فكثيرة منها ما ذكره البغوي في تفسيره عن عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه
[ ٢٤٥ ]
قال في قول الله ﷿: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ قال: «ليست بسلفع من النساء خرّاجة ولاّجة ولكن جاءت مستترة قد وضعت كم درعها على وجهها استحياء» ورواه ابن أبي حاتم بإسناد صحيح والحاكم في مستدركه وقال صحيح: على شرط الشيخين ووافقه الذهبي في تلخيصه.
قال الجوهري: السلفع من الرجال الجسور ومن النساء الجريئة السليطة، وقال ابن الأثير وابن منظور: السلفعة هي الجريئة على الرجال انتهى والولاجة الخراجة هي كثيرة الدخول والخروج.
ومنها ما رواه سعيد بن منصور حدثنا هشيم حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة ﵂ قالت: «تسدل المرأة جلبابها من فوق رأسها على وجهها» إسناده صحيح على شرط الشيخين وقد رواه أبو داود في كتاب المسائل عن الإمام أحمد عن هشيم به مثله وقال فيه «تسدل المحرمة» بدل المرأة وروى وكيع عن شعبة عن يزيد الرشك عن معاذة العدوية قالت: سألت عائشة ﵂ ما تلبس المحرمة فقالت: «لا تنتقب ولا تتلثم وتسدل الثوب على وجهها» ذكره ابن القيم، رحمه الله تعالى في "إعلام الموقعين" ورجاله رجال الصحيح.
ومنها ما رواه أبو داود في كتاب "المسائل" حدثنا حمد يعني ابن محمد بن حنبل قال: حدثنا يحيى وروح عن ابن جريح قال أخبرنا عطاء قال: خبرنا أبو الشعثاء أن ابن عباس ﵄ قال: «تدني الجلباب إلى وجهها ولا تضرب به» قال روح في حديثه قلت: وما لا تضرب به فأشار لي كما تجلبب المرأة ثم أشار لي ما على خدها
[ ٢٤٦ ]
من الجلباب قال: «تعطفه وتضرب به على وجهها كما هو مسدول على وجهها» إسناده صحيح على شرط الشيخين.
ومنها ما رواه الحاكم في مستدركه عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر، ﵄ قالت: «كنا نغطي وجوهنا من الرجال وكنا نمتشط قبل ذلك في الإحرام» قال الحاكم صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي في تلخيصه قال ابن القيم رحمه الله تعالى في "تهذيب السنن" ثبت عن أسماء أنها كانت تغطي وجهها وهي محرمة انتهى، وفي تعبير أسماء ﵂ بصيغة الجمع في قولها «كنا نغطي وجوهنا من الرجال» دليل على أن عمل النساء في زمن الصحابة ﵃ كان على تغطية الوجوه من الرجال الأجانب.
ومنها ما رواه مالك في الموطأ عن هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر قالت: «كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات ونحن مع أسماء بنت أبي بكر الصديق، ﵂».
ومنها ما رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم عن عائشة ﵂ في قصة الإفك قالت وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني قد عرس من وراء الجيش فأدلج فصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم فأتاني فعرفني حين رآني وكان قد رآني قبل الحجاب فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني فخمرت وجهي بجلبابي الحديث.
ومنها ما رواه أبو داود الطيالسي في مسنده عن صفية بنت شيبة قالت: حدثتنا أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: قلت يا رسول
[ ٢٤٧ ]
الله يرجع الناس بنسكين وأرجع بنسك واحد فأمر أخي عبد الرحمن فأعمرني من التنعيم وأردفني خلفه على البعير في ليلة حارة فجعلت أحسر عن خماري فتناولني بشيء في يده فقلت هل ترى من أحد.
وهذه الآثار تدل على أن احتجاب النساء من الرجال الأجانب في حال الإحرام وغيره كان هو المعروف المعمول به عند نساء الصحابة فمن بعدهن، قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى في تفسير سورة النور قد ثبت في الصحيح أن النبي - ﷺ - لما دخل بصفية قال أصحابه إن أرخى عليها الحجاب فهي من أمهات المؤمنين وإن لم يضرب عليها الحجاب فهي مما ملكت يمينه فضرب عليها الحجاب، وإنما ضرب الحجاب على النساء لئلا ترى وجوههن وأيديهن والحجاب مختص بالحرائر دون الإماء كما كانت سنة المؤمنين في زمن النبي - ﷺ - وخلفائه أن الحرة تحتجب والأمة تبرز وكان عمر ﵁ إذا رأى أمة مختمرة ضربها وقال أتتشبهين بالحرائر أي لكاع إلى أن قال: والأمة إذا كان يخاف بها الفتنة كان عليها أن ترخي من جلبابها وتحتجب ووجب غض البصر عنها ومنها انتهى.
فصل