عليكم هذا عبد الله بن قيس فلم يأذن له فقال السلام عليكم هذا أبو موسى السلام عليكم هذا الأشعري ثم انصرف فقال ردوا علي ردوا علي فجاء فقال يا أبا موسى ما ردك كنا في شغل قال سمعت رسول الله ﷺ يقول «الاستئذان ثلاث فإِن أذن لك وإلا فارجع» قال لتأتيني على هذا ببينة وإلا فعلت وفعلت فذهب أبو موسى قال عمر إن وجد بينة تجدوه عند المنبر عشية وإن لم يجد بينة فلم تجدوه فلما أن جاء بالعشي وجدوه قال يا أبا موسى ما تقول أقد وجدت قال نعم أبي بن كعب قال عدل قال يا أبا الطفيل ما يقول هذا قال سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك يا ابن الخطاب فلا تكونن عذابًا على أصحاب رسول الله ﷺ قال سبحان الله إنما سمعت شيئًا فأحببت أن أتثبت. وقد رواه أبو داود مختصرا. وفي رواية له أن عمر ﵁ قال لأبي موسى ﵁ «إني لم أتهمك ولكن الحديث عن رسول الله ﷺ شديد» وفي رواية لمالك وأبي داود من طريق مالك أن عمر ﵁ قال لأبي موسى ﵁ «أما إني لم أتهمك ولكن خشيت أن يتقول الناس على رسول الله ﷺ. وفي الصحيحين وسنن أبي داود أن عمر ﵁ قال «خفي علي هذا من أمر رسول الله ﷺ ألهاني عنه الصفق بالأسواق».
فصل
وقال المؤلف في صفحة (٢١) ما نصه
عدد ما سمعه ابن عباس من النبي - ص - وعدد ما نسب إليه من الحديث. ذكر الآمدي في كتاب (الإِحكام في أصول الأحكام ص ٧٨ - ١٨٠ جـ ٢) أن ابن عباس لم يسمع من رسول الله ﷺ سوى أربعة أحاديث لصغر سنه، ولما روى عن النبي - ص - (إنما الربا في النسيئة، وأن النبي - ص - لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة. قال في الجزء الأول لما روجع فيه أخبرني به أسامة بن زيد، وقال في الخبر الثاني أخبرني أخي الفضل بن العباس. ولما روى أبو هريرة عن النبي - ص - أنه قال من أصبح جنبا في رمضان فلا صوم له راجعوه في ذلك فقال ما أنا قلته ورب الكعبة ولكن محمدًا قال، ثم عاد فقال حدثني به الفضل بن العباس، وقال ابن القيم في (الوابل الصيب) إن ما سمعه ابن عباس عن النبي
[ ١١٦ ]
- ص - لم يبلغ العشرين حديثًا، وعن ابن معين والقطان وأبي داود في السنن أنه روى تسعة أحاديث وذلك لصغر سنه ومع ذلك فقد أسند له أحمد في مسنده ١٦٩٦ حديثًا. (فتأمل أيها المؤمن العاقل لتعلم أنهم جميعا ضحايا للدس الإسرائيلي).
والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال إن ابن عباس ﵄ قد روى عن النبي ﷺ عدة أحاديث وروى عن الخلفاء الأربعة وعن غيرهم من أكابر الصحابة وعلمائهم كما سيأتي ذكر أسمائهم إن شاء الله تعالى.
ولا خلاف أن الصحابة ﵃ كلهم عدول وموثوق بروايتهم عن النبي ﷺ وبرواية بعضهم عن بعض عن النبي ﷺ ولا يضر إرسالهم لأنهم لم يكونوا يرسلون إلا ما سمعوه من الصحابة الذين سمعوه من النبي ﷺ ولا يلحق أحدًا منهم شك في روايته ولا تتطرق إليه التهمة أبدًا.
الوجه الثاني أن يقال إن ابن عباس ﵄ كان في غاية من النباهة والفطنة وكمال العقل وكان يقال له الحبر والبحر لكثرة علمه وقد دعا له النبي ﷺ أن يفقهه الله في الدين ويعلمه التأويل وكان يتتبع الأحاديث عن النبي ﷺ ويسأل عنها كبار الصحابة ﵃ حتى حفظ منها شيئًا كثيرًا.
وقد قال الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب في ترجمة ابن عباس ﵄، روى عن النبي ﷺ وعن أبيه وأمه أم الفضل وأخيه الفضل وخالته ميمونة وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وأبي ذر وأبي بن كعب وتميم الداري وخالد بن الوليد - وهو ابن خالته - وأسامة بن زيد وحمل بن مالك بن النابغة وذؤيب والد قبيصة والصعب بن جثامة وعمار بن ياسر وأبي سعيد الخدري وأبي طلحة الأنصاري وأبي هريرة ومعاوية بن أبي سفيان وأبي سفيان وعائشة وأسماء بنت أبي بكر وجويرية بنت الحارث وسودة بنت زمعة وأم هانئ بنت أبي طالب وأم سلمة وجماعة انتهى.
وروى البزار عن ابن عباس رضي الله نهما قال لما فتحت المدائن أقبل الناس على الدنيا وأقبلت على عمر فكان عامة حديثه عن عمر، قال الهيثمي رجاله
[ ١١٧ ]
رجال الصحيح.
وذكر الذهبي في تذكرة الحفاظ عن عبد الرزاق عن معمر قال عامة علم ابن عباس ﵄ من ثلاثة عمر وعلي وأبي بن كعب ﵃.
وذكر الذهبي أيضًا عن أبي بكر بن عياش عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن ابن عباس ﵄ قال كنت أسمع بالرجل عنده الحديث فآتيه فاجلس حتى يخرج فأسأله ولو شئت أن أستخرجه لفعلت.
وروى الدارمي والحارث بن أبي أسامة في مسنديهما عن ابن عباس ﵄ قال لما توفي رسول الله ﷺ قلت لرجل من الأنصار يا فلان هلم فلنسأل أصحاب النبي ﷺ فإِنهم اليوم كثير قال واعجبا لك يا ابن عباس أترى الناس يحتاجون إليك وفي الناس من أصحاب النبي ﷺ من ترى فترك ذلك وأقبلت على المسألة فإِن كان ليبلغني الحديث علن الرجل فآتيه وهو قائل فأتوسد ردائي على بابه فتسفي الريح على وجهي التراب فيخرج فيراني فيقول يا ابن عم رسول الله ما جاء بك ألا أرسلت إلي فآتيك فأقول أنا آتيك فأسأله عن الحديث قال فبقي الرجل حتى رآني وقد اجتمع الناس علي فقال كان هذا الفتى أعقل مني.
وروى الدارمي أيضا عن ابن عباس ﵄ قال وجدت أكثر حديث رسول الله ﷺ عند هذا الحي من الأنصار والله إن كنت لآتي الرجل منهم فيقال هو نائم فلو شئت أن يوقظ لي فادعه حتى يخرج لأستطيب بذلك حديثه.
وروى ابن سعد عن أبي سلمة الحضرمي قال سمعت ابن عباس ﵄ يقول كنت ألزم الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار فأسألهم عن مغازي رسول الله ﷺ وما نزل من القرآن في ذلك وكنت لا آتي أحدًا منهم إلا سُرَّ بإِتياني إليه لقربي من رسول الله ﷺ فجعلت أسأل أبي بن كعب وكان من الراسخين في العلم.
وقال طاوس عن ابن عباس ﵄ أنه قال إن كنت لأسأل عن الأمر الواحد ثلاثين من أصحاب رسول الله ﷺ، ذكره ابن كثير في البداية والنهاية.
[ ١١٨ ]
وروى محمد بن هارون الروياني في مسنده عن عبيد الله بن علي بن أبي رافع قال كان ابن عباس يأتي أبا رافع فيقول ما صنع النبي ﷺ يوم كذا ومع ابن عباس من يكتب ما يقول، ذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري، ورواه ابن سعد في الطبقات عن عبيد الله بن علي عن جدته سلمى قالت رأيت عبد الله بن عباس معه ألواح يكتب عليها عن أبي رافع شيئًا من فعل رسول الله ﷺ.
وروى ابن سعد أيضا عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال كان ابن عباس قد فات الناس بخصال بعلم ما سبقه وفقه فيم احتيج إليه من رأيه وحلم وسيب ونائل وما رأيت أحدًا كان أعلم بما سبقه من حديث رسول الله ﷺ ولا أعلم بقضاء أبي بكر وعمر وعثمان منه.
وإذا علم ما ذكرنا من حرص ابن عباس ﵄ على رواية الحديث عن النبي ﷺ بواسطة الخلفاء الراشدين وغيرهم من أكابر الصحابة وأمهات المؤمنين ﵃ فماذا ينقم عليه المؤلف وأشباهه من زنادقة العصريين ويستكثرون عليه ما أسنده له أحمد في مسنده، ثم يحملهم التهور القبيح على أن يجعلوه من ضحايا الدس الإِسرائيلي، قاتل الله الزنادقة أنى يؤفكون.
الوجه الثالث أن يقال من أقبح التهور قول الأفاك المفتري أن الصحابة جميعا ضحايا للدس الإِسرائيلي.
والجواب أن يقال (سبحانك هذا بهتان عظيم) (كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا) وهل يظن عدو السنة وعدو حملتها أن الصحابة ﵃ كانوا مغفلين بحيث تروج عليهم دسائس اليهود وغيرهم من أعداء الله حتى يكونوا ضحايا للدس حاشاهم من هذا الظن الكاذب.
الوجه الرابع أن يقال إذا روى ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ بواسطة الصحابة الذين ذكرنا أسماءهم في الوجه الثاني ولم يذكر الواسطة بينه وبين النبي ﷺ وكذلك غيره من الصحابة إذا روى بعضهم عن النبي ﷺ بواسطة البعض الآخر ولم يذكروا الواسطة بينهم وبين النبي ﷺ فهو مقبول اتفاقا، ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في
[ ١١٩ ]