السبب في وجود الروايات المخالفة للقرآن.
حديث يقول ألا إني أوتيت القرآن ومثله، ومعنى ذلك أن يكون النبي - ص - قد كلف بتدوين هذا المثل مثل ما كلف بتدوين هذا القرآن، فلماذا لم يدونه كما دون القرآن. وهنا يعجز الناس كل الناس عن اتهام النبي - ص - بالتفريط في تدوين نصف الرسالة التي كلف بها لأن ذلك شيء مستحيل على رسول الله -ص - وإنما جاءت البلية في التقول عليه ونسبة هذا الحديث إليه في حين أن يقول الله ﵎ «اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي» ومعنى ذلك أن القرآن هو البداية وهو النهاية ولا شيء سواه (ص ٥٢ أضواء).
والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال قد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا يوشك رجل ينثني شبعانًا على أريكته يقول عليكم بالقرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه» رواه الإِمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارمي وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه وأبو بكر الآجري في كتاب الشريعة وقال الترمذي هذا حديث حسن غريب وصححه الحاكم وأقره الذهبي.
ولفظه عند ابن ماجه قال رسول الله ﷺ «يوشك الرجل متكئًا على أريكته يحدث بحديث من حديثي فيقول بيننا وبينكم كتاب الله ﷿ فما وجدنا فيه من حلال استحللناه وما وجدنا فيه من حرام حرمناه ألا وإن ما حرم رسول الله ﷺ مثل ما حرم الله» ورواه الترمذي والدارمي بنحو هذا اللفظ.
وفي رواية ابن حبان أن رسول الله ﷺ قال «إني أوتيت الكتاب وما يعدله» وذكر بقية الحديث بنحو ما تقدم. وقد ترجم ابن حبان على هذا الحديث بقوله «ذكر الخبر المصرح بأن سنن المصطفى ﷺ كلها عن الله لا من تلقاء نفسه» وبوب عليه الآجري بقوله «باب التحذير من طوائف تعارض سنن النبي ﷺ بكتاب الله ﷿ وشدة الإنكار على هذه الطبقة».
[ ٩٨ ]
وروى الإِمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه وأبو بكر الآجري عن أبي رافع ﵁ أن رسول الله ﷺ قال والناس حوله «لا أعرفن أحدكم يأتيه أمر من أمري قد أمرت به أو نهيت عنه وهو متكئ على أريكته فيقول ما وجدنا في كتاب الله عملنا به وإلا فلا» هذا لفظ الحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وروى ابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ نحو حديث المقدام وأبي رافع ﵄.
وفي هذه الأحاديث الصحيحة أبلغ رد على المؤلف وأبي رية وأشباههما من أعداء السنة لما فيها من التشديد والإِنكار على من عارض السنة بالقرآن.
الوجه الثاني أن الله تعالى قال (وأنزل الله عليك بالكتاب والحكمة) والحكمة هي السنة على أصح التفاسير. وهذه الآية تؤيد حديث المقدام ﵁. وفيها رد على المؤلف وأبي رية في إلغائهما للسنة وقولهما أن القرآن هو البداية وهو النهاية ولا شيء سواه.
الوجه الثالث أن النبي ﷺ لم يأمر بتدوين السنة خوفا من اختلاطها بالقرآن. فلما أمن ذلك في زمن التابعين أمر الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى بتدوين الحديث وأجمع المسلمون على جواز ذلك. وقد تقدم بيان ذلك قريبًا فليراجع (١).
وفي إجماع المسلمين على جواز التدوين أبلغ رد على من خالفهم وشذ عنهم من جهلة العصريين وزنادقتهم.
الوجه الرابع أن يقال مما يدل على جواز ما فعله المسلمون من تدوين الحديث أمر النبي ﷺ بكتابة خطبته يوم الفتح لأبي شاه وإذنه لعبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن يكتب ما سمعه منه من الحديث. وما كتب به ﷺ لبعض عماله من الكتب التي فيها فرائض الصدقة وبعض
_________________
(١) ص: ٨٧ - ٨٩.
[ ٩٩ ]
الأحكام، وكذلك الصحيفة التي أخذها علي ﵁ من النبي ﷺ وفيها جملة من الأحكام، وقد تقدم بيان ذلك قريبًا فليراجع (١).
وهذه القضايا تدل على جواز ما فعله المسلمون من تدوين الحديث لما خشي الأئمة ضياع العلم.
الوجه الخامس أن يقال إن البلية كل البلية والآفة كل الآفة في معارضة السنة ورفضها واطراحها والسعي في تضليل المسلمين وتشكيكهم في سنة نبيهم ﷺ وما ثبت عنه من المعجزات وخوارق العادات كما هو الواقع من المؤلف وأشباهه من الزنادقة المارقين من الإِسلام.
وهؤلاء الزنادقة وأهل التقول على رسول الله ﷺ في طرفي نقيض. فأما أهل التقول فيضعون الأحاديث المكذوبة وينسبونها إلى النبي ﷺ، وأما المؤلف وأشباهه من أعداء السنة فينفون عن النبي ﷺ ما ثبت عنه من الأحاديث الصحيحة، ولا يبعد أن يكون الوعيد الشديد على الكذب على رسول الله ﷺ شاملًا لمن يضع الحديث عليه ولمن ينفي الأحاديث الثابتة عنه لأن نفيها داخل في الكذب عليه والله اعلم.
الوجه السادس أن يقال إن قول الله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي) لا يدل على المعنى الذي ذهب إليه أبو رية والمؤلف لأن إكمال الدين وإتمام النعمة إنما كان بإكمال فرائض الإسلام ومن آخرها فريضة الحج وبه كمل الدين، قال البغوي في تفسير قوله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم) يعني يوم نزول هذه الآية أكملت لكم دينكم يعني الفرائض والسنن والحدود والجهاد والأحكام والحلال والحرام فلم ينزل بعد هذه الآية حلال ولا حرام ولا شيء من الفرائض والسنن والحدود والأحكام، وهذا معنى قول ابن عباس ﵄، قال ابن الجوزي فعلى هذا يكون المعنى اليوم أكملت لكم شرائع دينكم.
قلت وشرائع الدين منها ما جاء في القرآن إما مفصلًا وإما مجملًا وبينه النبي ﷺ بقوله أو فعله. ومنها ما جاء في السنة وليس له ذكر في القرآن، والكل داخل في عموم قوله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي
_________________
(١) ص: ٨٦ - ٨٧.
[ ١٠٠ ]
ورضيت لكم الإِسلام دينًا) ومن زعم أن القرآن هو البداية وهو النهاية ولا شيء سواه وأن هذا هو معنى قوله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي) فقد ألغى السنة وتأول القرآن على غير تأويله ورام هدم الإِسلام.
الوجه السابع أن يقال إن قول المؤلف وأبي رية أن القرآن هو البداية والنهاية ولا شيء سواه قول باطل مردود بقول الله تعالى (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) وبقوله تعالى (فإِن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا) قال ابن كثير في قوله (فردوه إلى الله والرسول) قال مجاهد وغير واحد من السلف أي إلى كتاب الله وسنة رسوله، وهذا أمر من الله ﷿ بأن كل شيء تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة انتهى.
وقال البغوي في قوله (فردوه إلى الله والرسول) أي إلى كتاب الله وإلى رسوله ما دام حيًا وبعد وفاته إلى سنته، والرد إلى الكتاب والسنة واجب إن وجد فيهما فإِن لم يوجد فسبيله الاجتهاد انتهى.
وروى ابن جرير عن مجاهد في قوله (فردوه إلى الله والرسول) قال إلى الله إلى كتابه وإلى الرسول إلى سنة نبيه، وروى أيضا عن ميمون بن مهران وقتادة نحو ذلك.
ومما يرد به قول المؤلف وأبي رية أيضا قول الله تعالى (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) قال الإِمام أحمد أتدري ما الفتنة. الفتنة الشرك لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك ثم جعل يتلو هذه الآية (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا).
ومما يرد به على المؤلف وأبي رية قول النبي ﷺ «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة رسوله» رواه مالك في الموطأ بلاغا والحاكم موصولا من حديث ابن عباس ﵄ وصححه وأقره الذهبي.
وروى الحاكم أيضا عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «إني قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي ولن
[ ١٠١ ]