به السنة وجاءت به الشريعة ودل عليه الكتاب والسنة وكان عليه سلف الأمة، فليعلم أيضًا أن النبي - ﷺ - لم يشرع لأمته سوى سبعة أعياد في سبعة أيام وهي يوم الجمعة ويوم الفطر ويوم الأضحى ويوم عرفة وأيام التشريق فمن زاد على هذه الأعياد عيدًا غيرها فقد ابتدع في الدين وخالف الأمر الذي كان عليه رسول الله - ﷺ - وأصحابه ﵃ وقد ذكرت الأعياد المشروعة فيما تقدم وذكرت بعدها جملة من الأعياد المبتدعة ومنها: عيد المولد النبوي فليراجع ما تقدم (١) وليراجع أيضًا (٢) حديث عائشة -﵂- أن رسول الله - ﷺ - قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، وفي رواية: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد»، وهذا الحديث الصحيح أصل في رد المحدثات التي لم يأمر بها رسول الله - ﷺ -، ولم تكن من هديه، ولا من سنة خلفائه الراشدين، وعيد المولد من الأمور المردودة بنص حديث عائشة -﵂؛ لأن النبي - ﷺ - لم يأمر به، ولم يكن من هديه، ولا من سنة خلفائه الراشدين، ومن توقف في هذا فلا يخلو من أحد أمرين، إما الجهل بعموم حديث عائشة -﵂- لجميع البدع المحدثة في الإسلام، وإما المكابرة في رد الحق والجدال بالباطل لإدحاضه، وما أكثر المتصفين بهذه الصفة الذميمة من المنتسبين إلى العلم.
_________________
(١) ص (٣٩ - ٤٣).
(٢) ص (١١).
[ ١٠٧ ]
الوجه الثالث: أن يقال إذا عرضنا عيد المولد النبوي على أدلة الشرع وجدناه زائدًا على الأعياد التي شرعها الله على لسان رسوله - ﷺ -، ووجدناه داخلا في عموم قول الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾، وفي عموم قول النبي - ﷺ - «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»، وحينئذ فإنه يكون من الأعمال التي يجب إنكارها وردها.
الوجه الرابع: قد ذكرت في أول الكتاب إن الاحتفال بالمولد واتخاذه عيدًا مبني على التشبه بالنصارى في احتفالهم بمولد المسيح واتخاذه عيدًا، وقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من تشبه بقوم فهو منهم»، وقد ذكرت كلام العلماء على هذا الحديث في أول الكتاب، ومنه قول شيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية إن هذا الحديث أقل أحواله أنه يقتضي تحريم التشبه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم، وقوله أيضًا موجب هذا تحريم التشبه بهم مطلقًا، فليراجع ما تقدم (١) ففيه أبلغ رد على الذين لا يبالون بالتشبه بأعداء الله.
وأما ما ذكره ابن علوي والرفاعي من تقسيم البدعة إلى خمسة أقسام فهو تقسيم لا دليل عليه ولا حاصل تحته. والجواب عنه من وجوه أحدها: أن يقال إن هذا التقسيم مناقض للنص على أن شر الأمور محدثاتها وأن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، وهذا النص عام فيدخل فيه جميع البدع ولا يخرج عنه شيء منها، وما ناقض النص
_________________
(١) ص (٢٦، ٢٧).
[ ١٠٨ ]
الثابت عن رسول الله - ﷺ - فإنه مردود على قائله كائنًا من كان.
الوجه الثاني: أن الشاطبي رحمه الله تعالى نقل في كتاب "الاعتصام" عن القرافي أنه قال: «اعلم أن الأصحاب فيما رأيت متفقون على إنكار البدع نص على ذلك ابن أبي زيد وغيره، والحق التفصيل وأنها خمسة أقسم» ثم ذكر الشاطبي كلام القرافي على الأقسام الخمسة وأتبعه بكلام شيخه عز الدين ابن عبد السلام عليها ثم قال انتهى محصول ما قال وهو يصرح مع ما قبله بأن البدع تنقسم بأقسام الشريعة فلا يصح أن تحمل أدلة ذم البدع على العموم، بل لها مخصصات.
والجواب أن هذا التقسيم أمر مخترع لا يدل عليه دليل شرعي، بل هو في نفسه متدافع لأن من حقيقة البدعة أن لا يدل ع ليها دليل شرعي لا من نصوص الشرع ولا من قواعده إذ لو كان هنالك ما يدل من الشرع على وجوب أو ندب أو إباحة لما كان ثم بدعة ولكان العمل داخلا في عموم الأعمال المأمور بها أو المخير فيها، فالجمع بين كون تلك الأشياء بدعًا وبين كون الأدلة تدل على وجوبها أو ندبها أو إباحتها جمع بين متنافيين، أما المكروه منها والمحرم فمسلم من جهة كونها بدعًا لا من جهة أخرى إذ لو دل دليل على منع أمر أو كراهته لم يثبت ذلك كونه بدعة لإمكان أن يكون معصية كالقتل والسرقة وشرب الخمر ونحوها، فلا بدعة يتصور فيها ذلك التقسيم البتة إلا الكراهية والتحريم. فما ذكره القرافي عن الأصحاب من الاتفاق على إنكار البدع صحيح، وما قسمه فيها غير صحيح، ومن العجب حكاية الاتفاق مع المصادمة بالخلاف ومع معرفته بما يلزم في خرق الإجماع، انتهى المقصود من كلام الشاطبي وقد رد على
[ ١٠٩ ]
القائلين بتقسيم البدع إلى خمسة أقسام ردًا وافيًا شافيًا فليراجع في الجزء الأول من كتاب "الاعتصام".
الوجه الثالث: أن يقال إن ابن علوي والرفاعي قد أدخلا في مسمى البدعة أشياء ليست من البدع مثل الرد على أهل البدع وتعليم النحو وبناء المدارس والأذن على المآذن وصنع الإحسان الذي لم يعهد في الصدر الأول والتوسع في المأكل والمشرب، وهذه الأشياء ليست من البدع. ما الرد على أهل البدع فإنه من إنكار المنكر لأن البدع هي أعظم المنكرات بعد الشرك بالله، وهو أيضًا من الجهاد في سبيل الله ومن النصيحة للمسلمين. والآيات والأحاديث في الأمر بإنكار المنكر والحث على ذلك كثيرة جدًا وكذلك الآيات والأحاديث في فضل الجهاد. وكذلك الأحاديث في فضل النصيحة للمسلمين وقد أنكر النبي - ﷺ - على الثلاثة الذين قال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدًا وقال آخر أنا أصوم ولا أفطر وقال آخر أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا فقال رسول الله ص: «أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي ورقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني» رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم والنسائي من حديث أنس بن مالك ﵁، وروى الإمام أحمد أيضًا بإسناد صحيح على شرط الشيخين عن عبد الله بن عمرو بن العاص، ﵄ قال أرسل إلى النبي - ﷺ - فأتيته فقال لي: «أتصوم النهار» قلت: نعم قال: «وتقوم الليل» قلت: نعم قال: «لكني أصوم وأفطر وأصلي وأنام وأمس النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني» فهذه الأعمال التي كان يعملها عبد الله بن عمرو ﵄ والرجلان اللذان قال
[ ١١٠ ]
أحدهما: أما أنا فأصلي الليل أبدًا وقال الآخر وأنا أصوم ولا أفطر كلها من أعمال الخير، ومع هذا فقد أنكرها النبي - ﷺ - وعدها من الرغبة عن سنته، وفي هذا أبلغ رد على الذين يحتفلون بالمولد لأن الاحتفال به لم يكن من سنة النبي - ﷺ -.
وقد أنكر الصحابة ﵃، ما ابتدع في زمانهم من البدع، فمن ذلك ما تقدم (١) عن ابن مسعود، وأبي موسى -﵄- أنهما أنكرا على الذين يجتمعون للذكر ويعدون التسبيح والتهليل والتكبير بالحصى، وقال لهم ابن مسعود -﵁-: «ما أسرع ما ضللتم وأصحاب رسول الله - ﷺ - أحياء»، وفي رواية أنه قال لهم: «ويحكم يا أمة محمد، ما أسرع هلكتكم، هؤلاء صحابة نبيكم - ﷺ - متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل، وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد - ﷺ -، أو مفتتحو باب ضلالة»، قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير قال: «وكم من مريد للخير لن يصيبه»، وفي رواية أنه قال لهم: «والله الذي لا إله غيره لقد جئتم ببدعة ظلماء، أو لقد فضلتم أصحاب محمد - ﷺ - علمًا، عليكم بالطريق فالزموه، ولئن أخذتم يمينًا وشمالا لتضلن ضلالًا بعيدًا»، وفي رواية فأمرهم أن يتفرقوا، وفي رواية أنه لم يزل يحصبهم بالحصى حتى أخرجهم من المسجد، وهو يقول: «لقد أحدثتم بدعة ظلماء، أو لقد فضلتم أصحاب محمد - ﷺ - علمًا».
ولما خرج الخوارج وأظهروا بدعتهم، أنكر ذلك أمير المؤمنين
_________________
(١) ص (٣٦ - ٣٩).
[ ١١١ ]
علي بن أبي طالب -﵁- ومن معه من الصحابة وقاتلوهم، ولم يخالف أحد من الصحابة -﵃- في إنكار بدعتهم ووجوب قتالهم، وقد وردت الأحاديث الكثيرة في ذمهم والأمر بقتالهم إذا خرجوا، وليس هذا موضع ذكرها.
ولما أظهر الغلاة من الروافض بدعتهم، أنكر ذلك أمير المؤمنين علي -﵁- وحرقهم بالنار ولم يخالف أحد من الصحابة -﵃- في إنكار بدعتهم إلا أن ابن عباس -﵄- رأى أن يقتلوا قتلا ولا يحرقوا بالنار.
ولما أظهر القدرية بدعتهم أنكر ذلك ابن عمر وابن عباس وغيرهما من الصحابة -﵃- وتبرءوا منهم.
وفيما ذكرته من الأحاديث والآثار عن الصحابة -﵃- دليل على مشروعية الرد على هل البدع، وفيه أيضًا أبلغ رد على من جعل الرد على أهل البدع داخلا في أقسام البدعة.
وأما علم النحو فإنه مهم جدًا إذ به يعرف الإعراب، ويجتنب الإنسان اللحن في كلام الله وكلام رسوله - ﷺ -.
وقد روي أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -﵁- هو أول من تكلم فيه ووضع أصوله، وعلي -﵁- أحد الخلفاء الراشدين المهديين الذين أمر النبي - ﷺ - بالأخذ بسنتهم، وعلى هذا فلا يجوز عد النحو مع البدع، ومن عده معها فقد أخطأ، وقد رد الشاطبي -رحمه الله تعالى- على من عده من البدع، فقال في أول كتابه الاعتصام بعد أن ذكر البدعة وأنها عبارة عن
[ ١١٢ ]
طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله -سبحانه-: ولما كانت الطرائق في الدين تنقسم، فمنها ما له أصل في الشريعة، ومنها ما ليس له أصل فيها، خص منها ما هو المقصود بالحد وهو القسم المخترع: أي طريقة ابتدعت على غير مثال تقدمها من الشارع، إذ البدعة إنما خاصتها: أنها خارجة عما رسمه الشارع، وبهذا القيد انفصلت عن كل ما ظهر لبادئ الرأي أنه مخترع مما هو متعلق بالدين: كعلم النحو، والتصريف، ومفردات اللغة وأصول الفقه وأصول الدين، وسائر العلوم الخادمة للشريعة، فأنها وإن لم توجد في الزمان الأول فأصولها موجودة في الشرع، إذ الأمر بإعراب القرآن منقول، وعلوم اللسان هادية للصواب في الكتاب والسنة، فحقيقتها إذًا أنها فقه التعبد بالألفاظ الشرعية الدالة على معانيها كيف تؤخذ وتؤدى.
وأصول الفقه إنما معناها استقراء كليات الأدلة حتى تكون عند المجتهد نصب عين، وعند الطالب سهلة الملتمس، وكذلك أصول الدين وهو علم الكلام، إنما حاصله تقرير لأدلتها في الفروع العبادية (فإن قيل) فإن تصنيفها على ذلك الوجع مخترع.
(فالجواب) أن له أصلًا في الشرع ففي الحديث ما يدل عليه، ولو سلم أنه ليس في ذلك دليل على الخصوص فالشرع بجملته يدل على اعتباره، وهو مستمد من قاعدة المصالح المرسلة، فعلى القول بإثباتها أصلًا شرعيًا لا إشكال في أن كل علم خادم للشريعة داخل تحت أدله التي ليست بمأخوذة من جزئي واحد فليست ببدعة البتة. وعلى القول بنفيها لا بد أن تكون تلك العلوم مبتدعات، وإذا دخلت في علم البدع كانت قبيحة؛ لأن كل بدعة
[ ١١٣ ]
ضلالة من غير إشكال، ويلزم من ذلك أن يكون كتب المصحف وجمع القرآن قبيحًا وهو باطل بالإجماع فليس إذا ببدعة، ويلزم أن يكون له دليل شرعي، وليس إلا هذا النوع من الاستدلال وهو المأخوذ من جملة الشريعة، وإذا ثبت جزئي في المصالح المرسلة ثبت مطلق المصالح المرسلة، فعلى هذا لا ينبغي أن يسمى علم النحو، أو غيره من علوم اللسان أو علم الأصول، أو ما أشبه ذلك من العلوم الخادمة للشريعة بدعة أصلا، ومن سماه بدعة فإما على المجاز كما سمى عمر بن الخطاب -﵁- قيام الناس في ليالي رمضان بدعة، وإما جهلا بمواقع السنة والبدعة، فلا يكون قول من قال ذلك معتدًا به، ولا معتمدًا عليه، انتهى.
وأما بناء المدارس فلا يدخل في مسمى البدعة؛ لأن البدعة عبارة عن الإحداث في الدين كما يدل على ذلك قول النبي - ﷺ -: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، وبناء المدارس ليس فيه إحداث في الدين، وإنما فيه الإحسان إلى من بنيت لهم من الناس؛ ليتعلموا كتاب الله تعالى وسنة نبيه - ﷺ - وغير ذلك من العلوم النافعة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، وقد رد الشاطبي في كتاب "الاعتصام" على من جعل بناء المدارس من قبيل البدع، فقال: وأما المدارس فلا يتعلق بها أمر تعبدي يقال في مثله بدعة، إلا على فرض أن يكون من السنة أن لا يقرأ العلم إلا بالمساجد، وهذا لا يوجد بل العلم كان في الزمان الأول يبث بكل مكان من مسجد، أو منزل، أو سفر وحضر، أو غير ذلك حتى في الأسواق، فإذا أعد أحد من الناس مدرسة يعني بإعدادها الطلبة، فلا يزيد بذلك على إعداده له منزلا من منازله، أو حائطًا من حوائطه
[ ١١٤ ]
أو غير ذلك، فأين مدخل البدعة ههنا، وإن قيل أن البدعة في تخصيص ذلك الموضع دون غيره، قيل التخصيص ههنا ليس بتخصيص تعبدي، وإنما هو تعيين بالحبس كما تتعين سائر الأمور المحبسة وتخصيصها ليس ببدعة، فكذلك ما نحن فيه، انتهى.
وأما الأذان على المنار فلا يدخل في مسمى البدعة؛ لأن البدعة في الأذان هي لزيادة في ألفاظه، مثل قول الرافضة: أشهد أن عليا ولي الله، وقول بعضهم: أشهد أن عليًا حجة الله، وقولهم: حي على خير العمل، وتكريرهم قول: لا إله إلا الله مرتين في آخر الأذان، ورفعهم الصوت بالصلاة على النبي - ﷺ - وعلى آله بعد الأذان، فهذا هو المبتدع في الأذان، وأما الأذان على المكان المرتفع فهو مروي عن بلال -﵁- في زمن رسول الله - ﷺ -، ومروي أيضًا عن ابن مسعود، وأبي هريرة -﵄- فأما المروي عن بلال -﵁- فهو في سنن أبي داود عن عروة بن الزبير عن امرأة من بني النجار قالت: كان بيتي من أطول بيت حول المسجد، فكان بلال يؤذن عليه الفجر، فيأتي بسحر فيجلس على البيت ينظر إلى الفجر فإذا رآه تمطى، ثم قال: اللهم إني أحمدك واستعينك على قريش أن يقيموا دينك. قالت: ثم يؤذن، قالت: والله ما علمته كان تركها ليلة واحدة هذه الكلمات، وقد سكت عليه أبو داود، والمنذري، ورواه البيهقي في سننه من طريق أبي داود، وترجم له أبو داود بقوله: "باب الأذان فوق المنارة"، وترجم له البيهقي بقوله: "الأذان في المنارة"، ويستفاد من ترجمتي أبي داود، والبيهقي على حديث عروة أن الأذان فوق المنارة مثل الأذان فوق البيت المرتفع، ولا فرق بينهما.
وروي أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه بإسناد صحيح عن
[ ١١٥ ]
عروة بن الزبير، قال: أمر النبي - ﷺ - بلالا أن يؤذن يوم الفتح فوق الكعبة، وقال ابن إسحاق حدثني والدي، حدثني بعض آل جبريل بن مطعم، أن رسول الله - ﷺ - لما دخل مكة أمر بلالا فعلا على الكعبة على ظهرها فأذن عليها بالصلاة، وروي عبد الرزاق عن معمر عن أيوب قال: قال ابن أبي مليكة أمر رسول الله - ﷺ - بلالا، فأذن يوم الفتح فوق الكعبة.
وأما المروي عن ابن مسعود ﵁، فقال أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه: حدثنا عبد الأعلى عن الجريري عن عبد الله بن شقيق، قال: من السنة الأذان في المنارة، والإقامة في المسجد، وكان عبد الله يفعله إسناده صحيح على شرط مسلم، وقد ترجم ابن أبي شيبة على هذا الأثر، والأثر الذي رواه عن عروة بن الزبير بقوله: «في المؤذن يؤذن على المواضع المرتفعة المنارة وغيرها».
وأما المروي عن أبي هريرة -﵁- فقال الإمام أحمد في مسنده: حدثنا عبد الصمد، حدثنا عبد العزيز، حدثنا إسماعيل يعني ابن أبي خالد عن أبيه، قال: قلت لأبي هريرة -﵁- أهكذا كان رسول الله - ﷺ - يصلي بكم، قال: وما أنكرت من صلاتي، قال: قلت أردت أن أسألك عن ذلك، قال: نعم وأوجز، قال: وكان قيامه قدر ما ينزل المؤذن من المنارة، ويصل إلى الصف، إسناده حسن، أبو خالد هو البجلي الأحمسي ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الحافظ ابن حجر في "تقريب التهذيب": مقبول، وقد ذكره الذهبي في "الميزان"، وقال: قد صحح له الترمذي، وبقية رجال الإسناد كلهم من رجال الصحيحين.
[ ١١٦ ]
وفيما ذكرته من الآثار والتراجم عليها كفاية في الرد على من جعل الأذان على المنار من البدع.
وأما صنع الإحسان فإنه من المعروف، وليس من البدع سواء كان معهودًا في الصدر الأول أو لم يكن معهودا فيه، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، والآيات والأحاديث الصحيحة في الحث على الإحسان كثيرة جدًا، وإنما يذم منه ما تجاوز الحد وكان من التبذير.
وأما التوسع في المأكل والمشرب فلا يدخل في مسمى البدعة وإنما هو من المباح ما لم يبلغ إلى حد الإسراف فحينئذ يكون منهيًا عنه؛ لقول الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾.
وأما إحداث الربط فإن كان المراد بذلك ما أحدثه الصوفية من اتخاذ الربط والزوايا للاعتزال عن الناس والانقطاع للعبادة فهذا داخل في مسمى البدعة، وليس من المندوبات والدليل على ذلك قول النبي - ﷺ - في حديث عائشة ﵂: «من أحدث في مرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد»، وقوله - ﷺ - في حديثي أنس وعبد الله بن عمرو ﵃: «من رغب عن سنتي فليس مني» وقوله - ﷺ - في حديث العرباض بن سارية ﵁ «عليكم بسنتي وسنة الخفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة»، وقوله - صلى الله عليه
[ ١١٧ ]
وسلم - في حديث جابر بن عبد الله ﵄: أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة، وقد ذكرت هذه الأحاديث في أول الكتاب معزوة إلى مخرجيها فلتراجع (١) ففيها أبلغ رد على ابن علوي والرفاعي وغيرهما ممن زعم أن إحداث الربط من البدع المندوبة، وقد رد الشاطبي رحمه الله تعالى في كتابه "الاعتصام" على من جعل إحداث الربط من البدع المندوبة فقال: إن عني بالربط ما بني من الحصون والقصور قصدا للرباط فيها فلا شك إن ذلك مشروع بشرعية الرباط ولا بدعة فيه.
وإن عنى بالربط ما بني لالتزام سكناها قصد الانقطاع للعبادة لأن إحداث الربط التي شأنها أن تبني تدينًا للمنقطعين للعبادة في زعم المحدثين ويوقف عليها أوقاف يجري منها على الملازمين لها ما يقوم بهم في معاشهم من طعام ولباس وغيرهما لا يخلو أن يكون لها أصل في الشريعة أم لا، فإن لم يكن لها أصل دخلت في الحكم تحت قاعدة البدع التي هي ضلالات فضلًا عن أن تكون مندوبًا إليها، وإن كان لها أصل فليست ببدعة فإدخالها تحت جنس البدع غير صحيح.
ثم إن كثيرًا ممن تكلم على هذه المسألة من المصنفين في التصوف تعلقوا بالصفة التي كانت في مسجد رسول الله - ﷺ - يجتمع فيها فقراء المهاجرين، وهم الذين نزل فيهم ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ الآية
_________________
(١) ص (١٠ - ١١) (٧٩، ٨٠).
[ ١١٨ ]
فوصفهم الله بالتعبد والانقطاع إلى الله بدعائه قصدًا لله خالصًا فدل على أنهم انقطعوا لعبادة الله بدعائه قصدًا لله لا يشغلهم عن ذلك شاغل، فنحن إنما صنعنا صفة مثلها أو تقاربها يجتمع فيها من أراد الانقطاع إلى الله ويلتزم العبادة ويتجرد عن الدنيا والشغل بها وذلك كان شأن الأولياء ينقطعون عن الناس ويشتغلون بإصلاح بواطنهم ويولون وجوههم شطر الحق فهم على سيرة من تقدم، وإنما يسمى ذلك بدعة باعتبار ما بل هي سنة وأهلها متبعون للسنة فهي طريقة خاصة لأناس.
وهذا كله من الأمور التي جرت عند كثير من الناس، هكذا غير محققة ولا منزلة على الدليل الشرعي ولا على أحوال الصحابة والتابعين، ولا بد من بسط طرف من الكلام في هذه المسألة بحول الله حتى يتبين الحق فيها لمن أنصف ولم يغالط نفسه وبالله التوفيق، وذلك أن رسول الله - ﷺ - لما هاجر إلى المدينة كانت الهجرة واجبة على كل مؤمن بالله ممن كان بمكة أو غيرها، فكان منهم من احتال على نفسه فهاجر بماله أو شيء منه فاستعان به لما قدم المدينة في حرفته التي كان يحترف من تجارة أو غيرها كأبي بكر الصديق ﵁ فإنه هاجر بجميع ماله وكان خمسة آلاف، ومنهم من فرّ بنفسه ولم يقدر على استخلاص شيء من ماله فقدم المدينة صفر اليدين، وكان الغالب على أهل المدينة العمل في حوائطهم وأموالهم بأنفسهم فلم يكن لغيرهم معهم كبير فضل في العمل، وكان من المهاجرين من أشركهم الأنصار في موالهم وهم الأكثرون ومنهم من لم يجد وجهًا يكتسب به لقوت ولا لسكنى فجمعهم النبي - ﷺ - في صفة كانت في مسجده وهي سقيفة كانت من
[ ١١٩ ]
جملته إليها يأوون وفيها يقعدون إذ لم يجدوا مالا ولا أهلا، وكان النبي - ﷺ - يحض الناس على إعانتهم والإحسان إليهم، وقد وصفهم أبو هريرة، ﵁ إذ كان من جملتهم وهو أعرف الناس بهم، قال في الصحيح وأهل الصفة أضياف الإسلام لا يأوون على أهل ولا مال ولا على أحد إذا أتته يعني النبي - ﷺ - صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئا، وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها فوصفهم أنهم أضياف وحكم لهم كما ترى بحكم الأضياف، وإنما وجبت الضيافة في الجملة لأن من نزل بالبادية لا يجد منزلا ولا طعامًا لشراء إذ لم يكن لأهل الوبر أسواق ينال منها ما يحتاج إليه من طعام يشترى، ولا حانات يؤوى إليها فصار الضيف مضطرًا وإن كان ذا مال فوجب على أهل الموضع ضيافته وإيواؤه حتى
يرتحل، فإن كان لا مال له فذلك أحرى فكذلك أهل الصفة لما لم يجدوا منزلا آواهم النبي - ﷺ - إلى المسجد حتى يجدوا، كما أنهم حين لم يجدوا ما يقوتهم ندب النبي - ﷺ - إلى إعانتهم وفيهم نزل ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ ألا ترى كيف قال: أخرجوا ولم يقل: خرجوا فإنه قد كان يحتمل أن يخرجوا اختيارًا فبان أنهم إنما خرجوا منها اضطرارًا ولو وجدوا سبيلا أن لا يخرجوا لفعلوا، ففيه دليل على أن الخروج عن المال اختيارًا ليس بمقصود للشارع وهو الذي تدل عليه أدلة الشريعة فلأجل ذلك بوأهم رسول الله - ﷺ - الصفة فكانوا في أثناء ذلك ما بين طالب للقرآن والسنة كأبي هريرة فإنه قصر نفسه على ذلك، وكان منهم من يتفرغ لذكر الله وعبادته وقراءة القرآن فإذا غزا رسول الله - ﷺ - غزا معه وإذا أقام أقام معه
[ ١٢٠ ]
حتى فتح الله على رسوله وعلى المؤمنين، فصار إلى ما صار إليه غيرهم ممن كان ذا أهل ومال وطلب للمعاش واتخاذ المسكن؛ لأن العذر الذي حبسهم في الصفة قد زال فرجعوا إلى الأصل لما زال العارض.
فالذي تحصل أن القعود في الصفة لم يكن مقصودًا لنفسه ولا بناء الصفة للفقراء مقصودًا بحيث يقال إن ذلك مندوب إليه لمن قدر عليه، ولا هي رتبة شرعية تطلب بحيث يقال إن ترك الاكتساب والخروج عن المال والانقطاع إلى الزوايا يشبه حالة أهل الصفة وهي الرتبة العليا؛ لأنها تشبه بأهل صفة رسول الله - ﷺ - الذين وصفهم الله تعالى في القرآن بقوله: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾، وقوله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ الآية فإن ذلك لم يكن على ما زعم هؤلاء بل كان على ما تقدم.
والدليل من العمل أن المقصود بالصفة لم يدم ولم يثابر أهلها ولا غيرهم على البقاء فيها ولا عمرت بعد النبي - ﷺ -، ولو كان من قصد الشارع ثبوت تلك الحالة لكانوا هم أحق بفهمها أولا ثم بإقامتها والمكث فيها عن كل شغل، وأولى بتجديد معاهدها لكنهم لم يفعلوا ذلك البتة، فالتشبه بأهل الصفة إذًا في إقامة ذلك المعنى واتخاذ الزوايا والربط لا يصح، فليفهم الموفق هذا الموضع فإنه مزلة قدم لمن لم يأخذ دينه عن السلف الأقدمين والعلماء الراسخين.
ولا يظن العاقل أن القعود عن الكسب ولزوم الربط مباح أو مندوب إليه أفضل من غيره إذ ليس ذلك بصحيح، ولن يأتي آخر
[ ١٢١ ]
هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها، ولا كفى المسكين المغتر بعمل الشيوخ المتأخرين أن صدور هذه الطائفة المتصفين بالصوفية لم يتخذوا رباطًا ولا زاوية ولا بنوا بناء يضاهون به الصفة للاجتماع على التعبد والانقطاع عن أسباب الدنيا كالفضيل بن عياض وإبراهيم بن أدهم والجنيد وإبراهيم الخواص والحارث المحاسبي والشبلي وغيرهم ممن سابق في هذا الميدان، وإنما محصول هؤلاء أنهم خالفوا رسول الله - ﷺ -، وخالفوا السلف الصالح، وخالفوا شيوخ الطريقة التي انتسبوا إليها ولا توفيق إلا بالله، انتهى كلام الشاطبي ﵀.
وأما قول الرفاعي وعمل المولد وإن حدث بعد النبي - ﷺ - وعهد صحابته رضوان الله عليهم ليس فيه مخالفة لكتاب الله ولا لسنة رسول الله - ﷺ - ولا لإجماع المسلمين فلا يقال بأنه مذموم فضلا عن كونه منكرًا وبدعة سيئة.
فجوابه أن يقال: إن عيد المولد محدث في الإسلام، والاحتفال بهذا العيد مخالف للكتاب والسنة ولما كان عليه المسلمون منذ زمان رسول الله - ﷺ - إلى آخر القرن السادس من الهجرة فأما مخالفته للكتاب فإن الله تعالى أمر عباده باتباع ما أنزله إليهم ونهاهم عن اتباع الأولياء من دونه فقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ والاحتفال بالمولد داخل في عموم ما نهى الله عنه في هذه الآية الكريمة؛ لأن الله تعالى لم يأمر به ولا أمر به رسوله - ﷺ - وإنما أمر به من أحدثه وهو سلطان إربل، فالمحتفلون بالمولد قد اتبعوا سلطان إربل وارتكبوا ما نهى الله عنه من اتباع الأولياء من دونه.
[ ١٢٢ ]
وأيضا فإن الله تعالى قال: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ وعيد المولد داخل في عموم هذه الآية الكريمة لأن الله تعالى لم يشرعه وإنما شرعه سلطان إربل، فالمحتفلون به قد اتبعوا شرعًا لم يأذن به الله.
وأيضًا فإن الله تعالى قال: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ والنبي - ﷺ - لم يأمر أمته أن يحتفلوا بمولده وقد حذرهم من محدثات الأمور وبالغ في التحذير، وعيد المولد من محدثات الأمور التي حذر منها رسول الله - ﷺ - فيكون داخلًا فيما أمر الله تعالى بالانتهاء عنه.
وأيضًا فإن الله تعالى قال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ والاحتفال بالمولد لم يكن من هدي الرسول - ﷺ - ففي الاحتفال به مخالفة للأمر الذي كان عليه رسول الله - ﷺ -.
وأيضا فإن الله تعالى قال: ﴿فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ والآيات في الأمر بطاعة الرسول - ﷺ - والحث على اتباعه كثيرة جدًا ولا شك أن الاحتفال بالمولد خارج عن طاعة الرسول - ﷺ - واتباعه كما تقدم بيان ذلك وكما سيأتي إن شاء الله تعالى وقد قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾.
وأما مخالفة عيد المولد للسنة فإن رسول الله - ﷺ - قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا
[ ١٢٣ ]
بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» والاحتفال بالمولد لم يكن من سنة رسول الله - ﷺ - ولا من سنة الخلفاء الراشدين المهديين وإنما هو من محدثات الأمور فيكون داخلًا فيما حذر منه رسول الله - ﷺ -.
وأيضًا فقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: «أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة» وفي رواية: «وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» والاحتفال بالمولد لم يكن من هدي رسول الله - ﷺ - وإنما حدث بعده بنحو من ست مائة سنة فيكون داخلًا فيما حذر منه وأخبر أنه شر وضلالة.
وأيضًا فإن رسول الله - ﷺ - قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» والاحتفال بالمولد محدث في الإسلام فيكون مردودًا بنص رسول الله - ﷺ -.
وأيضًا فإن النبي - ﷺ - شرع لأمته سبعة أعياد في سبعة أيام وهي يوم الجمعة ويوم الفطر ويوم الأضحى ويوم عرفة وأيام التشريق، ولم يشرع لهم عيدًا في يوم مولده ولا أمرهم بالاحتفال به، وقد تقدم إيراد الأحاديث الدالة على مشروعية الأعياد السبعة وبيان أن ما سواها من الأعياد المحدثة فهو شر وضلالة فليراجع ذلك في أول الكتاب (١).
_________________
(١) ص (٣٩ - ٤٤).
[ ١٢٤ ]
وفي قول النبي - ﷺ - «وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة» وقوله أيضًا: «وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» وقوله أيضًا: «وكل ضلالة في النار» أبلغ رد على قول الرفاعي ن عمل المولد لا يقال بأنه مذموم فضلًا عن كونه منكرا وبدعة سيئة.
ومما يرد به على الرفاعي أيضًا قول النبي - ﷺ - «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» رواه الإمام أحمد ومسلم من حديث ابن مسعود ﵁، وهذا لفظ مسلم، وما أخبر به - ﷺ - عن الخلوف أنهم يفعلون ما لا يؤمرون ينطبق على الذين يحتفلون بالمولد فإنهم يفعلون فيه أفعالا لم يأمر الله بها ولا رسوله، - ﷺ - وفي الحديث الحث على جهادهم على قدر المستطاع باليد وباللسان أو بالقلب، وفي الحث على جهادهم دليل على أن فعلهم مذموم ومنكر وبدعة سيئة وفي ذلك أبلغ رد على الرفاعي.
وأما مخالفة عيد المولد لما كان عليه المسلمون في القرون الستة الأولى فهو معلوم مما ذكره بعض المؤرخين عن سلطان إربل الملك المظفر أنه هو أول من احتفل بالمولد وجعل ذلك عيدا يعود في كل عام، وكان ابتداعه له في آخر القرن السادس من الهجرة أو في أول
[ ١٢٥ ]
القرن السابع ولم يكن قبل ذلك معروفًا عند المسلمين، ولو كان خيرًا لسبق إليه الصحابة ﵃، فإنهم كانوا أحرص على الخير ممن جاء بعدهم وكانوا أعظم الأمة محبة للنبي - ﷺ - وأشدها تمسكًا بسنته واتباعًا لهديه، وقد وصف رسول الله - ﷺ - الفرقة الناجية من أمته بأنهم من كان على مثل ما كان عليه هو وأصحابه، رضوان الله عليهم.
وأما قول الرفاعي وكون السلف الصالح لم يفعلوه ليس بدليل للمعترض وإنما هو عدم دليل.
فجوابه من وجوه أحدها: أن يقال هذه الجملة مأخوذة من كلام محمد بن علوي المالكي وهي في ص (٢٧٣) من كتابه المسمى "بالذخائر المحمدية"
الوجه الثاني: أن يقال إن الصحابة ﵃ كانوا أسبق إلى الخير وأحرص عليه ممن جاء بعدهم ومع هذا لم يكونوا يحتفلون بالمولد ويتخذونه عيدًا، ولو كان في ذلك خير لسبقوا إليه، وتركهم للشيء مع وجود سببه في زمانهم وعدم المانع من فعله يدل على أنه غير جائز.
الوجه الثالث: أن الله تعالى قال فيما امتن به على نبيه محمد - ﷺ - وعلى أصحابه، ﵃ وعلى سائر الأمة بعدهم: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ وفي هذه الآية دليل على أن الاحتفال بالمولد لا يجوز لأنه ليس من الدين الذي أكمله الله تعالى لهذه الأمة في حياة نبيها ورضيه لهم.
[ ١٢٦ ]
الوجه الرابع: أن رسول الله - ﷺ - قال في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، ﵄: «إن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة» قالوا من هي يا رسول الله. قال: «ما أنا عليه وأصحابي» رواه الترمذي وحسنه.
وهذا الحديث يدل على أن الاحتفال بالمولد لا يجوز لأنه من الأعمال التي لم يكن عليها رسول الله - ﷺ - وأصحابه ﵃.
الوجه الخامس: ما رواه ابن عبد البر عن ابن مسعود، ﵁ أنه قال: «من كان منكم متأسيًا فليتأس بأصحاب محمد - ﷺ - فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبًا وأعمقها علمًا وأقلها تكلفًا وأقومها هديًا وأحسنها حالا، قومًا اختارهم الله لصحبة نبيه - ﷺ - وإقامة دينه فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم فإنهم كانوا على الهدي المستقيم».
فقد ذكر ابن مسعود، ﵁ أن الصحابة، ﵃ كانوا أقوم الأمة هديًا وأحسنها حالا وأنهم كانوا على الهدى المستقيم، وهم مع هذا لم يكونوا يحتفلون بالمولد ويتخذونه عيدًا فهل يقول عاقل مؤمن أن المحتفلين بالمولد قد أدركوا من الخير ما لم يحصل مثله لأصحاب رسول الله - ﷺ - أو يقول إن المحتفلين بالمولد كانوا أقوم هديًا، أحسن حالا من أصحاب رسول الله - ﷺ - كلا لا يقول ذلك من له أدنى مسكة من عقل ودين.
الوجه السادس: أن يقال إن عيد المولد النبوي قد وجد سببه في
[ ١٢٧ ]
عهد رسول الله - ﷺ - وعهد أصحابه ﵃ ولم يوجد مانع يمنع من فعله ومع هذا لم يأمر به رسول الله - ﷺ - ولم يفعله ولم يأمر به أحد من الخلفاء الراشدين ولم يفعلوه ولم يفعله غيرهم من الصحبة، ﵃، وكما أن أمر النبي - ﷺ - وفعله حجة فكذلك تركه للشيء مع وجود سببه وعدم المانع من فعله يكون حجة على أنه غير جائز وكذلك ترك الصحابة ﵃ للشيء مع وجود سببه وعدم المانع من فعله يدل على أنه غير جائز والأصل في هذا قول النبي - ﷺ - «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد»،
وقوله - ﷺ -: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة»، وقوله - ﷺ - لما سئل عن الفرقة الناجية من هي قال: «ما أنا عليه وأصحابي».
وهذه الأحاديث الثلاثة تدل على المنع من الأعمال التي لم تكن من سنة رسول الله - ﷺ - ولا من عمل الصحابة ﵃ وفيها أبلغ رد على قول ابن علوي والرفاعي إن كون السلف الصالح الأول لم يعملوا المولد ليس بدليل على أنه ممنوع وإنما هو عدم دليل.
وأما قول الرفاعي ويستقيم الدليل على كونه ممنوعا أو منكرًا لو نهى الله تعالى عنه في كتابه العزيز أو نهى عنه رسول الله - ﷺ - في سنته الصحيحة ولم ينه عنه فيهما.
فجوابه أن يقال قد دل الكتاب والسنة على المنع من جميع البدع
[ ١٢٨ ]
والنهي عنها ولا فرق في ذلك بين بدعة المولد وغيرها من البدع.
فأما الدليل من الكتاب ففي عدة آيات منها قول الله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ وهذه الآية تدل على المنع من الاحتفال بالمولد لأن الله تعالى لم يأمر به ولم يأمر به رسول الله - ﷺ -، وإنما أمر به سلطان إربل فالمحتفلون بالمولد قد اتبعوا سلطان إربل وذلك من اتباع الأولياء من دون الله، واتباع الأولياء من دون الله من أعظم المنكرات.
ومن الآيات أيضًا قول الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾.
وهذه الآية عامة لك لبدعة في الدين ومنها بدعة المولد فهي من الشرع الذي لم يأذن به الله.
ومنها أيضًا الآيات الكثيرة في الأمر بطاعة الرسول - ﷺ - والتحذير من معصيته ومخالفة أمره، والنبي - ﷺ - قد أمر أمته بالأخذ بسنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين وحذرهم من محدثات الأمور وبالغ في التحذير وأخبرهم أنها شر وضلالة وأنها في النار وأمرهم بردها، وفي هذا أوضح دليل على المنع من بدعة المولد وغيرها من البدع وبيان أنها من المنكرات.
وأما الدليل من السنة فهو ما أشرت إليه آنفًا مما هو ثابت عن النبي - ﷺ - من حديث العرباض بن سارية وجابر بن عبد الله وعائشة أم المؤمنين، ﵃، وكذلك ما رواه ابن ماجه عن ابن مسعود ﵁ وقد ذكرت
[ ١٢٩ ]
أحاديثهم في أول الكتاب فلتراجع ففيها أوضح دليل على المنع من بدعة المولد وغيرها من البدع وبيان أنها من المنكرات.
وأما قول الرفاعي:
١٣ - ليس الاحتفال بالمولد من مخترعات الدولة الفاطمية كما أشار الأخ سليمان معرفي في تعليقه على مقالي السابق، بل هو السلطان مظفر صحب إربل المتوفى سنة ٦٣٠ هـ كما ذكرت سابقًا نقلا عن "وفيات الأعيان" لابن خلكان (٣/ ٢٧٣) وسبط ابن الجوزي في "مرآة الزمان" وقد أكد ذلك الإمام السيوطي في رسالة "حسن المقصد في عمل المولد" حيث قال: (وأول من أحدث المولد صاحب إربل الملك المظفر أبو سعيد كوكبري بن زين الدين علي أحد الملوك الأمجاد والكبراء الأجواد وكان له آثار حسنة وهو الذي عمر الجامع المظفري بسفح قاسيون) وقال ابن كثير في تاريخ عنه (كان يعمل المولد الشريف في ربيع الأول ويحتفل به احتفالا هائلا وكان شهمًا شجاعًا بطلا عاقلا عالمًا عادلًا، وقد طالت مدته في الملك إلى أن مات وهو محاصر للإفرنج بمدينة عكا سنة ثلاثين وست مائة محمود السيرة والسريرة.
فجوابه من وجهين أحدهما: أن يقال قد قرر الرفاعي في هذه الجملة أن أول من أحدث بدعة المولد صاحب إربل الملك المظفر أبو سعيد كوكبري بن زين الدين علي، وقد ذكر ذلك في أول مقاله أيضًا وعلى هذا فلا يخلو الرفاعي من أحد أمرين إما أن يكون جاهلا بما ثبت عن النبي - ﷺ - أنه حذر أمته من
[ ١٣٠ ]
المحدثات على وجه العموم من غير استثناء شيء منها وما ثبت عنه - ﷺ - أنه وصف المحدثات بالشر والضلالة من غير استثناء شيء منها وأنه - ﷺ - قال: «كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار»، وما ثبت عنه - ﷺ - أنه قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»، وما ثبت عنه - ﷺ - أنه قال: «من رغب عن سنتي فليس مني» وإما أن يكون عالمًا بهذه الأحاديث وببعضها ولكنه لم يبال بها ولم يقم لها وزنًا وما أعظم هذا الأمر وأشد خرطه كما أن الأمر الأول قبيح جدًا ممن ينتسب إلى العلم، ولا محيد للرفاعي من أحد هذين الأمرين الذميمين فليختر لنفسه ما يناسبه منهما.
الوجه الثاني: أن يقال إن ثناء ابن كثير والأسيوطي وغيرهما على سلطان إربل معارض بكلام ياقوت الحموي فيه وهو من معاصريه وقد مات قبله بأربع سنين، وقد دخل ياقوت مدينة إربل واطلع على أحوال سلطانها وغيره من أكابر أهلها، وقد ذكرها في كتابه «معجم البلدان» وذكر سلطانها الملك المظفر كوكبري وقال فيه ما نصه وطباع هذا أمير مختلفة متضادة فإنه كثير الظلم عسوف بالرعية راغب في أخذ الأموال من غير وجهها وهو مع ذلك مفضل على الفقراء كثير الصدقات على الغرباء يسير الأموال الجمة الوافرة يستفك بها الأسارى من أيدي الكفار،
وفي ذلك يقول الشاعر:
كساعية للخير من كسب فرجها لك الويل لا تزني ولا تتصدقي
[ ١٣١ ]
انتهى كلام ياقوت الحموي وما ذكره عن سلطان إربل من كثرة الظلم والعسف بالرعية وأخذ الأموال من غير وجهها فيه أبلغ رد على من تجاوز الحد في مدحه والثناء عليه بالعدل وحسن السيرة والسريرة وقد ذكر ابن كثير في "البداية والنهاية" نقلًا عن سبط ابن الجوزي أنه قال فيما ذكره عن سلطان إربل أنه كان يعمل للصوفية في المولد سماعًا من الظهر إلى الفجر ويرقص بنفسه معهم.
قلت: وهذا أيضًا مما يزري به ويقدح فيه لأن عمل السماع من البدع المحدثة في الإسلام والبدع كلها شر وضلالة بالنص الثابت عن النبي - ﷺ - في حديثي العرباض بن سارية وجابر بن عبد الله ﵄ وكلها مردودة بالنص الثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» وقد ذكرت هذه الأحاديث في أول الكتاب فلتراجع (١).
وأما الرقص فإنه من خوارم المروءة ومما يزري بالعقل والأدب قال الشيخ عز الدين ابن عبد السلام الرقص لا يتعاطاه إلا ناقص العقل، وقال أبو الفرج ابن الجوزي حدثني بعض المشايخ عن الغزالي أنه قال الرقص حماقة بين الكتفين لا تزول إلا بالتعب، قال وقال أبو الفواء ابن عقيل قد نص القرآن على النهي عن الرقص فقال ﷿ ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ والرقص أشد المرح والبطر، وهل شيء يزري بالعقل والوقار ويخرج عن سمت الحلم والأدب أقبح من ذي لحية يرقص فكيف إذا كانت شيبة ترقص وتصفق على أوقاع
_________________
(١) ص (١٠، ١١).
[ ١٣٢ ]
الألحان انتهى وقد ذكر الفقهاء أن شهادة الرقاص غير مقبولة لأن الرقص من خوارم المروءة.
وفيما ذكرته في هذا الوجه أبلغ رد على من بالغ في إطراء سلطان إربل وتجاوز الحد في مدحه والثناء عليه.
وأما قول الرفاعي:
١٤ - لقد قيد العلماء رضوان الله عليهم حديث (وكل بدعة ضلالة) بالبدعة السيئة والدليل على هذا القيد ما وقع من أكابر الصحابة والتابعين من المحدثات التي لم تكن في زمنه - ﷺ - (راجع كتاب إقامة الحجة على أن الإكثار من العبادة ليس بدعة تحقيق أبي غدة) ونحن اليوم قد أحدثنا مسائل كثيرة لم يفعلها السلف الصالح وذلك كجمع الناس على إمام واحد في آخر الليل من العشر الأواخر في شهر رمضان (صلاة القيام بعد صلاة التراويح وكختم المصحف فيها وقراءة دعاء ختم القرآن وكخطبة الإمام بالحرمين الشريفين ليلة سبع وعشرين من رمضان في صلاة القيام، وكنداء المنادي بقوله (صلاة القيام أثابكم الله) وكالزيارات والتهاني المتبادلة في ليالي رمضان المبارك، فكل هذا لم يفعله النبي - ﷺ - ولا أحد من السلف فهل يكون فعلنا له بدعة سيئة.
فجوابه من وجوه أحدها: أن يقال إن أول هذا الكلام مأخوذ من كلام محمد بن علوي المالكي وهو في صفحة ٢٧٢ وصفحة ٢٧٣ من كتاب المسمى "بالذخائر المحمدية"
الوجه الثاني: أن يقال إن النبي - ﷺ - قد
[ ١٣٣ ]
أطلق القول في التحذير من المحدثات ووصفها بالشر وأخبر أن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، وقال - ﷺ - «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» أي مردود والأحاديث في هذا مذكورة في أول الكتاب فلتراجع (١) وإذا كانت أقوال رسول الله - ﷺ - في التحذير من البدع وذمها والأمر بردها كلها على الإطلاق فلا يجوز لأحد أن يقيدها لأن تقييدها يكون استدراكًا على رسول الله - ﷺ - وما أعظم ذلك وأشد خرطه وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
الوجه الثالث: أن يُقال ما ذكره ابن علوي والرفاعي عن أكابر الصحابة والتابعين أنه قد وقع منهم محدثات لم تكن في زمن النبي - ﷺ - إن أراد أنه قد وقع منهم محدثات في الدين فهذا لا صحة له، وإن أراد بها المحدثات في غير الدين فهذا غير مدفوع.
فإن اعترض بعض الناس وأورد في هذا ما فعله الخلفاء الراشدون من جمع القرآن وترتيب سوره وكتابته في المصاحف وجمع الناس على إمام واحد في صلاة القيام في رمضان وزيادة التأذين الأول يوم الجمعة قلنا هذه كلها من السنن بنص رسول الله - صلى الله
_________________
(١) ص (١٠، ١١).
[ ١٣٤ ]
عليه وسلم -
في حديث العرباض بن سارية، ﵁ حيث قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ» وقال في حديث حذيفة ﵁: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» وقد تقدم كل من الحديثين معزوًا إلى مخرجيه فليرجع إليهما (١).
الوجه الرابع: أن يُقال إن جمع الناس على إمام واحد في آخر الليل من العشر الأواخر من رمضان ليس بمحدث وإنما هو سنة لأن رسول الله - ﷺ - قد فعله ثم تركه خشية أن يُفرض على أمته، وقد ذكرت الأحاديث الواردة في قيامه - ﷺ - بالناس في العشر الأواخر من رمضان في أول الكتاب فلتراجع (٢) وقد ذكر أبو ذر والنعمان بن بشير ﵄ في حديثهما أن رسول الله - ﷺ - قام بهم ليلة سبع وعشرين حتى خشوا أن يفوتهم السحور، وروى مالك في الموطأ والبيهقي من طريقه عن السائب بن يزيد ﵁ أنه قال أمر عمر بن لخطاب ﵁ أبي بن كعب وتميمًا الداري ﵄، أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة، قال وقد كان القارئ يقرأ بالمئين حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام وما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر. وروى مالك أيضًا والبيهقي من طريقه عن عبد الله بن أبي بكر يعني ابن محمد بن عمرو بن حزم قال: سمعت أبي يقول كنا ننصرف في رمضان فنستعجل الخدم بالطعام مخافة الفجر، وروى البيهقي أيضًا عن السائب بن يزيد قال: كانوا يقومون
_________________
(١) ص (١٠، ٨٥).
(٢) ص (٤٨، ٤٩).
[ ١٣٥ ]
على عهد عمر بن لخطاب ﵁ في شهر رمضان بعشرين ركعة قال: وكانوا يقرؤون بالمئين وكانوا يتوكئون على عصيهم في عهد عثمان بن عفان، ﵁ من شدة القيام، وروى مالك في الموطأ والبيهقي من طريقه عن يزيد بن رومان أنه قال: كان الناس يقومون في زمان عمر بن الخطاب ﵁ في رمضان بثلاث وعشرين ركعة وقد تتقدم في رواية السائب بن يزيد أن عمر بن الخطاب ﵁ أمر أُبي بن كعب وتميمًا الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة، قال البيهقي: ويمكن الجمع بين الروايتين فإنهم كانوا يقومون بإحدى عشرة ثم كانوا يقومون بعشرين ويوترون بثلاث والله أعلم انتهى.
وأما قول الرفاعي وكختم المصحف فيها.
فجوابه أن يقال: إن ختم القرآن في العشر الأواخر في رمضان ليس بمحدث فقد روى الإمام أحمد ومسلم وغيرهما عن حذيفة، ﵁، أنه صلى مع النبي - ﷺ - ذات ليلة فقرأ البقرة وآل عمران والنساء في ركعة، وفي رواية لأحمد والنسائي أن ذلك كان في رمضان، وهذا يدل على أنه - ﷺ - كان يكثر من قراءة القرآن في قيام رمضان، وعلى هذا فلا يبعد أنه كان يختم القرآن في العشر الأواخر من رمضان أكثر من مرة وقد تقدم في خبر السائب بن يزيد أن عمر ﵁ أمر أبي بن كعب وتميمًا الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة، قال وقد كان القارئ يقرأ بالمئين، وهذا يدل على أنهم كانوا يطيلون القيام ويكثرون من قراءة القرآن، وعلى هذا فلا يبعد أنهم كانوا يختمون في العشر الأواخر من رمضان أكثر من مرة والله أعلم.
[ ١٣٦ ]
وقد جاء في هذا آثار كثيرة عن بعض الصحابة والتابعين رواها أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه، منها عن عثمان بن عفان وتميم الداري وسعيد بن جبير أن كلا منهم قرأ القرآن في ركعة، وقرأه سعيد بن جبير أيضًا في ركعتين، وقرأه علقمة في ليلة وكان علي الأزدي يختم القرآن في رمضان في كل ليلة، وكان ابن مسعود يقرأ القرآن في كل ثلاث، وكان أبي يختم القرآن في ثمان وكان تميم الداري يختم القرآن في سبع، وكان الأسود يقرأ القرآن في شهر رمضان في ليلتين ويختم في سوى رمضان في ست، وكان علقمة يختمه في خمس، وكان عبد الرحمن بن يزيد وإبراهيم وعروة بن الزبير كل منهم يقرأ القرآن في كل سبع، وكان أبو مجلز واسمه لاحق بن حميد يؤم الحي في رمضان وكان يختم في سبع، وكان المسيب بن رافع يختم القرآن في كل ثلاث.
وفيما ذكرته عن النبي - ﷺ - وعن بعض الصحابة والتابعين أبلغ رد على زعم الرفاعي أن ختم المصحف في العشر الأواخر من رمضان محدث. وأما قول الرفاعي وقراءة دعاء ختم القرآن.
فجوابه أن يقال: قد ثبت عن أنس بن مالك ﵁ أنه كان إذا ختم القرآن جمع أهله وولده فدعا لهم رواه الطبراني قال الهيثمي ورجاله ثقات. وقال الإمام محمد بن نصر المروزي في كتاب "قيام رمضان" "باب الترغيب في الدعاء عند ختم القرآن" ثم ذكر في هذا الباب عن أنس ﵁ أنه كان إذا ختم القرآن جمع ولده وأهل بيته فدعا لهم. وذكر القاضي أبو الحسين في "طبقات الحنابلة" عن إبراهيم الحربي أنه قال سئل أحمد يعني ابن حنبل، ﵀ عن الرجل يختم القرآن في شهر رمضان في الصلاة، أيدعو
[ ١٣٧ ]
قائمًا في الصلاة أم يركع ويسلم ويدعو بعد السلم فقال: بل يدعو في الصلاة وهو قائم بعد الختمة، قيل له فيدعو في الصلاة بغير ما في القرآن؟ قال: نعم، وذكر القاضي أيضا عن الفضل بن زياد القطان قال: سألت أبا عبد الله يعني أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى قلت: أختم القرآن أجعله في الوتر أو في التراويح حتى يكون لنا دعاءان اثنان كيف أصنع؟ قال إذا فرغت من آخر القرآن فارفع يديك قبل أن تركع وادع بنا ونحن في الصلاة وأطل القيام قلت بم أدعو؟ قال: بما شئت ففعلت كما أمرني وهو خلفي يدعو قائمًا ورفع يديه.
وفيما ثبت عن أنس ﵁ وقول الإمام أحمد وفعله رد على الرفاعي حيث جعل الدعاء بعد ختم القرآن من المحدثات، وقد كان الإمام أحمد رحمه الله تعالى، من أعلم الناس بالسنة وأتبعهم لها فلا يظن به أنه كان يفعل شيئًا محدثًا أو يفتي بجواز المحدثات.
وإذا علم هذا فينبغي لمن أراد أن يدعو بعد ختم القرآن أن يقتصر في الدعاء على الأدعية المأثورة عن النبي - ﷺ - وأن يجتنب السجع والكلام الذي لا فائدة فيه.
وأما قول الرفاعي وكخطبة الإمام بالحرمين الشريفين ليلة سبع وعشرين من رمضان في صلاة القيام.
فجوابه أن يقال: ما فعله بعض الأئمة من الموعظة والتذكير في ليلة سبع وعشرين من رمضان قد ترك منذ سنوات فلا متعلق للرفاعي في ذكره.
وأما قوله وكنداء المنادي بقوله (صلاة القيام أثابكم الله).
[ ١٣٨ ]
فجوابه أن يُقال: هذا لا أصل له وينبغي أن يُترك.
وأما قوله وكالزيارات والتهاني المتبادلة في ليالي رمضان المبارك.
فجوابه أن يُقال: هذه من الأمور العادية وليست من العبادات فلا تدخل في مسمى البدعة.
وأما قول الرفاعي:
١٥ - ليس كل بدعة محرمة ولو كانت كذلك لحرم جمع أبي بكر وعمر وزيد بن ثابت ورضي الله عنهم القرآن الكريم وكتبه عنهم في حروب الردة ولما تم جمع وتدوين الحديث الشريف في كتب الصحاح والسنن وغيرها ولما ألف علم الفقه والتجويد والتوحيد وغيرها من العلوم الشرعية التي صنفت وابتكرت بعد العهد النبوي الشريف.
فجوابه من وجهين أحدهما: أن يُقال هذا الكلام مأخوذ من كلام محمد بن علوي المالكي بعضه بالنص وبعضه بالمعنى وهو في ص (٢٧٢) من كتابه المسمى "بالذخائر المحمدية".
الوجه الثاني: أن يُقال أما قول ابن علوي والرفاعي ليست كل بدعة محرمة فهو قول باطل مردود بقول النبي - ﷺ - «وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» وقوله أيضًا: «وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة كل ضلالة في النار» وقوله أيضًا: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد».
فهذه الأحاديث الثابتة تدل على رد البدع في الدين والتشديد فيها، وفي
[ ١٣٩ ]
وصفها بالشر والضلالة والإخبار عنها أنها في النار أوضح دليل على تحريمها والله أعلم.
وأما جمع القرآن وكتابته في المصاحف فهو سنة لقول النبي - ﷺ - «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ» وقوله أيضًا: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر».
وأما جمع الحديث وتدوينه والتأليف في التوحيد والفقه والتجويد وغيرها من العلوم الشرعية فالأصل في جواز ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - أنه أمر أصحابه أن يكتبوا خطبته التي خطب بها يوم الفتح لأبي شاه، وكذلك ما ثبت عنه - ﷺ - أنه أذن لعبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن يكتب كل ما سمعه منه، رواه الإمام أحمد وأبو داود والدارمي والحاكم من طرق وصححه الحاكم والذهبي وكذلك كتابة الصحيفة التي كانت عند علي ﵁، وكان فيها أسنان الإبل وأشياء من الجراحات وأشياء غير ذلك من الحكام، روى ذلك أحمد والبخاري ومسلم وأهل السنن وفي رواية لأحمد عن علي ﵁ أنه قال هذه الصحيفة أخذتها من رسول الله - ﷺ - فيها فرائض الصدقة قال الحافظ ابن حجر سنده حسن وكذلك كتاب النبي - ﷺ - الذي كتبه لعمرو بن حزم وفيه الفرائض والسنن والديات وكذلك كتاب أبي بكر الصديق ﵁ الذي كتبه لأنس ﵁ حين وجهه إلى البحرين وفيه بيان
[ ١٤٠ ]
الصدقة ونصب الزكاة، فهذه الأحاديث هي الأصل في جواز جمع الحديث وتدوينه ثم انعقد الإجماع على الجواز، قال القاضي عياض فيما نقله النووي عنه في شرح مسلم كان بين السلف من الصحابة والتابعين اختلاف كثير في كتابة العلم فكرهها كثيرون منهم وأجازها أكثرهم ثم أجمع على جوازها وزال ذلك الخلاف. وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري قال العلماء كره جماعة من الصحابة والتابعين كتابة الحديث واستحبوا أن يؤخذ عنهم حفظًا كما أخذوه حفظًا لكن لما قصرت الهمم وخشي الأئمة ضياع العلم دونوه وأول من دون الحديث ابن شهاب الزهري على رأس المائة بأمر عمر بن عبد العزيز ثم كثر التدوين ثم التصنيف وحصل بذلك خير كثير، وذكر الحافظ أيضًا أن السلف اختلفوا في كتابة العلم عملا وتركًا وإن كان الأمر استقر والإجماع انعقد على جواز كتابة العلم، بل على استحبابه بل لا يبعد وجوبه على من خشي النسيان ممن يتعين عليه تبليغ العلم انتهى.
وأما قول الرفاعي وأخيرًا نقول إن التسامح الديني هو سمة ديننا الحنيف الذي أمرنا به مع المسلم وغيره عندما نجادله ونخاطبه ونناقشه.
فجوابه من وجوه أحدها: أن يقال إن التسامح إنما يكون في الأمور الدنيوية وما لا يخل بالدين، فأما الشرك والبدع في الدين والمعاصي فلا يجوز التسامح فيها، بل يجب إنكار ما ظهر منها وتغييره بحسب القدرة لقول النبي - ﷺ - «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك
[ ١٤١ ]
أضعف الإيمان» رواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي ومسلم وأهل السنن من حديث أبي سعيد الخدري، ﵁ وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح، وروى مسلم أيضًا عن ابن مسعود ﵁، أن رسول الله - ﷺ - قال: «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ثم أنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» وفي هذين الحديثين أبلغ رد على من بذل جهده في تأييد بدعة المولد والذب عنها وزعم أن التسامح الديني هو سمة ديننا الحنيف.
الوجه الثاني: أن يُقال أن النبي - ﷺ - لم يكن يتسامح في البدع ولا مع أهل البدع، وكذلك الصحابة والتابعون وأئمة العلم والهدي من بعدهم، والآثار عنهم في ذلك كثيرة جدًا وهي مذكورة في كتب السنة وغيرها من الكتب المؤلفة في ذم البدع والتحذير منها وقد ذكرت طرفًا منها في "تحفة الإخوان، بما جاء في الموالاة والمعادة والحب والبغض والهجران" فلتراجع هناك، وقد قال النبي - ﷺ - في حديث العرباض بن سارية، ﵁: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة». وقال في حديث جابر بن عبد الله ﵄: «أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة» زاد النسائي في روايته «وكل
[ ١٤٢ ]
ضلالة في النار» وقال في حديث عائشة ﵂: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» وقال في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، ﵄ «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به» وقال فيما رواه أنس بن مالك وعبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: «من رغب عن سنتي فليس مني» وقد تقدم إيراد هذه الأحاديث مع عزوها إلى مخرجيها في أول الكتاب وفي أثنائه فلتراجع (١).
وتقدم أيضًا عن عمر بن الخطاب ﵁: أنه أمر بقطع الشجرة التي بويع تحتها النبي - ﷺ - لما بلغه أن ناسًا يأتونها، وتقدم عنه أيضًا أنه أنكر على الذين يبتدرون إلى مسجد قد صلى فيه رسول الله - ﷺ - وقال: «هكذا هلك أهل الكتاب اتخذوا آثار أنبيائهم بيعًا من عرضت له منكم فيه الصلاة فليصل ومن لم تعرض له فيه الصلاة فلا يصل» وتقدم أيضًا عن ابن مسعود ﵁ أنه أنكر أشد الإنكار على الذين يجتمعون للذكر ويعدون التسبيح والتهليل والتكبير بالحصى وقال لهم: «والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد - ﷺ - أو مفتتحو باب ضلالة»
وفي رواية أنه قال لهم: «والذي لا إله غيره لقد جئتم ببدعة ظلماء أو لقد فضلتم أصحاب محمد - ﷺ - علمًا»
وفي رواية أنه لم يزل يحصبهم بالحصى حتى أخرجهم من المسجد، وقد أنكر عليهم أبو موسى الأشعري أيضًا
_________________
(١) (١٠، ١١) (٢٧، ١١٠).
[ ١٤٣ ]
وقد أنكر الصحابة ﵃ على الخوارج وقاتلهم علي ﵁ ومن معه، وأنكر الصحابة على الغلاة من الروافض وعلى القدرية، وقد تقدم كل هذا فليراجع (١) ففيه مع ما تقدم قبله من الأحاديث المرفوعة أبلغ رد على من نصب نفسه لتأييد بدعة المولد والذب عنها وزعم أن التسامح الديني هو سمة ديننا الحنيف.
الوجه الثالث: أن يُقال إن التسامح في المجادلة والمخاطبة والمناقشة مع المسلمين إنما تكون مع الجاهل منهم إذا وقع منه ما لا يجوز من قول أو فعل فيوعظ بلطف ولين فإن أصر بعد العلم عومل بما يستحقه من هجر أو تأديب، وأما غير الجاهل ممن يكابر في رد الحق أو يجادل في نصر الباطل فإنه يقابل بالشدة ويعامل بما يمنعه ويردعه وأما غير المسلمين فمن رجي إسلامهم فإنهم يجادلون بالتي هي أحسن، ومن لم يرج إسلامهم فإنهم يقاتلون إن أمكن قتالهم والله أعلم.