أما حديث سعد فقد كنت ضعفته لأمرين:
الأول: جهالة أحد رواته: "خزيمة" ونقلته عن الذهبي والحافظ ابن حجر.
الثاني: اختلاط سعيد بن أبي هلال" ونقلته عن الإمام أحمد".
_________________
(١) فائدة: قد صح الحديث بلفظ أتم من هذا يتبين منه أن بروك الجمل المذكور فيه هو ما يفعله أكثر المصلين حين هويهم إلى السجود! وهو وضعهم الركبتين قبل الكفين! فقال -ﷺ-: "إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه" رواه أبو داود والنسائي والدارمي والطحاوي في كتابيه والدارقطني والبيهقي. وكذا أحمد وابن حزم وإسناده. قال النووي والزرقاني "جيد"، وقد تكلمت على معنى الحديث باختصار في كتابي: "صفة صلاة النبي -ﷺ-" الطبعة الثانية (ص ١٠٠ - ١٠١) فعلى محيي السنة أن يحبوا هذه السنة أيضًا ولا يغتروا بما عليه أكثر الناس!
[ ٢٣ ]
فرد الشيخ الأمر الأول (ص ١٩ - ٢٠) بأن خزيمة ذكره ابن حبان في "الثقات" قال: "فهو عنده ثقة".
ورد الأمر الثاني (ص ٢٠) بقوله "فيكفي بأن ابن أبي هلال أخرج له الستة"! والجواب عن رده الأول أن توثيق ابن حبان غير معتبر به عند العلماء كما سبق بيانه عن العلماء في الكلام على القاعدة الثانية، ولذلك لم يوثق خزيمة هذا أحد غير ابن حبان بل قال فيه الذهبي وابن حجر: "لا يعرف" كما ذكرته مرارًا فسقط رد الشيخ هذا وانهار، وكأن حضرته كان يشعر بضعف تمسكه بهذا التوثيق ولذلك قال: "فهو عنده ثقة" يعني عند ابن حبان، فإن هذا القيد "عنده" له مفهوم إن اعتبرناه فعبارة الشيخ حينئذ تفيد أن خزيمة غير ثقة عند الشيخ! ولكن الظاهر أنه لم يرد هذا المفهوم بدليل اعتداده بتوثيق ابن حبان ورده لحكمي بجهالة كنانة الآتي ذكره في حديث صفية؛ لأن ابن حبان وثقه أيضًا كما سيأتي وعلى هذا، فقول الشيخ: "عنده" كلام لا معنى له!
وحينئذ أسأل فضيلة الشيخ كيف جاز لك أن تعرض عن كلام العلماء المحققين الذين يبنوا ضعف توثيق ابن حبان مثل الذهبي وابن عبد الهادي والعسقلاني وغيرهم، وظللت أنت متمسكا بتوثيق ابن حبان كأنه توثيق معتبر به؟ ! إن كان لا علم لك بذلك فكيف خفي ذلك عليك وأنت في صدد الانتصار للحديث وأهله؟ ! وإن كان لم يخف عليك فبأي حجة خالفت هؤلاء الأئمة؟ ثم كيف يخفى عليك هذا، والظاهر أنك تتتبع ما أكتبه في هذه المجلة الكريمة من بيان الأحاديث الضعيفة وطريقتي في ذلك، وأنا قد ذكرت مرارًا تارة مفصلًا وأحيانًا مجملًا عدم اعتدادي بتوثيق ابن حبان، فكان اللائق بك وقد عرفت رأيي هذا أن لا ترد علي بشيء ليس من مذهبي ولا من مذهب العلماء الذين من قبلي، إنما الواجب الذي
[ ٢٤ ]
يقتضيه البحث العلمي أن تبين أولًا فساد هذا المذهب الذي تمسك به العلماء المشار إليهم وتبعتُهم عليه، ثم تبني على ذلك صحة الاعتداد بتوثيق ابن حبان، إنك لو فعلت ذلك جاز لك حينئذ أن ترد حكمي بجهالة أحد الرواة متبعًا في ذلك العلماء التقاد بتمسكك بتوثيق ابن حبان له، ولكنك لم تفعل ذلك ولن تستطيع إلى ذلك سبيلا! وأما الجواب عن رده اعلالنا الحديث باختلاط ابن أبي هلال بقوله السابق: "يكفي أنه أخرج له الستة "
فأقول: الجواب على شطرين:
الأول: يتعلق بإخراج أصحاب السنن الأربعة له، فهذا لا حجة فيه مطلقًا لأنه من المعروف عند المشتغلين بعلم الحديث أن الأربعة لا يتقيدون في كتبهم هذه بالرواية عن الثقات فقط، بل يروون أيضًا عن الضعفاء، وعن المتروكين وبعضهم عن بعض الكذابين أيضًا! وما أظن أن الشيخ ينازع في هذا فلا أطيل القول فيه.
الثاني: إخراج الشيخين له، فهذا في ظاهره حجة للشيخ وليس كذلك لأمرين:
١ - أنه يجوز أنهما أخرجا له ولم يطلعا على ما اطلع عليه الإمام أحمد من اختلاطه، فهما معذوران بل مأجوران في إخراجهما له، ولكن هذا لا يلزمنا نحن الاعراض عن حكم الإمام أحمد باختلاطه، لأمرين اثنين تقررا في علم الأصول:
الأول: من علم حجة على من لم يعلم.
الثاني: الجرح مقدم على التعديل.
فهذه القواعد مع قول أحمد السابق كل ذلك حملني على إعلال الحديث بابن أبي هلال أيضًا، وإن كنت أعلم أنه من رجال الشيخين.
٢ - ويجوز أنهما أخرجا له مع علمهما باختلاطه، وحينئذ فالظن بها أنهما لم يخرجا له إلا ما علما أنه من حديثه قبل اختلاطه، ففي المختلطين جماعة استطاع المدققون من علماء الحديث أن يميزوا حديثهم قبل الاختلاط من حديثهم بعدهم الاختلاط، فلعل هذا متهم عند الشيخين، قال ابن الصلاح في مقدمة علوم الحديث في معرفة من اختلط في آخر عمره من الثقات (ص ٣٩١ الطبعة الحلبية):
[ ٢٥ ]
"والحكم فيهم أنه يقبل حديث من أخذ عنهم قبل الاختلاط، ولا يقبل حديث من أخذ عنهم بعد الاختلاط، أو أشكل أمره فلم يدر هل أخذ عنه قبل الاختلاط أو بعده".
ثم قال (ص ٤١٢):
"اعلم أن من كان من هذا القبيل محتجًا بروايته في الصحيحين أو أحدهما فإنا نعرف على الجملة أن ذلك مما تميز وكان مأخوذًا قبل الاختلاط".
ونقله عنه الحافظ برهان الدين الحلبي في مقدمة رسالته "الاغتباط بمعرفة من رمي بالاختلاط" ثم قال (ص ٣).
"وهذا من باب إحسان الظن بها".
ففي كلام هذين الإمامين ما يبين أن في رجال الصحيحين جماعة من المختلطين، فلا يجوز تنزيههم عن الاختلاط لمجرد كونهم من رجالهما، كما لا يجوز الاحتجاج بحديثهم إلا بعد التبين أنه من حديثهم قبل الاختلاط.
فانظر أيها القارئ الكريم ما أبعد كلام حضرة الشيخ عن الصواب إنه يرد دعواي اختلاط ابن أبي هلال لمجرد كونه من رجال الشيخين، والعلماء يقولون إن في رجالهم غير واحد من المختلطين!
وبعد ثبوت اختلاط ابن أبي هلال هذا وعدم تبين كونه روى هذا الحديث قبل الاختلاط يظل إعلالي به لهذا الحديث قائمًا، ورد الشيخ له واهيًا بل باطلًا.