بكر ﵁ هل معك غيرك فقام محمد بن مسلمة الأنصاري فقال مثل ما قال المغيرة بن شعبة فأنفذه لها أبو بكر ﵁.
وأما ما رواه الحاكم ونقله الحافظ الذهبي في تذكرة الحفاظ عن عائشة ﵂ قالت جمع أبي الحديث عن رسول الله ﷺ إلى آخره فقد قال الذهبي بعد إيراده. هذا لا يصح. وقد ترك المؤلف قول الذهبي فلم يذكره لأنه يفسد عليه ما رامه من الطعن في الأحاديث الصحيحة ورفضها واطراحها، وقد ذكر هذا الأثر صاحب كنز العمال في باب آداب العلم والعلماء نقلا عن مسند الصديق للحافظ ابن كثير ثم قال بعده قال ابن كثير هذا حديث غريب من هذا الوجه جدًا، وعلي بن صالح «يعني أحد رواته» لا يعرف، والأحاديث عن رسول الله ﷺ أكثر من هذا المقدار بألوف. ثم وجهه ابن كثير على فرض صحته.
فصل
وقال المؤلف في صفحة (١٨) ما نصه
الأئمة الثلاثة يخالفون كثيرًا من نصوص الحديث ولا أحد يعتبرهم غير أئمة ولا من الخارجين على الدين. وهاهم الحنفية والمالكية والشافعية لم يجتمعوا على تجريد الصحيح أو الاتفاق على العمل به. فهذه كتب الفقه في مذاهبهم فيها مئات المسائل المخالفة للأحاديث المتفق على صحتها ولا يعد أحد منهم مخالفًا لأصول الدين (٥٠ أضواء على السنة).
والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال ظاهر كلام المؤلف وأبي رية أن الأئمة الثلاثة كانوا يخالفون كثيرًا من نصوص الحديث عمدًا، وهذا كذب عليهم فإِنهم ما كانوا يتعمدون مخالفة الأحاديث الصحيحة إذا بلغتهم، فأما ما لم يبلغهم أو لم تثبت عندهم صحته فهذا لا لوم عليهم إذا قالوا بخلافه.
الوجه الثاني أن يقال إن الأئمة الثلاثة كانوا يعظمون الأحاديث الصحيحة غاية التعظيم، وقد روى الخطيب البغدادي في تاريخه وابن عبد البر في الانتقاء أن أبا حنيفة قال آخذ بكتاب الله فإِن لم أجد فبسنة رسول الله ﷺ فإِن لم أجد في كتاب الله ولا سنة رسول الله ﷺ أخذت بقول أصحابه آخذ بقول من شئت منهم وأدع من شئت منهم ولا أخرج من قولهم إلى قول غيرهم، فأما
[ ٩٥ ]
إذا انتهى الأمر - أو جاء - إلى إبراهيم والشعبي وابن سيرين والحسن وعطاء وسعيد بن المسيب - وعدد رجالا - فقوم اجتهدوا فأجتهد كما اجتهدوا.
وقال شارح العقيدة الطحاوية - حكى الطحاوي حكاية أبي حنيفة مع حماد بن زيد وأن حماد بن زيد لما روى له حديث «أي الإِسلام أفضل» إلى آخره قال، ألا تراه يقول «أي الإِسلام أفضل قال الإِيمان» ثم جعل الهجرة والجهاد من الإِيمان، فسكت أبو حنيفة فقال بعض أصحابه ألا تجيبه يا أبا حنيفة قال بما أجيبه وهو يحدثني بهذا عن رسول الله ﷺ انتهى.
وقال شداد بن حكيم عن زفر بن الهذيل إنما نأخذ بالرأي ما لم نجد الأثر فإذا وجدنا الأثر تركنا الرأي وأخذنا بالأثر، ذكره ابن القيم في أعلام الموقعين. وقال معن بن عيسى القزاز سمعت مالكًا يقول إنما أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا في قولي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به وما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه، ذكره ابن القيم في أعلام الموقعين.
وروى أبو نعيم عن مالك أنه سأله رجل عن مسألة فقال له قال رسول الله ﷺ كذا فقال له الرجل أرأيت. قال مالك (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم).
وقال عبد الله بن الإِمام أحمد قال أبي قال لنا الشافعي إذا صح لكم الحديث عن النبي ﷺ فقولوا لي حتى أذهب إليه. ذكره ابن القيم في أعلام الموقعين بهذا اللفظ، وقد رواه أبو نعيم في الحلية عن سليمان بن أحمد الطبراني قال سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل يقول سمعت أبي يقول قال محمد بن إدريس الشافعي يا أبا عبد الله إذا صح عندكم الحديث عن رسول الله ﷺ فأخبرونا به حتى نرجع إليه. قال وقال الإِمام أحمد كان أحسن أمر الشافعي عندي أنه كان إذا سمع الخبر لم يكن عنده قال به وترك قوله.
وروى القاضي أبو الحسين في طبقات الحنابلة بإِسناده إلى عبد الله بن الإِمام أحمد قال قال لي أبي قال لنا الشافعي أنتم أعلم بالحديث والرجال مني فإِذا كان الحديث صحيحا فأعلموني إن شاء أن يكون كوفيًا أو بصريًا أو شاميًا إذا كان صحيحًا، وقد رواه أبو نعيم في الحلية عن سليمان بن أحمد الطبراني قال سمعت
[ ٩٦ ]
عبد الله بن أحمد يقول سمعت أبي يقول فذكره بنحوه، قال القاضي أبو الحسين وهذا من دين الشافعي حيث سلم هذا العلم لأهله انتهى.
وقال الشافعي إذا حدث الثقة عن الثقة إلى أن ينتهي إلى رسول الله ﷺ فهو ثابت ولا يترك لرسول الله ﷺ حديث أبدًا إلا حديث وجد عن رسول الله آخر يخالفه.
وقال الربيع بن سليمان سمعت الشافعي يقول إذا وجدتم سنة عن رسول الله ﷺ خلاف قولي فخذوا بالسنة ودعوا قولي فإِني أقول بها.
وقال الربيع أيضا سمعت الشافعي يقول كل مسألة تكلمت فيها صح الخبر فيها عن النبي ﷺ عند أهل النقل بخلاف ما قلت فأنا راجع عنها في حياتي وبعد موتي.
وقال الشافعي أجمع الناس على أن من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس وكلام الشافعي بنحو ما ذكرنا كثير جدًا.
ومما ذكرته عن الأئمة الثلاثة يعلم أنهم لم يكونوا يخالفون الأحاديث الصحيحة إذا بلغتهم، وفي هذا رد على المؤلف وأبي رية فيما افترياه عليهم.
الوجه الثالث أن يقال إن كثيرًا من الذين صنفوا كتب الفقه في مذاهب الحنفية والمالكية والشافعية وغيرها من المذاهب ليسوا من أهل الاجتهاد وإنما هم مقلدون لمن سبقهم من علماء مذاهبهم في إيراد المسائل والاستدلال عليها بما استدل به من كان قبلهم من الأحاديث سواء كانت صحيحة أو ضعيفة إذا كان فيها تأييد لرأي من قلدوه، وهؤلاء لا يخلون من الذم على التقليد واللوم على التقصير فيما يجب عليهم من البحث عن الأحاديث الصحيحة والاعتماد عليها دون الأحاديث الضعيفة، وقد تصدى للرد على هؤلاء غير واحد من أكابر العلماء، ومن أحسن ما صنف في ذلك كتاب «أعلام الموقعين» للإِمام ابن القيم رحمه الله تعالى فليراجع فإنه مهم جدًا ولا يستغني عنه طالب العلم.
فصل
وقال المؤلف في صفحة (١٨) ما نصه
[ ٩٧ ]