الوجه الثامن أن يقال ليس في صحيح البخاري ولا في غيره من الأحاديث الصحيحة عيب البتة وإنما العيب كل العيب فيمن عابها وعارضها ورفضها واطرحها وكذب بما ثبت عن النبي ﷺ من المعجزات وخوارق العادات وسماها قصصا خيالية وخوارق خرافية، ورمى بعض الصحابة والتابعين بالعظائم وطعن في عدالتهم بالزور والبهتان. وهذا هو ما عمله المؤلف في كتابه واستحسنه وبذل جهده في كتابته ونشره وقد قال الله تعالى (أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون).
فصل
وقال المؤلف في صفحة (٩) وصفحة (١٠) ما نصه
الدافع الخامس هو تبرئة النبي ﷺ مما نسب إليه من أحاديث القول الزائد على البيان القرآني لصفات الله وأفعاله وأقداره وتصريفه لأمور خلقه وما بينه القرآن عن العالم العلوي والروح وأحوال ما بعد الموت والعلم بالغيب وموعد الساعة وعن عالم الجن رؤية واتصالا وأحوال النبيين وأممهم. إذ المعروف أن النبي ﷺ لم يأت بشيء في تلك الأمور أكثر مما جاءه في القرآن الذي يقول الله عنه وفيه (ما فرطنا في الكتاب من شيء).
والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال من أبطل الباطل تبرئة النبي ﷺ مما ثبت عنه بنقل الثقات الأثبات. ولا يقول بهذا القول الباطل إلا من هو زائغ القلب فاسد العقيدة والتصور.
الوجه الثاني أن يقال قد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه» وفي رواية «إني أوتيت الكتاب وما يعدله». وقد تقدم هذا الحديث في الفصل الثالث في أول الكتاب فليراجع (١) ففيه أبلغ رد على المؤلف في إنكاره للأحاديث الصحيحة الزائدة على ما جاء بيانه في القرآن.
الوجه الثالث أن النبي ﷺ قال «عليكم بسنتي وسنة
_________________
(١) ص: ٦.
[ ٧٢ ]
الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ» وقال ﷺ أيضا «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة رسوله». وقد تقدم إيراد هذين الحديثين (١) وذكر من رواهما وصححهما من الأئمة، وفيهما أبلغ رد على المؤلف لأن النبي ﷺ حث على التمسك بسنته وهي تشمل أقواله وأفعاله. ومن فرق بين أقوال النبي ﷺ وأفعاله فآمن بالأفعال وأنكر الأقوال فهو ممن آمن ببعض السنة وكفر ببعضها. وإيمانه بالأفعال مع إنكاره للأقوال لا ينفعه إذ لا بد من الإيمان بهما معا، وقد تقدم في الفصل الأول في هذا الكتاب (٢) قول البربهاري، من رد حديثا عن رسول الله ﷺ فقد رد الأثر كله وهو كافر بالله العظيم.
الوجه الرابع أن الله تعالى قال في صفة رسوله ﷺ (وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى) وقال تعالى (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) وفي هذه الآيات أوضح دليل على أنه يجب على المسلمين قبول ما جاء في الأحاديث الصحيحة من بيان صفات الله تعالى وأفعاله وأقداره وتصريفه لأمور خلقه وما جاء فيها من الإِخبار عن العالم العلوي والروح وأحوال ما بعد الموت وغير ذلك من أمور الغيب وعن أحوال النبيين وأممهم وعن رؤية الجن واتصالهم ببني آدم. فكل ما ثبت عن النبي ﷺ بنقل الثقات الأثبات فهو حق يجب قبوله ولا يجوز رد شيء منه ولو كان زائدًا على ما جاء في القرآن إلا إذا عارضه ما هو أصح منه من الأحاديث. ومن رد شيئًا مما ثبت عن النبي ﷺ فقد رد على الله أمره في قوله تعالى (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) ولم يصدق بما أخبر الله به عن الرسول ﷺ أنه ما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى.
الوجه الخامس أن النبي ﷺ لم يخبر عن موعد الساعة البتة. ولما قال جبريل ﵇ للنبي ﷺ اخبرني عن الساعة قال «ما المسؤل عنها بأعلم من السائل» رواه الإِمام أحمد ومسلم وأهل السنن من حديث عمر بن الخطاب ﵁ وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح.
_________________
(١) ص: ٤٤.
(٢) ص: ٣.
[ ٧٣ ]