ومنها ما رواه الإِمام أحمد والترمذي وابن ماجه عن ابن مسعود ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول «نضر الله امرءًا سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه فربّ مبلغ أحفظ له من سامع» هذا لفظ أحمد وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح ورواه ابن حبان في صحيحه ولفظه قال سمعت النبي ﷺ يقول «رحم الله من سمع منا حديثا فبلغه كما سمعه فرب مبلغ أوعى من سامع».
قال ابن الأثير في جامع الأصول «نضر الله امرءًا» دعاء له بالنضارة وهي النعمة والبهجة انتهى.
ومنها ما رواه الإِمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارمي وابن حبان في صحيحه عن زيد بن ثابت ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول «نضر الله امرءًا سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه غيره فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ورب حامل فقه ليس بفقيه» قال الترمذي هذا حديث حسن. قال وفي الباب عن عبد الله بن مسعود ومعاذ بن جبل وجبير بن مطعم وأبي الدرداء وأنس ﵃.
قلت قد روى ابن ماجه حديثي جبير بن مطعم وأنس ﵄. وفي الباب أيضا عن أبي سعيد الخدري وعبيد بن عمير والنعمان بن بشير وأبيه وأبي قرصافة وجابر وسعد بن أبي وقاص ﵃.
وإذا علم ما ذكرنا من الأحاديث التي يصدق بعضها بعضا فلا يخفى ما في الحث على إبعاد كتب التحصيل والتخريج من المعارضة لما أمر به رسول الله ﷺ من التمسك بسنته وتبليغ أحاديثه. وما عارض أمر النبي ﷺ فهو مردود على قائله كائنا من كان.
فصل
وقال المؤلف في صفحة (٤) ما نصه
سادسا إدراك العواقب المترتبة على ترك الأحاديث المخالفة للقرآن الكريم دون تجريح وإظهار لعيوبها حتى لا تزداد عقائد الناس انحرافا عن عقيدة نبيهم بسبب تركها بغير كشف يفصل بين الحديث الصحيح الذي يستند إلى القرآن وبين الحديث الخرافي
[ ٤٧ ]
الذي نسجه الخيال الإسرائيلي وردده المسلمون بحسن قصد.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال أن الأحاديث التي أشار إليها المؤلف وجمعها من صحيح البخاري كلها أحاديث صحيحة ولا مطعن فيها بوجه من الوجوه وليس فيها ما يخالف القرآن وليس فيها شيء من الخرافات وما نسجه الخيال الإسرائيلي. ولكن المؤلف كان زائغ القلب فاسد التصور فلهذا تخيل في الأحاديث الصحيحة ما تخيل ورام تجريحها وإلصاق العيوب بها كذبا وزورا. وقد قال الله تعالى (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون) وهذه الآية الكريمة مطابقة لحال المؤلف غاية المطابقة. وكذلك قوله تعالى (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين).
الوجه الثاني ظاهر كلام المؤلف أن عقائد الناس قد انحرفت عن عقيدة نبيهم بسبب قبولهم لما في صحيح البخاري وغيره من الأحاديث الصحيحة التي تخالف رأيه الفاسد وعقله الناقص فهو لذلك يهاجمها بالتجريح وإلصاق العيوب بها حتى لا تزداد عقائد الناس انحرافا عن عقيدة نبيهم على حد زعمه الكاذب فهو يزعم لنفسه أنه مصلح لما فسد من عقائد الناس. والأمر في الحقيقة والواقع بعكس ما يقول فإِنه فاسد العقيدة ومفسد لعقائد الذين يقبلون كلامه الباطل في تجريح الأحاديث الصحيحة. وإنه لينطبق على المؤلف قول الله تعالى (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون، ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون).
الوجه الثالث أن يقال إن المسلمين في العقائد على قسمين. القسم الأول أهل السنة والجماعة والقسم الثاني أهل البدعة والضلالة، فأما أهل السنة والجماعة فإِنهم لم يزالوا على عقيدة نبيهم ﷺ وعقيدة أصحابه والتابعين لهم بإِحسان، وأما أهل البدعة والضلالة فهم الذين انحرفت عقائدهم عن عقيدة نبيهم وأصحابه وهم متفاوتون في الانحراف فمستقل منه ومستكثر، وقد ذكر الله القسمين في قوله تعالى (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب) ومن هاجم الأحاديث الصحيحة ورام تجريحها وإلصاق العيوب بها فهو من الزائغين بلا شك قال الله تعالى (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر
[ ٤٨ ]