٣ - نقلنا عن الشيخ فيما سبق أن الغرابة عند الترمذي قد تجامع الصحة. فأقول:
هذه القاعدة غير صحيحة أيضًا على إطلاقها بل هي مقيدة بقيود أهمها إذا لم يصرح الترمذي. بتضعيف الحديث الذي وصفه بالغرابة وإلا فهي في هذه الحالة لا تجامعها الصحة أبدًا وإليك بعض الأمثلة من سننه:
١ - جاءني جبريل فقال: يا محمد إذا توضأت فانتضح" قال الترمذي (١/ ٧١):
"هذا حديث غريب، وسمعت محمدًا (يعني البخاري) يقول الحسن بن علي الهاشمي منكر الحديث".
٢ - عن معاذ بن جبل قال: رأيت النبي -ﷺ- إذا توضأ مسح وجهه بطرف ثوبه. قال الترمذي (١/ ٧٦).
"هذا حديث غريب، وإسناده ضعيف".
٣ - عن أبي بن كعب مرفوعًا: "إن للوضوء شيطانًا يقال له: الولهان، فاتقوا وسواس الماء".
قال الترمذي: (١/ ٨٥):
"حديث غريب وليس إسناده بالقوي".
٤ - عن ابن عباس مرفوعًا: "من أذن سبع سنين محتسبًا كتبت له براءة من النار".
قال الترمذي (١/ ٤٠١):
[ ٢١ ]
"حديث غريب، وجابر الجعفي (يعني الذي في إسناده) ضعفوه، تركه يحيي ابن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي"
٥ - عن علي بن أبي طالب مرفوعًا: " لا تقع بين السجدتين".
قال الترمذي: (٢/ ٧٣):
"غريب لا نعرفه إلا من حديث أبي إسحاق عن الحارث عن علي، وقد ضعف أهل العلم الحارث الأعور" (١).
والأمثلة بنحو هذا كثيرة جدًا في سنن الترمذي وفي هذا القدر كفاية، ومنها يتبين للقارئ الكريم أن الغرابة المذكورة في هذه الأحاديث الخمسة وأمثالها لا يمكن أن تجامع الصحة مطلقًا لتصريح الترمذي فيها بما ينافي الصحة كما سبق، وإنما يمكن أن تجامع الغرابة الصحة عند الترمذي في بعض الأحاديث التي أطلق الترمذي عليها الغرابة ولم ينص على تضعيفها، أو تضعيف أسانيدها، مثل الحديث الذي قال فيه (٢/ ٥٧ - ٥٨):
"حدثنا قتيبة: حدثنا عبدالله بن نافع عن محمد بن عبدالله بن حسن عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن النبي -ﷺ- قال: "يعمد أحدكم فيبرك في صلاته برك الجمل".
قال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه من حديث أبي الزناد إلا من هذا الوجه. قلت: فهذا الحديث صحيح لأن إسناده صحيح رجاله كلهم ثقات رجال مسلم غير
_________________
(١) قلت: بل هو ضعيف جدًا فقد كذبه الشعبي وابن المديني وغيرهما. ومما يدل على كذب حديثه هذا ثبوت الإقعاء المذكور فيه عن النبي -ﷺ- في صحيح مسلم وغيره، فعلى أنصار السنة والمحبين لها أن يفعلوه أحيانًا في صلاتهم.
[ ٢٢ ]
محمد بن عبدالله بن حسن وهو المعروف بالنفس الزكية العلوي وهو ثقة كما قال الحافظ وغيره (١).
فهذا المثال مما يمكن أن يدخل تحت قول الشيخ السابق:
"الغرابة عند الترمذي تطلق على عدة معان قد تجامع الصحة".
وأما الأمثلة الآنفة الذكر، وما يشبهها فلا يمكن إدخالها فيه. فظهر خطأ الشيخ في إطلاقه هذا القول أولًا، وفي استعماله إياه وتطبيقه على ما هو من قبيل الأمثلة الخمسة المتقدم ذكرها ثانيا، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله قريبًا.