ورسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم وقد أنزلنا آيات بينات وللكافرين عذاب مهين. يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه والله على كل شيء شهيد) وقال تعالى (إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين. كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز) وقال تعالى (ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فان له نار جهنم خالدًا فيها ذلك الخزي العظيم) وقال تعالى (ومن يشاقق الرسول من بعدما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا).
فصل
وهذا أوان الشروع في الرد على أباطيل المؤلف وترهاته قال في الصفحة الأولى ما نصه.
كتابنا هذا أضواء نلقيها على قضية الحديث وعلى أمثلة من الإسرائيليات الدخيلة على صحيح البخاري وتتلخص الغاية منه في أمرين، الأمر الأول هو أن لا نصدق بكلام يخالف كلام الله وهدي رسوله فنقع في خطيئة الشرك العلمي وذلك بمنازعة الله في حق الكلمة والتشريع. الأمر الثاني أن لا نحقق للشيطان مأربه فنبعد عن الحق المنزل من الله بسبب قبولنا لما دسه علينا أعداء الإِسلام من أحاديث باطلة. ووصولا إلى تلك الغاية صار تكوين الكتاب من جزئين، الجزء الأول قضية الحديث ومراجعها العلمية منذ الخلافة الأولى إلى عصرنا هذا. الجزء الثاني نماذج من الأحاديث الإسرائيلية المدسوسة على البخاري والتعقيب القرآني على كل منها بالنفي وببراءة النبي والبخاري منها. وقد كانت الحكمة في أن يكون البخاري هو الكتاب الذي أخذنا منه تلك الأحاديث هي أن يكون الرجوع بأحاديث غيره إلى القرآن أولى وأهم باعتبار أنه عمدة المراجع لأصح الأحاديث.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال ليس في كتاب المؤلف شيء من الأضواء البتة. وإنما هو ظلمات بعضها فوق بعض أراد بها هدم السنة وتنفير الناس منها. وقد ذكرت في أول فصول الكتاب تشديد العلماء في رد الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ والحكم على من فعل ذلك بالكفر فلتراجع أقوالهم (١) ففيها أبلغ رد على المؤلف.
_________________
(١) ص: ١٣ - ٢٢.
[ ٣٤ ]
الوجه الثاني أن يقال ليس في صحيح البخاري شيء من الأحاديث الدخيلة - أي المدسوسة - كما زعمه المؤلف كذبا وزورًا، وما جاء فيه من الأحاديث عن بني إسرائيل وعن غيرهم من الأمم الماضية فكله حق وصدق لثبوت ذلك عن النبي صلى الله علي وسلم بالأسانيد الصحيحة. وقد قال الله تعالى (وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى).
الوجه الثالث أن يقال ليس في صحيح البخاري ولا في غيره من الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ ما يخالف كلام الله تعالى وهدي رسوله ﷺ بوجه من الوجوه. ولا غيره بما يهذو به المؤلف وأشباهه من الجهلة الأغبياء الذين يتبعون المتشابه ويلبسون الحق بالباطل ويلحدون في آيات الله تعالى ويتأولونها على غير تأويلها.
الوجه الرابع أن يقال إذا كان المؤلف لا يصدق بالأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ مما خرجه البخاري في صحيحه وما خرجه غيره من أهل الصحاح والسنن والمسانيد ويزعم أنها أحاديث إسرائيلية وأنها تخالف كلام الله وهدي رسوله ﷺ فأهل الإِيمان على خلاف ما هو عليه فهم يؤمنون بكل ما ثبت عن النبي ﷺ ولا يردون من ذلك شيئا ولا يتركون من الأحاديث الصحيحة شيئا إلا حديثا جاء عن النبي ﷺ آخر يخالفه فيأخذون بالأصح منهما أو يجمعون بينهما إذا أمكن الجمع.
الوجه الخامس أن المؤلف قد وقع في شر مما فر منه فإِنه قد فر من خطيئة الشرك العلمي كما زعم ذلك ووقع فيما يهدم الإِسلام من أصله وذلك في أمور وقعت منه أحدها مناقضته لشهادة أن محمدًا رسول الله فإِنه قد كذب بكثير مما ثبت عن النبي ﷺ برواية الثقات الأثبات. ومن كذب بشيء مما ثبت عن النبي ﷺ فهو لم يحقق الشهادة بأن محمدًا رسول الله. ومن لم يحققها فليس بمسلم. ولا بد في تحقيقها من أربعة أمور. أحدها طاعته ﷺ فيما أمر. والثاني تصديقه فيما أخبر، والثالث اجتناب ما عنه نهى وزجر. والرابع أن لا يعبد الله إلا بما شرع، وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإِذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله» رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي
[ ٣٥ ]
الله عنه، فقد أخبر ﷺ في هذا الحديث الصحيح أن عصمة الدم والمال لا تتم إلا بشيئين، أحدهما شهادة أن لا إله إلا الله، وثانيهما الإِيمان بالنبي ﷺ وبما جاء به، والمؤلف لم يؤمن بكثير مما ثبت عن النبي ﷺ فكان بهذا حلال الدم والمال.
الأمر الثاني والثالث والرابع ما اشتمل عليه كتابه من الاستخفاف بالنبي ﷺ والغض منه والعبث في جهته العزيزة بسخف الكلام ومنكر القول. وسيأتي بيان ذلك في مواضعه إن شاء الله تعالى. وقد تقدم حكاية الإِجماع على كفر من صدر منه شيء من هذه الأمور (١).
الوجه السادس أن المؤلف قد حقق للشيطان مأربه حيث أبعد عن كثير من الحق المنزل من الله تعالى على لسان رسوله ﷺ وحث الناس على الإِبعاد عنه. وقد تقدم حديث المقدام بن معد يكرب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه» وفي رواية ابن حبان «إني أوتيت الكتاب وما يعدله» فثبت بهذا الحديث الصحيح أن السنة كانت تنزل على النبي ﷺ كما ينزل عليه القرآن. وتقدم عن حسان بن عطية أحد التابعين أنه قال «كان جبريل ينزل على النبي ﷺ بالسنة كما ينزل بالقرآن» ويدل لهذا قول الله تعالى (وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى، علمه شديد القوى) وقد نفى المؤلف عن النبي ﷺ كثيرًا من أقواله وأفعاله الثابتة عنه برواية الثقات الأثبات. وكذب بكثير من المعجزات وخوارق العادات وسماها قصصا خيالية وخوارق خرافية وحث الناس على رفضها واطراحها. فقد تلاعب الشيطان بالمؤلف غاية التلاعب وأراه الحق في صورة الباطل والباطل في صورة الحق وجعله من دعاته وجنوده وهذا غاية مأرب الشيطان.
الوجه السابع أن الله تعالى أقام للسنة جهابذة نقادًا ميزوا الأحاديث الصحيحة الثابتة من الأحاديث الضعيفة والموضوعة وميزوا الثقات من رجال
_________________
(١) ص: ٢٧ - ٢٩.
[ ٣٦ ]