المجال وعددها مائة وعشرون حديثا. والتعقيب القرآني على كل منها بما يثبت أنها دخيلة على كلام النبي (ص) وبما لا يسيء إلى البخاري الذي حسبه عند ربه صدق نيته وإخلاصه حتى يعلم المسلمون كيف استطاع الشيطان أن يستخدم أعوانه من كفار الإِنس في الكيد للإِسلام والمسلمين. مع التأكيد مرة أخرى على براءة البخاري ﵀ من هذا الحزب اللعين، ولا يعتبر هذا العدد حصرًا لكل ما يعارضه القرآن وإنما هو مثال ضوئي يدعو إلى جعل القرآن سندًا أساسيا لكل حديث ينسب إلى رسول الله.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال ليس في صحيح البخاري ما يعارض القرآن بوجه من الوجوه وليس فيه حديث ينافي ما يليق بالله ورسوله ﷺ. وليس فيه حديث دخيل على كلام النبي ﷺ كما قد زعم ذلك من استزله الشيطان وزين له معارضة الأحاديث الصحيحة واطراحها والتهاون بشأنها.
الوجه الثاني أن المؤلف قد أساء إلى البخاري إساءة عظيمة ثم زعم أن فعله لا يسيء إلى البخاري. وهذه المنافقة والمراوغة لا تخفى على عاقل. وإساءته إلى البخاري واضحة من جهتين. الأولى صولته على كتابه الصحيح واستهانته به ومحاولته الحط من قدره عند الناس وأنه لا ينبغي الاعتماد عليه، وأي إساءة أعظم من هذه الإِساءة لو كان المؤلف الجاهل يعقل.
الثانية محاولته الحط من قدر البخاري وإلحاقه بالأغبياء المغفلين الذين تروج عليهم دسائس الزنادقة الوضاعين. وهذه الإساءة العظيمة لا تؤثر في قدر البخاري عند أهل السنة والجماعة لأنهم يعلمون بطلانها ويعلمون ما جعل الله في البخاري من العقل الرزين والنباهة العظيمة بحيث لا يستطيع المبطلون أن يدسوا عليه شيئا أبدا.
وقد قال الخطيب البغدادي في تاريخه حدثني محمد بن أبي الحسن الساحلي قال أنبانا أحمد بن الحسن الرازي قال سمعت أبا أحمد بن عدي يقول سمعت عدة مشايخ يحكون أن محمد بن إسماعيل البخاري قدم بغداد فسمع به أصحاب الحديث فاجتمعوا وعمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها وجعلوا متن هذا الإِسناد لإِسناد آخر وإسناد هذا المتن لمتن آخر ودفعوها إلى عشرة أنفس إلى كل رجل عشرة أحاديث وأمروهم إذا حضروا المجلس أن يلقوا ذلك على البخاري وأخذوا الموعد
[ ٤١ ]
للمجلس فحضر المجلس جماعة أصحاب الحديث من الغرباء من أهل خراسان وغيرها ومن البغداديين فلما اطمأن المجلس بأهله انتدب إليه رجل من العشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث فقال البخاري لا أعرفه فسأله عن آخر فقال لا أعرفه فما زال يلقي عليه واحدًا بعد واحد حتى فرغ من عشرته والبخاري يقول لا أعرفه فكان الفهماء ممن حضر المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض ويقولون الرجل فهم. ومن كان منهم غير ذلك يقضي على البخاري بالعجز والتقصير وقلة الفهم. ثم انتدب رجل آخر من العشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث المقلوبة فقال البخاري لا أعرفه فسأله عن آخر فقال لا أعرفه فسأله عن آخر فقال لا أعرفه، فلم يزل يلقي عليه واحدًا بعد آخر حتى فرغ من عشرته والبخاري يقول لا أعرفه، ثم انتدب إليه الثالث والرابع إلى تمام العشرة حتى فرغوا كلهم من إلقاء تلك الأحاديث المقلوبة والبخاري لا يزيدهم على «لا أعرفه» فلما علم البخاري أنهم قد فرغوا التفت إلى الأول منهم فقال أما حديثك الأول فهو كذا وحديثك الثاني فهو كذا والثالث والرابع على الولاء حتى أتى على تمام العشرة فرد كل متن إلى إسناده وكل إسناد إلى متنه وفعل بالآخرين مثل ذلك ورد متون الأحاديث كلها إلى أسانيدها وأسانيدها إلى متونها فأقر له الناس بالحفظ وأذعنوا له بالفضل.
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري بعد أن ذكر هذه القصة رواية عن الخطيب، قلت هنا يخضع للبخاري فما العجب من رده الخطأ إلى الصواب فإِنه كان حافظا بل العجب من حفظه للخطأ على ترتيب ما ألقوه عليه من مرة واحدة.
قال الحافظ وقال أبو الأزهر كان بسمرقند أربعمائة محدث فتجمعوا وأحبوا أن يغالطوا محمد بن إسماعيل فأدخلوا إسناد الشام في إسناد العراق وإسناد العراق في إسناد الشام وإسناد الحرم في إسناد اليمن فما استطاعوا مع ذلك أن يتعلقوا عليه بسقطة انتهى ما ذكره الحافظ ابن حجر وفيه أبلغ رد على من استهان بالبخاري وحاول الغض منه وإلحاقه بالأغبياء المغفلين.
الوجه الثالث أن إساءة المؤلف ليست مقصورة على البخاري رحمه الله تعالى بل إنه قد حاد الله ورسوله ﷺ بمعارضته للأحاديث الصحيحة ورفضها. وقد أساء إلى الصحابة الذين حفظوا أحاديث الرسول ﷺ وبلغوها إلى من بعدهم. وقد أساء إلى الثقات الأثبات الذين حفظوا الأحاديث
[ ٤٢ ]
الصحيحة وبلغوها إلى من بعدهم حتى وصلت إلى البخاري وغيره من الأئمة الذين دونوا الأحاديث الصحيحة وحفظوها على الأمة الإسلامية.
الوجه الرابع أن يقال أن رجال الجامع الصحيح كلهم ثقات عدول من لدن الصحابة إلى شيوخ البخاري وليس فيهم كذاب ولا وضاع ولامتهم ولا مجروح بجرح يؤثر في حديثه. وليس فيهم أحد من الأغبياء المغفلين الذين يقبلون التلقين، ومع هذا يقول المؤلف إن الشيطان استطاع أن يستخدم أعوانه من كفار الإِنس في الكيد للإسلام والمسلمين ثم يؤكد براءة البخاري من هذا الحزب اللعين. فهل يقول المؤلف أن رجال البخاري أو بعضهم كانوا من كفار الإنس وأعوان الشيطان الذين استخدمهم في الكيد للإسلام والمسلمين وأنهم من الحزب اللعين كما هو ظاهر كلامه. أم ماذا يجيب به عن تهوره وجراءته القبيحة.
الوجه الخامس أن يقال الواقع في الحقيقة أن الشيطان استطاع أن يستخدم المؤلف في معارضة الأحاديث الصحيحة ورفضها وفي الكيد للإسلام والمسلمين وذلك بتشكيك المسلمين في الأحاديث الصحيحة وحثهم على رفضها واطراحها فهو من أكبر أعوان الشيطان وجنوده.
الوجه السادس أن يقال ما ذهب إليه المؤلف من جعل القرآن سندًا أساسيا لكل حديث ينسب إلى رسول الله ﷺ يعارض قول الله تعالى في صفة رسوله ﷺ (وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى) وقوله تعالى (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) وقوله تعالى (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى أتدري ما الفتنة. الفتنة الشرك لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك.
ويعارض قول النبي ﷺ «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه» رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارمي وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه وأبو بكر الآجري في كتاب الشريعة من حديث المقدام بن معد يكرب الكندي ﵁ وقال الترمذي هذا حديث حسن غريب وصححه الحاكم وأقره الذهبي.
[ ٤٣ ]