الظاهر أن فضيلة الشيخ لم يرد أن يجعل رده علي فيما يتعلق بالحديث فقط، بل أحب أن يتعداه إلى الرد عليَّ فيما يتعلق بأثر ابن مسعود المشار إليه آنفًا، وأنا أعتبر ذلك من
[ ٤٠ ]
تدبيرات الله تعالى اللطيفة، لكي تظهر حقائق النفوس وقيمها العلمية! فقال حضرته (ص ١٣):
"وكيف استدل على ذلك بأثر ابن مسعود؛ بإسناد فيه الصلت وهو مجهول".
قلت: الصلت هذا هو ابن بهرام كما جاء مصرحًا به في سند الأثر نفسه ونقله الشيخ ذاته عني في رسالته (ص ١٢)، فحكم الشيخ عليه بالجهالة من العجائب التي لا تنقضي! ذلك لأنه قول لم يسبقه إليه أحد مطلقًا، فالرجل ثقة اتفاقًا، فقد ترجمه ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٢/ ١/ ٤٣٨) وروي توثيقه عن أحمد وابن معين، وعن ابن عينية أنه قال فيه: "أصدق أهل الكوفة". ووثقه غير هؤلاء أيضًا كالبخاري وغيره، فمن شاء الوقوف على ذلك فليراجع "لسان الميزان" للحافظ ابن حجر (٣/ ١٩٤).
وهذا الخطأ من فضيلة الشيخ مثال من الأمثلة الكثيرة على أن فضيلته لا يوثق بعلمه مطلقًا في علم الحديث وتراجم الرجال، ولا يكفي فيه الصلاح والتقوى كما قد يظن بعض المغفلين! بل لا بد مع ذلك من اليقظة والنباهة وعدم الغفلة، فإن كل مشتغل بهذا العلم الشريف على علم بما قاله المحدثون في بعض الصالحين! فقال ابن عدي: "سمعت أحمد بن خالد يقول: كان وهب بن حفص من الصالحين مكث عشرين سنة لا يكلم أحدًا (!) قال أبو عروبة: كان يكذب كذبًا فاحشًا. وعن يحيى بن سعيد القطان قال: "ما رأيت الكذب في أحد أكثر منه فيمن ينسب إلى الخير والزهد" (١).
قلت: وذلك لكثرة غفلتهم وحسن ظنهم بكل من يحدثهم أو ينقل لهم من الكتب، وأنا أخشى أن يكون الشيخ وقع في مثل هذا، فقد علمت أنه يكلف بعض الطلبة ممن لا علم لهم بالحديث والتراجم أن يراجعوا له بعض الكتب في المكاتب
_________________
(١) اللآلي المصنوعة للسيوطي (٢/ ٤٧٠).
[ ٤١ ]
العامة، ثم هو يعتمد على ما يقدمونه إليه من النقول التي أرجو أن لا يكون الحامل على الخطأ فيها العداء المذهبي والبغض الشخصي، وإنما الجهل والغفلة فقط!
هذا ومع أن الصلت هذا ثقة فإنه لم يدرك ابن مسعود كما كنت أشرت له هناك في مقال حديث "نعم المذكر السبحة".
ولكن هذه الإشارة لم تعجب فضيلة الشيخ فقال (ص ١٣ - ١٤):
"وماذا يفيد قولك (في الصلت وهو من أتباع التابعين) ".
قلت: لا أدري كيف تخفى فائدة هذا القول على الشيخ وهو يدعي العلم بالحديث وقواعده، حتى لقد أوهم أتباعه أنه وحيد زمانه في هذا العلم وغيره! فقد وصفوه بأنه: العالم العلامة القدوة الكامل جاوي شتات الفضائل المحدث الكبير، الفقيه النحرير " وأقرهم هو نفسه على هذه الكلمات في بعض رسائله، مع علمه بقوله -ﷺ-: "احثوا في وجوه المداحين التراب"!
وأما فائدة قولي هذا فلا تخفى على مبتدئ في هذا العلم وهي الإشارة إلى أن السند منقطع بين الصلت وابن مسعود، لأنه إذا كان الصلت من أتباع التابعين فيدعي أنه لم يسمع من ابن مسعود، ولولا قولي هذا لكنت كاتمًا للعلم، وموهمًا للناس صحة الأثر وهذا مما لا يجوز عندنا، ولو أنه حجة لي، فهذا مما لا يبدر لي السكوت عنه.