٢ - نقلنا في المقال السابق قاعدة الشيخ الثانية وهي قبول الراوي المجهول إن زكاه أحد من أئمة الجرح. فأقول: هذه القاعدة ليست على إطلاقها بل هي مفيدة عند المحققين من المحدثين بما إذا كان المزكي غير متساهل في التزكية، أمثال الإمام أحمد والبخاري وأبي حاتم وغيرهم، أما إذا كان معروفًا بالتساهل في ذلك بناء على قاعدة له في التزكية خالف فيها الأئمة، فإن تزكيته للمجهول غير مقبولة، ولا يخرج المجهول بها عن الجهالة! ومن هؤلاء المتساهلين ابن حبان البُستي صاحب "كتاب الثقات"
[ ١٨ ]
فإن من مذهبه فيه: "أن الرجل إذا انتفت جهالة عينه برواية واحد عنه فهو عدل حتي يتبين جرحه" وهذا خلاف ما تقرر في "مصطلح الحديث" أنه لا تثبت عدالته بذلك بل ولا برواية عدلين عنه، ولذلك قال النووي إنه "لا تقبل روايته عند الجماهير" (١) وقال الحافظ ابن حجر في مقدمة "لسان الميزان" (ص ١٤) بعد أن حكي مذهب ابن حبان المذكور:
"وهذا مذهب عجيب، والجمهور على خلافه، وهذا هو مساك ابن حبان في "كتاب الثقات" الذي ألفه، فإنه يذكر خلقًا ممن نص عليهم أبو حاتم وغيره على أنهم "مجهولون"! تم ذكر الحافظ قول الخطيب:
"إن العدالة لا تثبت برواية الاثنين" فمن شاء فليراجعه فيه.
وقاعدة ابن حبان هذه قل من يتنبه لها من المشتغلين بالحديث، ولهذا تري كثيرًا منهم يوثقون الرجل لمجرد توثيق ابن حبان إياه! وقد يكون غيره قد صرح بتجهيله! كما سبق عن الحافظ ثم يبني هؤلاء على ذلك تصحيح حديث هذا الموثّق! وبهذا يظهر خطر الجهل بأصل بهذه القاعدة وأنها مردودة! ولهذا نبه المحقون من العلماء عليها وحذروا منها فقال الحافظ محمد بن عبد الهادي في "الصارم المناكي" (ص ٩٣):
"وقد علم أن ابن حبان ذكر في هذا الكتاب الذي جمعه في الثقات عددًا كثيرًا وخلقًا عظيمًا من المجهولين الذين لا يعرف هو ولا غيره أحوالهم! وقد صرح ابن حبان بذلك في غير موضع من هذا الكتاب فقال في الطبقة الثالثة:
١ - سهل، يروي عن شداد بن الهاد، روى عنه أبو يعقوب، ولست أعرفه، ولا أدري من أبوه"!
هكذا ذكر هذا الرجل في "كتاب الثقات" ونص على أنه لا يعرفه. وقال أيضًا:
٢ - "حنظلة، شيخ يروي المراسيل، لا أدري من هو، رواه بن المبارك عن إبراهيم بن حنظلة عن أبيه"
_________________
(١) تدريب الراوي (ص ١١٥).
[ ١٩ ]
٣ - "الحسن أبو عبد الله، شيخ يروي المراسيل، روى عنه أيوب، النجار لا أدري من هو ولا ابن من هو"! . وقال أيضًا:
٤ - جميل، شيخ يروي عن أبي المليح بن أسامة، روى عنه عبد الله بن عوف، لا أدري من هو ولا ابن من هو".
وقد ذكر ابن حبان في هذا الكتاب خلقًا كثيرًا من هذا النمط، وطريقته فيه أنه يذكر من لم يعرفه بجرح، وإن كان مجهولًا لم يعرف حاله، وينبغي أن يتنبه لهذا، ويعرف أن توثيق ابن حبان للرجل بمجرد ذكره في هذا الكتاب من أدنى درجات التوثيق".
ولهذا نري المحققين من العلماء لا يوثقون من تفرد ابن حبان بتوثيقه، بل يصرحون بكونه مجهولًا، قال الذهبي في "الميزان":
"أيوب عن أبيه، عنه كعب بن سور مجهول"، قال الحافظ في "اللسان":
"وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: "روى عنه مهدي بن ميمون، لا أدري من هو، ولا ابن من هو"! وهذا القول من ابن حبان يؤيد ما ذهبنا إليه من أنه يذكر في "كتاب الثقات" كل مجهول روى عنه ثقة ولم يجرح ".
ولهذا نجد مئات التراجم في كتاب "تهذيب التهذيب" للحافظ ابن حجر ذكر أن ابن حبان وثقهم، ومع ذلك لم يعتمد عليه الحافظ في كتابه "التقريب" بل قال في كل منهم إنه مجهول وهاك بعضها على سبيل المثال:
١ - أبان بن طارق القيسي.
٢ - بجير بن أبي يحيى.
٣ - حاتم بن أبي نصر القِنَّسريني.
٤ - ضُبارة بن عبد الله الحضرمي.
٥ - طارق بن أبي الحسناء.
٦ - عبد الله بن أبي بكر بن زيد بن المهاجر.
٧ - محمد بن حبيب الجرمي.
٨ - النعمان بن معبد بن هوذة الأنصاري.
٩ - هشام بن هارون الأنصاري.
١٠ - يحيى بن أبي صالح المدني.
[ ٢٠ ]
كل هؤلاء وأمثالهم بالمئات قال الحافظ في ترجمة كل منهم "مجهول" مع توثيق ابن حبان إياهم!
فهذه أدلة قاطعة على أن توثيق ابن حبان غير موثوق به عند العلماء، وأن هذه القاعدة التي ذكرها فضيلة الشيخ ليست على إطلاقها حتى عند الحافظ ابن حجر الذي عزا الشيخ تصحيحها إليه!
فليحفظ هذا فإنه مفيد جدًا في معرض النزاع لاسيما فيما يأتي من ردنا التفصيلي على الشيخ.