غير أنه قد جاء في صدد كلام الشيخ المشار إليه جملة، نسب فيها إلى الحافظ ابن حجر ما لم يقله، ذلك أنه اعترض على حكي السابق بأنه
"مبني على توحيد الحديثين، وقد أثبت الحافظ تغاريرهما".
وجوابًا على هذا أقول:
إن ما نسبته الحافظ لم تذكر المصدر الذي استندت عليه فيه، وأنا أقطع أن ذلك فهم منك بناء على ما توهمته أنت من أن تحسين الحافظ للحديث معناه تحسين منه لكل جملة، بل وكل لفظة وردت فيه، وليس الأمر كذلك كما سبق بيانه بالحجة المقنعة ويؤيد هذا ما ذكره ابن علان في"شرح الأذكار" تحت حديث سعد المتقدم بلفظ: أنه دخل مع رسول الله -ﷺ- على امرأة وبين يديها نوى أو حصى. الحديث قال ابن علان (١/ ٢٤٥):
"قال صاحب السلاح: فيحتمل أن تكون المرأة المبهمة في الحديث في صفية قال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن تكون جويرية".
[ ٣٩ ]
أقول: فهذا نص من الحافظ ابن حجر ﵀ يبطل ما نسبه إليه فضيلة الشيخ من تغاير الحديثين، إذ لو كان الأمر كما حكى الشيخ عنه لجزم الحافظ بأن المراة المبهمة في حديث سعد إنما هي صفية كما هو مصرح به في حدثيهما -كما سبق في أول هذا الرد- وذلك لتشابه حديثيهما، وتقوية الحافظ إياهما، وورود ذكر النوي فيهما، ولما ذكر احتمال كونها جورية؛ لأن حديثها ليس فيه ذكر النوي، وهو مغاير لحديث صفية في رأي الشيخ وفيها نسبه إلى الحافظ بسوء فهمه!
والحق أن قول الحافظ بالاحتمال المذكور يؤيد تأيدًا قويًا ما ذهبت إليه في المقال السابق أنه لا يلزم من تحسين الحافظ لحديث صفية تحسين كل ما ورد فيه من الجمل والألفاظ، وكذلك يقال في تصحيحه لحديث سعد، ألا ترى أنه لو كان الأمر على خلاف ما ذهبت إليه وعلى وفق ما توهمه حضرة الشيخ لكان الحافظ جزم أو رجح على الأقل أن المرأة هي صفية وليست جويرية، لأن الحديث الذي حسنه الحافظ فيه التصريح بأنها صفية، فعدول الحافظ عن الجزم بهذا إلى ذكر احتمال كونها جويرية دليل واضح منه على أنه لا يمتد بكل عبارة أو لفظة وردت في حديث حسن لغيره، والسبب في هذا سبق ذكره في المقال السابق، فمن شاء فليراجعه إن كان ناسيًا.
وخلاصة القول أنه إذا جاز للحافظ أن لا يحتج بعض ما جاء في حديث صفية الذي حسن هو إسناده، أفلا يجوز لي أن لا أثق بي آخر ورد فيه لا يوجد في غيره ما يقويه؟ لا سيما وفي السنة الصحيحة ما يخالفه، وفي أثر ابن مسعود ما يرده كما سبق بيانه.