مغربها وأشباه ذلك مما صح به النقل انتهى.
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «إعلام الموقعين» والذي ندين به ولا يسعنا غيره أن الحديث إذا صح عن رسول الله ﷺ ولم يصح عنه حديث آخر ينسخه أن الفرض علينا وعلى الأمة الأخذ بحديثه وترك كل ما خالفه ولا نتركه لخلاف أحد من الناس كائنا من كان لا راويه ولا غيره انتهى المقصود من كلامه.
فصل
وتكذيب الأحاديث الصحيحة ليس بالأمر الهين ولا سيما ما ثبت في الصحيحين أو في أحدهما، وقد قال الهيثمي في مجمع الزوائد «باب فيمن كذب بما صح من الحديث» ثم ذكر حديث جابر ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «من بلغه عني حديث فكذب به فقد كذب ثلاثة، الله ورسوله والذي حدث به» رواه الطبراني في الأوسط قال الهيثمي وفيه محفوظ بن ميسور ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا انتهى.
وهذا الحديث وإن لم يبلغ درجة الصحيح فمعناه صحيح لأن من كذب حديثا صحيحا فلا شك أنه قد كذب الله تعالى في قوله مخبرا عن نبيه ﷺ (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) وقد كذب النبي ﷺ حيث رد ما ثبت عنه برواية الثقات الأثبات. وقد كذب الرواة الثقات الذين حفظوا أحاديث النبي ﷺ وبلغوها إلى الأمة، ومن كذب أهل الصدق والعدالة فهو الكاذب في الحقيقة.
فصل
وقد ورد التشديد في معارضة السنة بالقرآن وذلك فيما رواه الإمام أحمد عن أبي رافع ﵁ عن النبي ﷺ قال «لا أعرفن ما يبلغ أحدكم من حديثي شيء وهو متكئ على أريكته فيقول ما أجد هذا في كتاب الله تعالى» في إسناده ابن لهيعة وهو حسن الحديث وفيه كلام وبقية رجاله ثقات. وقد رواه أبو بكر الآجري في كتاب الشريعة بنحوه.
ورواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط الشيخين ولفظه عن النبي صلى الله
[ ٥ ]
عليه وسلم قال «لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول لا ندري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه» ورواه الترمذي وابن ماجه والحاكم في مستدركه وأبو بكر الآجري في كتاب الشريعة بنحوه وقال الترمذي هذا حديث حسن وقال الحاكم صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه.
ورواه ابن حبان في صحيحه ولفظه قال رسول الله ﷺ «لا أعرفن الرجل يأتيه الأمر من أمري إما أمرت به وإما نهيت عنه فيقول ما ندري ما هذا عندنا كتاب الله ليس هذا فيه».
وفي رواية للحاكم أن رسول الله ﷺ قال والناس حوله «لا أعرفن أحدكم يأتيه أمر من أمري قد أمرت به أو نهيت عنه وهو متكئ على أريكته فيقول ما وجدنا في كتاب الله عملنا به وإلا فلا».
وعن المقدام بن معد يكرب الكندي ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا يوشك رجل ينثني شبعانا على أريكته يقول عليكم بالقرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه» الحديث رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارمي وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه وأبو بكر الآجري في كتاب الشريعة وقال الترمذي هذا حديث حسن غريب وصححه الحاكم وأقره الذهبي.
ولفظه عند ابن ماجه قال رسول الله ﷺ «يوشك الرجل متكئا على أريكته يحدث بحديث من حديثي فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله ﷿ فما وجدنا فيه من حلال استحللناه وما وجدنا فيه من حرام حرمناه ألا وإن ما حرم رسول الله ﷺ مثل ما حرم الله» ورواه الترمذي والدارمي بهذا اللفظ، وفي رواية ابن حبان أن رسول الله ﷺ قال «إني أوتيت الكتاب وما يعدله» وذكر بقية الحديث بنحو ما تقدم.
وقد بوب الترمذي على هذا الحديث وحديث أبي رافع بقوله «باب ما نهي عنه أن يقال عند حديث رسول الله ﷺ» وبوب عليه ابن ماجه بقوله «باب تعظيم حديث رسول الله ﷺ والتغليظ على من عارضه»
[ ٦ ]
وترجم عليه ابن حبان بقوله «ذكر الخبر المصرح بأن سنن المصطفى ﷺ كلها عن الله لا من تلقاء نفسه». وبوب عليه الآجري بقوله «باب التحذير من طوائف تعارض سنن النبي ﷺ بكتاب الله ﷿ وشدة الإنكار على هذه الطبقة».
قوله ﷺ «ألا يوشك رجل ينثني شبعانا على أريكته يقول عليكم بالقرآن» قال الخطابي ونقله عنه ابن الأثير في جامع الأصول أنه ﷺ يحذر بهذا القول من مخالفة السنن التي سنها هو مما ليس في القرآن. وإنما أراد بالأريكة صفة أصحاب الترفه والدعة الذين لزموا البيوت ولم يطلبوا العلم من مظانه انتهى.
وعن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «لا أعرفن أحدا منكم أتاه عني حديث وهو متكئ على أريكته فيقول اتل به قرآنًا» رواه أبو بكر الآجري في كتاب الشريعة. وقد رواه ابن ماجه بإِسناد رجاله كلهم ثقات ولفظه قال «لا أعرفن ما يحدث أحدكم عني الحديث وهو متكئ على أريكته فيقول اقرأ قرآنا. ما قيل من قول حسن فأنا قلته».
وعن الحسن قال بينما عمران بن حصين يحدث عن سنة نبينا ﷺ إذ قال له رجل يا أبا نجيد حدثنا بالقرآن فقال له عمران أنت وأصحابك تقرءون القرآن أكنت محدثي عن الصلاة وما فيها وحدودها أكنت محدثي عن الزكاة في الذهب والإبل والبقر وأصناف المال ولكن قد شهدت وغبت أنت ثم قال فرض علينا رسول الله ﷺ في الزكاة كذا وكذا فقال الرجل أحييتني أحياك الله قال الحسن فما مات ذلك الرجل حتى صار من فقهاء المسلمين. رواه الحاكم في مستدركه وصححه وأقره الذهبي.
وقد رواه مسدد كما في «المطالب العالية» ولفظه قال بينما عمران بن حصين وعنده أصحاب له يحدثهم فقال رجل لا تحدثنا إلا بالقرآن - أو لا نريد إلا القرآن - فقال أرأيت لو وكلت أنت وأصحابك إلى القرآن أكنت تجد صلاة الظهر أربعا وصلاة العصر أربعا وصلاة المغرب ثلاثا تقرأ في الركعتين الأوليين، أرأيت لو وكلت أنت وأصحابك إلى القرآن أكنت تجد في كل مائتين من الغنم خمسا وفي الإبل كذا وكذا وفي البقر كذا وكذا. أرأيت لو وكلت أنت وأصحابك إلى القرآن أكنت تجد
[ ٧ ]