وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في الكافية الشافية:
العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة هم أولو العرفان
ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين رأي فلان
فالعلم بما جاء في الكتاب والسنة وما جاء عن الصحابة ﵃ هو العلم في الحقيقة وهو الذي ينبغي للإنسان أن يجد ويجتهد في طلبه ويحرص غاية الحرص على تحصيله. قال أبو الدرداء ﵁ سمعت رسول الله ﷺ يقول «من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله به طريقا من طرق الجنة وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضى لطالب العلم وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض والحيتان في الجوف الماء وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب وإن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهما وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر» رواه الإِمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه.
فأما ما جمعه المؤلف في معارضة الأحاديث الصحيحة ورفضها وتأويل القرآن على غير تأويله والاعتماد على آراء أبي رية وأشباهه من الملحدين فليس بعلم وإنما هو جهل وضلال وإضلال للأغبياء الجهال، وما أضر ذلك وأسوأ عاقبته على صاحبه قال الله تعالى (ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون).
وروى الإِمام أحمد ومسلم وأهل السنن عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإِثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا» قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح قال النووي سواء كان ذلك الهدى والضلالة هو الذي ابتدأه أم كان مسبوقا إليه انتهى.
الوجه الثاني أن يقال الذي يظهر من كلام المؤلف أنه يرى أنه قد حصل له حظ وافر من العلم الديني وهو ما جمعه في كتابه الذي نرد عليه. وما علم المسكين أن الشيطان قد تلاعب به وأراه الباطل في صورة الحق والحق في صورة الباطل. وما عمل أيضا أن حقيقة كتابه هو الرد على رسول الله ﷺ ورفض أقواله
[ ٥٧ ]
وأفعاله وتكذيب ما ثبت عنه من المعجزات وخوارق العادات وتسميتها قصصا خيالية فهذا حاصل علمه الذي تعب في تحصيله مدة طويلة. ولا شك أنه بعيد كل البعد عن العلم الديني، ولا شك أيضا أن الجهل الكثيف خير من علم المؤلف وأحرى بسلامة الدين.
الوجه الثالث أن يقال كل رأي لم يستند إلى دليل من الكتاب أو السنة فليس من العلم الديني. وأكثر الآراء غث لا خير فيه وخصوصا آراء بعض العصريين. وعلى هذا فلا ينبغي للعاقل أن يشغل نفسه بما لا فائدة فيه وأن يضيع أوقاته في دراسة الآراء التي لا خير فيها.
وأما نصيحة المؤلف بالمداومة والصبر على دراسة الآراء فإِنها لا تروج إلا على أشباهه من الأغبياء الذين لا يفرقون بين الغث والسمين.
وينبغي للعاقل أن يعتبر بحال المؤلف وما وقع فيه من الزيغ والإلحاد بسبب دراسته لآراء أهل الزيغ والضلال من العصريين فكانت نتيجته من أسوأ النتائج وذلك أنه بذل غاية جهده في الرد على رسول الله ﷺ ورفض أقواله وأفعاله وتكذيب ما ثبت عنه من المعجزات والكرامات. وكذلك قد انتحى على بعض أفاضل الصحابة والتابعين فطعن في عدالتهم ورمى بعضهم بالعظائم. ومن له أدنى عقل لا يرضى لنفسه أن تكون حاله كحال المؤلف.
وأما قوله ولا ينبؤك مثل خير.
فجوابه أن يقال إن المؤلف قد وصف نفسه بما وصف الله به نفسه في كتابه وهذا من إساءة الأدب مع الرب ﵎، قال قتادة وغيره في قول الله تعالى (ولا ينبؤك مثل خبير) يعني نفسه ﵎، فالله ﵎ هو الخبير بجميع الأمور العالم بما كان وما يكون، وأما غيره فلا يوصف بأنه خبير على الإطلاق وإنما يوصف بأنه خبير بما أحاط به علمه فقط. والعلم بمآل الأمور من خصائص الرب ﵎ فهو الذي يعلم من يكون عالما واعيا بسبب القراءة والاطلاع ومن لا يستفيد بكثرة القراءة والاطلاع والصبر على الدراسة شيئا أو يستفيد ما يضره ويضر غيره كحال المؤلف.
ويقال أيضا أن المؤلف قد أكثر القراءة والإِطلاع كما صرح بذلك في البند
[ ٥٨ ]