إذا أصبت معنى الحديث فلم تحل به حرامًا ولم تحرم به حلالًا فلا بأس به.
واحتج حماد بن سلمة بأن الله تعالى أخبر عن موسى ﵇ وعدوه بألفاظ مختلفة في شيء واحد كقوله (بشهاب قبس) و(بقبس أو جذوة من النار) وكذلك قصص سائر الأنبياء ﵈ في القرآن وقولهم لقومهم بألسنتهم المختلفة وإنما نقل إلينا ذلك بالمعنى. وقد قال أبي بن كعب كما أخرجه أبو داود كان رسول الله ﷺ يوتر بسبح اسم ربك وقل للذين كفروا والله الواحد الصمد، فسمى السورتين الأخيرتين بالمعنى انتهى.
الوجه الرابع أن المؤلف استدل على وقوع الدس في حديث الواهبة نفسها باختلاف الألفاظ في أداة التزويج. واستدلاله بذلك يدل على عداوته للسنة وتشكيكه في الأحاديث الصحيحة ورغبته في نبذها واطراحها مهما أمكنه، وهذا عنوان على ما في قلبه من الزيغ والزندقة.
الوجه الخامس أنه يجوز أن يجعل الصداق تعليم سورة أو سور من القرآن أو آيات منه كما يجوز أخذ الأجرة على تعليمه وعلى الرقية به لقول النبي ﷺ «إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله» رواه البخاري من حديث ابن عباس ﵄. وقد رقى بعض الصحابة لديغًا بفاتحة الكتاب على قطيع من الغنم فأجاز ذلك النبي ﷺ وقال لهم «اضربوا لي بسهم معكم» متفق عليه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
وروى الإِمام أحمد وأبو داود بأسانيد حسنة عن خارجة بن الصلت التميمي عن عمه ﵁ أنه أتى على حي من العرب عندهم رجل مجنون فرقاه بفاتحة الكتاب قال فأعطوني جعلًا، وفي رواية مائة شاة فقلت لا حتى أسأل النبي ﷺ فسألته فقال «خذها فلعمري لمن أكل برقية باطل لقد أكلت برقية حق».
قال النووي في الكلام على حديث الواهبة نفسها، في هذا الحديث دليل لجواز كون الصداق تعليم القرآن وجواز الاستئجار لتعليم القرآن وكلاهما جائز عند الشافعي وبه قال عطاء والحسن بن صالح ومالك وإسحاق وغيرهم، ومنعه جماعة منهم الزهري وأبو حنيفة، وهذا الحديث مع الحديث الصحيح «إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله» يردان قول من منع ذلك. ونقل القاضي عياض جواز
[ ١٢٥ ]
الاستئجار لتعليم القرآن عن العلماء كافة سوى أبي حنيفة.
وقال النووي أيضا في الكلام على حديث أبي سعيد الخدري ﵁، قوله ﷺ «خذوا واضربوا لي بسهم معكم» هذا تصريح بجواز أخذ الأجرة على الرقية بالفاتحة والذكر وأنها حلال لا كراهة فيها، وكذا الأجرة على تعليم القرآن وهذا مذهب الشافعي ومالك وأحمد وإسحاق وأبي ثور وآخرين من السلف ومن بعدهم ومنعها أبو حنيفة في تعليم القرآن وأجازها في الرقية انتهى.
قلت وحديث سهل بن سعد ﵁ في قصة الواهبة مع حديث ابن عباس ﵄ الذي تقدم ذكره قريبًا يردان قول أبي حنيفة.
الوجه السادس أن يقال إن يقين المؤلف بأن القرآن لا يصلح صداقا ليس بيقين وإنما هو ظن كاذب وتخرص باطل مردود بقول النبي ﷺ للرجل «انطلق فقد زوجتكها فعلمها من القرآن» رواه مسلم من حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁. ورواه البيهقي في سننه بإِسناد مسلم وقال فيه «انطلق فقد زوجتكها بما تعلمها من القرآن». وروى ابن أبي شيبة بإِسناد صحيح عن سهل بن سعد ﵁ أن النبي ﷺ زوج رجلًا امرأة على أن يعلمها سورة من القرآن. وروى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ نحو حديث سهل بن سعد ﵁ وقال فيه إن النبي ﷺ قال للرجل «قم فعلمها عشرين آية وهي امرأتك».
الوجه السابع أن النبي ﷺ قال للرجل «التمس ولو خاتما من حديد» ومن المعلوم أن خاتم الحديد لا يقوم بالتأهيل للزواج ولا بشيء من التأهيل للزواج لأن قيمته تافهة جدًا ومع هذا يصلح جعله صداقًا. وإذا كان خاتم الحديد مع حقارته وتفاهة قيمته يصلح جعله صداقًا فكيف بتعليم القرآن الذي يفوق العلم بأقل القليل منه على خواتم الذهب فضلًا عن خاتم الحديد.
الوجه الثامن أن يقال إن حديث الواهبة ثابت عن النبي ﷺ ومن زعم أن النبي ﷺ بريء مما هو ثابت عنه فلا شك أنه معاند مكابر يحاول رد الأحاديث الصحيحة واطراحها وإبطال السنن الثابتة عن النبي ﷺ وهذا عين المحادة لله ولرسوله ﷺ وقد قال الله
[ ١٢٦ ]
تعالى (إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم) وقال تعالى (إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين) وقال تعالى (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبًا أو كذب بالحق لما جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين).
الوجه التاسع أن المؤلف اعتمد على عقليته الفاسدة محتجا بها على معارضة الحديث الصحيح ورده وذلك في قوله إن الزواج علاقة تقوم على كفاءة مادية يعول بها زوجته وأبناءه، إلى آخر كلامه، وهذه حجة داحضة مردودة على قائلها فإِن النكاح يصح عقده على خاتم من حديد وليس كفاءة مادية يعول بها الزوج زوجته وأبناءه. ويصح عقده على تعليم شيء من الأدب أو صنعة أو كتابة وعلى تعليم أبواب من الفقه أو الحديث أو قصيدة من الشعر المباح لأنه يصح أخذ الأجرة على تعليم هذه الأشياء فصح كونها صداقًا، وليس في تعليم هذه الأشياء كفاءة مادية يعول بها الرجل زوجته وأولاده.
وقد روى الإِمام أحمد والترمذي وابن ماجه والبيهقي عن عامر بن ربيعة ﵁ أن امرأة من بني فزارة تزوجت على نعلين فقال رسول الله ﷺ «أرضيت من نفسك ومالك بنعلين» قالت نعم قال فأجازه قال الترمذي حديث حسن صحيح.
وروى الإِمام أحمد أيضا عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال «لو أن رجلًا أعطى امرأة صداقًا ملء يده طعامًا كانت له حلالًا» ورواه أبو داود ولفظه قال «من أعطى في صداق امرأة ملء كفيه سويقًا أو تمرًا فقد استحل» ورواه البيهقي في سننه ولفظه قال «من أعطى في صداق ملء كفيه برًا أو تمرًا أو سويقًا أو دقيقًا فقد استحل» وفي رواية لأبي داود قال «كنا على عهد رسول الله ﷺ نستمتع بالقبضة من الطعام على معنى المتعة» وقد رواه مسلم في صحيحه من حديث ابن حريج عن أبي الزبير قال سمعت جابر بن عبد الله ﵄ يقول «كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله ﷺ».
قال البيهقي والنسخ إنما ورد بإِبطال الأجل لا قدر ما كانوا عليه ينكحون من الصداق انتهى.
[ ١٢٧ ]