يتفرقا حتى يردا علي الحوض».
وروى الإِمام أحمد وأهل السنن وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه عن العرباض بن سارية ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ» قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وصححه الحاكم ووافقه الذهبي على تصحيحه.
فصل
وقال المؤلف في صفحة (١٨) و(١٩) ما نصه
دليل يثبت أن الصحابة كانوا يلاحظون الزيادة على رسول الله من بعضهم البعض ولو دوّنه النبي ما اختلفوا فيه. أخرج ابن عساكر ومحمد بن إسحاق عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال ما مات عمر حتى بعث إلى أصحاب رسول الله فجمعهم من الآفاق عبد الله بن حذيفة وأبا الدرداء وأبا ذر وعقبة بن عامر فقال ما هذه الأحاديث التي أفشيتم عن رسول الله في الآفاق. قالوا أتنهانا. قال لا. أقيموا عندي لا تفارقوني ما عشت فنحن أعلم نأخذ منكم ونرد عليكم فما فارقوه حتى مات. وروى الذهبي في تذكرة الحفاظ عن شعبة عن سعد بن إبراهيم عن أبيه ابن عبد الرحمن أن عمر حبس ابن مسعود وأبا الدرداء وأبا مسعود الأنصاري فقال قد أكثرتم الحديث عن رسول الله - ص - وكان قد حبسهم في المدينة حتى أطلقهم عثمان. وفي جامع بيان العلم وفضله للحافظ المغربي ابن عبد البر. الشعبي عن قرظة بن كعب قال خرجنا نريد العراق فمشى معنا عمر إلى صرار ثم قال لنا أتدرون لم مشيت معكم قلنا أردت أن تشيعنا وتكرمنا. قال إن مع ذلك لحاجة خرجت لها إنكم لتأتون بلدة لأهلها دوي كدوي النحل بالقرآن فلا تصدوهم لتشغلوهم وأنا شريككم وأقلوا الرواية عن رسول الله ﷺ فلما قدم قرظة قالوا حدثنا فقال نهانا عمر تذكرة الحفاظ للذهبي وصححه الحاكم في المستدرك ص ١٠٢ جـ١.
والجواب أن يقال ما رواه إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف في حبس عمر ﵁ لبعض الصحابة لا يصح منه شيء. أما ما رواه ابن عساكر من طريق محمد بن إسحاق فهو مردود من وجوه أحدها أن صاحب كنز العمال ذكره في باب آداب العلم والعلماء وقد ذكر قبل ذلك في خطبة الكتاب أن ما يرويه ابن عساكر فهو ضعيف فيستغنى بالعزو إليه عن بيان ضعفه.
[ ١٠٢ ]
الوجه الثاني أن يقال قد اختلف في سماع إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف من عمر ﵁ والراجح أنه لم يسمع منه. قال البيهقي في سننه لم يثبت له سماع من عمر.
قلت ويؤيد هذا أن المصنفين في أسماء الرجال ذكروا أنه توفي في سنة خمس وتسعين أو ست وتسعين وله من العمر خمس وسبعون سنة فعلى هذا يكون مولده قبل موت عمر ﵁ بسنتين أو ثلاث سنين. ومثل هذا السن يبعد أن يحفظ فيه الصبي شيئًا فتكون الرواية عن إبراهيم مرسلة والمرسل ليس بحجة.
الوجه الثالث أنه ذكر فيه عبد الله بن حذيفة ولا يعرف في الصحابة أحد بهذا الاسم فضلا عن أن يكون من المكثرين للحديث وهذا يدل على أن هذا الأثر موضوع.
الوجه الرابع أن أبا الدرداء وأبا ذر وعقبة بن عامر ليسوا من المكثرين بالنسبة إلى أبي هريرة وعائشة وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وأبي سعيد الخدري وأنس بن مالك وجابر بن عبد الله ﵃ فيبعد جدًا أن يخصهم عمر بالإِنكار على نشرهم للحديث ويترك الذين هم أكثر منهم حديثًا فلا ينكر عليهم.
الوجه الخامس أن يقال إن الصحابة ﵃ قد انتشروا في الآفاق وكل منهم يحدث بما عنده من الحديث عن النبي ﷺ ولم يأت في أثر صحيح أن عمر ﵁ جمع الصحابة كلهم ولا أنه أنكر عليهم نشرهم للحديث. فهذا الأثر الذي رواه ابن عساكر في جمع الصحابة من الآفاق يظهر عليه أثر الوضع والتركيب.
الوجه السادس أن يقال لو كان عمر ﵁ جمع الصحابة من الآفاق وأنكر عليهم نشرهم للحديث وأمرهم أن يقيموا عنده لكان ذلك مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله وينتشر ذكره في الآفاق. ولما لم يأت ذكر ذلك إلا في أثر مرسل ضعيف الإِسناد دل ذلك على أنه لا أصل له.
الوجه السابع أنه ذكر في هذا الأثر أن عمر ﵁ جمع الصحابة من الآفاق ثم لم يذكر سوى أربعة أحدهم مجهول لا يعرف له ذكر في الصحابة وهذا أوضح دليل على أن هذا الأثر موضوع.
[ ١٠٣ ]
يوضح ذلك الوجه الثامن وهو أنه قد صرح في هذا الأثر أن عمر ﵁ بعث إلى الصحابة فجمعهم من الآفاق وهذا يقتضي أنه جمعهم من مكة والطائف واليمن ونجد والبحرين وعمان والعراق وخراسان والشام ومصر والجزيرة. ولا شك أن هذا لم يقع ولو وقع لما كان يقتصر في الأثر على ذكر رجلين من الشام ورجل مشغول بالجهاد ويترك سائر الأقطار فلا يذكر منهم أحدًا. وهذا يدل على أن هذا الأثر مصنوع من بعض أعداء السنة.
الوجه التاسع أن يقال إن عمر ﵁ كان يحدث بما رواه عن النبي ﷺ من الأحاديث وقد روي عنه أكثر من خمسمائة حديث فهو مكثر بالنسبة إلى كل واحد من الثلاثة الذين قيل انه أنكر عليهم نشرهم للحديث. وعلى هذا فلا ينبغي أن يظن بعمر ﵁ أنه أنكر شيئًا كان يفعل مثله.
الوجه العاشر مما يدل على أن الأثر موضوع ما ذكر فيه عن عمر ﵁ أنه قال «نحن أعلم» لأن هذه الكلمة تدل على الإِعجاب بالنفس والترفع على الغير، ولا شك أن عمر ﵁ من أبعد الناس عن هذه الصفات الذميمة، ولا ينبغي أن يظن هذا بمن هو دون عمر من الصحابة فضلا عن عمر ﵁ لأنه كان معروفًا بمزيد التواضع والبعد عن مساوئ الأخلاق. وقد ثبت عنه أنه قام على المنبر فنهى الناس عن المغالاة في مهور النساء ونهاهم أن يزيدوا على أربعمائة درهم ثم نزل فاعترضته امرأة من قريش فقالت أما سمعت ما أنزل الله في القرآن قال وأي ذلك فقالت أما سمعت الله يقول (وآتيتم إحداهن قنطارا) الآية فقال اللهم غفرا كل الناس أفقه من عمر. الحديث رواه أبو يعلى قال ابن كثير إسناده جيد قوي.
وروى الإِمام أحمد وابن مردويه عن عمر ﵁ أنه قال «من قال هو عالم فهو جاهل» وإذا كان هذا قول عمر ﵁ فلا ينبغي أن يظن به أن يقول الكلمة التي تدل على الإِعجاب بالنفس والترفع على الغير.
الوجه الحادي عشر أن أبا الدرداء كان ساكنا في الشام في زمان عمر ﵁ وقد قيل إن عمر ﵁ ولاه قضاء دمشق ولم يزل في الشام حتى توفي في سنة اثنتين وثلاثين. وأما أبو ذر فكان ساكنا في الشام في زمان عمر وبعض زمان
[ ١٠٤ ]
عثمان. قال ابن كثير في البداية والنهاية في ترجمة أبي ذر ﵁ لما مات رسول الله ﷺ ومات أبو بكر خرج إلى الشام فكان فيه حتى وقع بينه وبين معاوية فاستقدمه عثمان إلى المدينة. وأما عقبة بن عامر فإِنه كان مشغولًا بالجهاد وقدم المدينة حين فتحت دمشق وكان هو البريد إلى عمر ﵁ بفتحها. ولم يذكر عنه أنه قدم المدينة بعد ذلك في زمان عمر ﵁. فما ذكر في هذا الأثر أن عمر ﵁ أمرهم بالقدوم إلى المدينة وأنه أمرهم بالإِقامة عنده ما عاش وأنهم لم يفارقوه حتى مات. كل ذلك لا أصل له فلا يغتر به.
الوجه الثاني عشر أن الذهبي ذكر في تذكرة الحفاظ عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أن عمر ﵁ حبس ثلاثة ابن مسعود وأبا الدرداء وأبا مسعود الأنصاري فقال قد أكثرتم الحديث عن رسول الله ﷺ. فهذه الرواية تخالف رواية ابن عساكر لأن فيها أن عمر ﵁ أنكر على عبد الله بن حذيفة وأبي الدرداء وأبي ذر وعقبة بن عامر إفشاءهم للأحاديث وأمرهم بالإِقامة عنده، وفي هذه الرواية أنه أنكر على ابن مسعود وأبي الدرداء وأبي مسعود الأنصاري ﵃ في إكثارهم للحديث وأنه حبسهم، وهذا يدل دلالة واضحة على أن هذا الأثر غير محفوظ.
وأما ما نقله المؤلف عن تذكرة الحفاظ فالجواب عنه من وجوه أحدها أن يقال إن هذه الرواية مرسلة على القول الراجح الذي تقدم ذكره في أول الجواب عن الأثر الذي رواه ابن عساكر. والمرسل ليس بحجة، قال الهيثمي في مجمع الزوائد هذا أثر منقطع ولا يصح هذا عن عمر انتهى، وقد ذكر ابن حزم هذا الأثر في كتاب الأحكام وفيه أن عمر ﵁ حبس ابن مسعود وأبا الدرداء وأبا ذر، وهذه الرواية تخالف ما جاء في تذكرة الحفاظ لأنه ذكر فيها أبا ذر وذكر في تذكرة الحفاظ بدلًا عنه أبا مسعود. وهذا الاضطراب يدل على أن الأثر موضوع. قال ابن حزم بعد إيراده «مرسل ومشكوك فيه ثم هو في نفسه ظاهر الكذب والتوليد» انتهى.
الوجه الثاني أن المؤلف زاد في هذا الأثر زيادة من عنده وهي قوله «وكان حبسهم في المدينة حتى أطلقهم عثمان» وهذه الزيادة ليست في تذكرة الحفاظ وإنما زادها المؤلف من كيسه ليؤيد بها مذهبه الخبيث في معارضة الأحاديث الصحيحة
[ ١٠٥ ]
ورفضها واطراحها.
الوجه الثالث أن يقال لم يأت في أثر صحيح أن عمر ﵁ حبس ابن مسعود وأبا الدرداء وأبا مسعود الأنصاري ﵃ ولا أنه حبس غيرهم من الصحابة على نشرهم للحديث، وقد ذكرت في الجواب عما رواه ابن عساكر أن أبا الدرداء ﵁ لم يزل ساكنًا في الشام في زمان عمر وبعد زمان عمر ﵁ ولم يثبت أنه قدم المدينة في زمان عمر ﵁ فضلًا عن أن يكون عمر ﵁ قد حبسه.
وأما أبو مسعود الأنصاري ﵁ فقد سكن الكوفة ولم يثبت أن عمر ﵁ أمره بالقدوم إلى المدينة فضلا عن أن يكون قد حبسه.
وأما ابن مسعود ﵁ فقد أرسله عمر ﵁ معلمًا لأهل الكوفة ولم يزل بها حتى قدم المدينة في آخر زمان عثمان ﵁ ومات بها. ولم يثبت أنه قدم المدينة في زمان عمر ﵁ بعد ما أرسله عمر ﵁ إلى الكوفة فضلًا عن أن يكون عمر ﵁ قد حبسه.
وقد ذكر الذهبي في تذكرة الحفاظ عن حارثة بن مضرب قال قرئ علينا كتاب عمر. إني قد بعثت إليكم عمار بن ياسر أميرًا وعبد الله بن مسعود معلمًا ووزيرًا وهما من النجباء من أصحاب محمد ﷺ من أهل بدر فاقتدوا بهما واسمعوا وقد آثرتكم بعبد الله بن مسعود على نفسي.
وإذا كان هذا قول عمر ﵁ في حق ابن مسعود ﵁ فكيف يقال أنه حبسه في المدينة. هذا لا يصح.
وقد ذكر الذهبي في تذكرة الحفاظ أن ابن مسعود ﵁ كان ممن يتحرى في الأداء ويتشدد في الرواية ويزجر تلامذته عن التهاون في ضبط الألفاظ وأنه كان يقل من الرواية للحديث ويتورع في الألفاظ. وذكر أيضا عن أبي عمرو الشيباني قال كنت أجلس إلى ابن مسعود حولا لا يقول قال رسول الله ﷺ فإِذا قال قال رسول الله ﷺ استقلته الرعدة وقال هكذا أو نحو ذا أو قريب من ذا. وذكر أيضًا عن أبي الأحوص عن عبد الله ﵁ قال «كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع».
[ ١٠٦ ]