الشيعة الإثنا عشرية ونزول الوحي والملائكة بعد الرسل
إن السيد الدكتور وافي ذكر في الباب الثاني أيضًا عند كلامه عن الشيعة والسنة النبوية أن الشيعة يعتقدون العصمة والإلهام في أئمتهم (١).
ثم اعتذر لهم بثبوت الإلهام لكثير من الصحابة، وأنه لا لوم في هذا الاعتقاد، كما نفى عن الشيعة اعتقادهم بنزول الوحي بعد رسول الله - ﷺ - على أحد (٢).
مع أن سيادته لم يدر حقيقة مذهب الشيعة في هذا كالمعهود عنه، أو تجاهل - لا قدر الله - تسامحًا وتكرمًا وتحببًا وتقربًا إليهم، لأن الشيعة يعتقدون نزول الوحي على أئمتهم وعن طريق جبريل وعن طريق ملك أعظم وأفضل من جبريل، فإن أئمتهم في الحديث بوبوا أبوابًا مستقلة في هذا الخصوص ولو تفضل سيادته بإلقاء النظرة العابرة الخاطفة على فهارس كتبهم في الحديث دون تحمل العناء والمشقة في قراءة الروايات وتلاوة الأخبار المروية الواردة في هذا الباب لعلم يقينًا بأن القوم في هذا الباب أيضًا يختلفون مع الأمة المسلمة اختلافًا كليًا، وينتهجون مسلكًا بعيدًا عن مسلكهم ومذهبهم كل البعد. ونحن نكتفي لبيان معتقداتهم المعارضة لعقائد الأمة أجمعها بذكر عناوين بعض الأبواب التي زينوا بها صحاحهم ومجاميعهم في أوصاف أئمتهم من الكتب المعتمدة الموثوق بها المعتبرة في الحديث لديهم، ولا نسرد كل الروايات التي أوردوها في هذه الأبواب من تلك الكتب، بل نكتفي بخبر أو خبرين من الأخبار الكثيرة الكثيرة التي رووها فيها، ليحق الله الحق ويبطل الباطل
_________________
(١) بين الشيعة وأهل السنة ص٤٨
(٢) انظر بين الشيعة وأهل السنة ص٤٣
[ ١٢٧ ]
ولو كره المجرمون.
فيروي محمد بن الحسن الصفار المتوفى سنة ٢٩٠هـالذي يعدونه من أصحاب الإمام المعصوم الحادي عشر - حسب زعمهم - الحسن العسكري (١).
ويعدونه "ثقة، عظيم القدر، راجحًا، قليل السقط في الرواية" (٢).
و"ثقة جليلًا، صدوقًا" (٣).
وهو من أساتذة الكليني صاحب الكافي.
كما أن كتابه (بصائر الدرجات الكبرى في فضائل آل محمد) بعد من الكتب المعتمدة المهمة والأصول المعتبرة الشيعية التي عليها اعتماد أئمة الشيعة في الحديث كما صرح بذلك المجلسي والأصفهاني والحر العاملي وغيرهم من أعاظم القوم في هذا الفن (٤) وخاصة أن له لقاءات ومسائل مع الحسن العسكري المذكور كما صرح بذلك الطوسي في رجاله (٥).
يروي الصفار ذاك في كتابه هذا في أجزائه العشرة أخبارًا كثيرة لا تعد ولا تحصى في إثبات الوحي على أئمة الشيعة ونزول الملائكة عليهم تحت عناوين كثيرة في أبواب شتى، فنبدأ بسرد عناوين الأبواب والروايات:
الباب السادس عشر من الجزء الثامن في أمير المؤمنين أن الله ناجاه بالطائف وغيرها ونزل بينهما جبريل.
وروى تحته روايات عشرًا، منها:
"عن حمران بن أعين قال: قلت لأبي عبد الله ﵇: جعلت فداك، بلغني أن الله ﵎ قد ناجى عليًا ﵇؟
قال: أجل! قد كان بينهما مناجاة بالطائف نزل بينهما جبريل" (٦).
_________________
(١) رجال الطوسي ص٤٣٦
(٢) انظر رجال النجاشي ص٢٥١، وابن داود ص٣٠٧، وجامع الرواة ج٢ ص٩٣، وخلاصة الرجال ص٧٣، والكنى والألقاب ج٢ ص٣٧
(٣) وسائل الشيعة ج٢٠ ص٣٩ وص٣٢٣ ط سادسة طهران
(٤) انظر لذلك وسائل الشيعة ج٢٠ ص٣٩، والبحار وغيرهما من الكتب
(٥) انظر لذلك وسائل الشيعة ج٢٠ ص٤٣٦، والبحار وغيرهما من الكتب
(٦) بصائر الدرجات الكبرى الجزء الثامن الباب السادس عشر ص٤٣٠ - ط إيران
[ ١٢٨ ]
وروي عن أبي نافع قال:
لما دعا رسول الله - ﷺ - عليًا يوم خيبر، فتفل في عينيه وقال له: إذا أنت فتحتها فقف بين الناس، فإن الله أمرني بذلك. قال أبو رافع: فمضى علي ﵇ وأنا معه، فلما أصبح افتتح خيبر ووقف بين الناس وأطال الوقوف، فقال الناس:
إن عليًا ﵇ يناجي ربه، فلما مكث ساعة أمر بانتهاب المدينة التي فتحها، قال أبو رافع: فأتيت رسول الله - ﷺ -، فقلت: إن عليًا ﵇ وقف بين الناس كما أمرته، قال قوم منهم:
إن الله ناجاه، فقال: نعم يا رافع! إن الله ناجاه يوم الطائف ويوم عقبة ويوم حنين، ويوم غُسِّلَ رسول الله (١).
وهذا ليس من اختصاصات علي ﵁ حسب معتقد الشيعة، بل يشاركه فيها غيره من الأئمة الاثنى عشر كما يصرح بذلك القوم، ومنها ما رواه الصفار في الجزء التاسع من كتابه تحت عنوان (الباب الخامس عشر في الأئمة ﵈ أن روح القدس يتلقاهم إذا احتاجوا إليهم) وروى تحته ثلاثة عشر حديثًا عن أسباط عن أبي عبد الله جعفر أنه قال:
"قلت: تسألون عن الشيء فلا يكون عندكم علمه؟
قال: ربما كان كذلك.
قلت: كيف تصنعون؟
قال: تلقانا به روح القدس" (٢).
ثم بوب بابًا آخر بعنوان (باب الروح التي قال الله في كتابه: ﴿وكذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا﴾، إنها في رسول الله - ﷺ - وفي الأئمة يخبرهم ويسددهم ويوفقهم).
وذكر تحته خمشة عشر خبرًا، منها ما رواه عن أبي بصير قال:
"قلت لأبي عبد الله ﵇: جعلت فداك عن قول الله ﵎:
_________________
(١) بصائر الدرجات الكبرى ص٤٣١
(٢) بصائر الدرجات للصفار الباب الخامس عشر الجزء التاسع ص٤٧١
[ ١٢٩ ]
﴿وكذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلنه نورًا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم * صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور﴾. (١). قال: يا أبا محمد: خلق والله أعظم من جبرئيل وميكائيل، وقد كان مع رسول الله - ﷺ - يخبره ويسدده، وهو مع الأئمة يخبرهم ويسددهم" (٢).
وروى مثل هذا الكليني في كافيه تحت عنوان (باب الروح التي يسدد الله بها الأئمة ﵈) عن أسباط بن سالم قال: سأل رجل من أهل هيت أبا عبد الله ﵇ عن قول الله ﷿: ﴿وكذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا ..﴾ فقال:
"منذ أن أنزل الله ﷿ ذلك الروح على محمد - ﷺ - ما صعد إلى السماء، وإنه لفينا - وفي رواية: كان مع رسول الله يخبره ويسدده، وهو مع الأئمة من بعده" (٣).
هذا ولقد أورد الصفار الثقة الجليل الصدوق لدى الشيعة رواية أخرى تحت باب (ما يسأل العالم عن العلم الذي يحدث به من صحف عندهم ازداده أو رواية فأخبر بسر وإن ذلك من الروح):
"عن عبد الله بن طلحة قال: قلت لأبي عبد الله ﵇:
أخبرني يا ابن رسول الله - ﷺ - عن العلم الذي تحدثونا به أمن صحف عندكم أم من رواية يرويها بعضكم عن بعض أو كيف حال العلم عندكم؟ قال:
يا عبد الله! الأمر أعظم من ذلك وأجل، أما تقرأ كتاب الله؟.
قلت: بلى! قال: أما تقرأ: ﴿وكذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا
_________________
(١) سورة الشورى - ٥٢ وما بعدها
(٢) بصائر الدرجات الكبرى للصفار الباب السادس عشر من الجزء التاسع ص٤٧٥
(٣) الكافي في الأصول كتاب الحجة ج١ ص٢٧٣ ط طهران
[ ١٣٠ ]
ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان﴾ أفترون أنه كان في حال لا يدري ما الكتاب ولا الإيمان؟ قال: قلت: هكذا نقرؤها! قال: نعم، قد كان في حال لا يدري ما الكتاب ولا الإيمان حتى بعث الله تلك الروح فعلمه بها العلم والفهم، وكذلك تجري تلك الروح إذا بعثها الله إلى عبد علمه بها العلم والفهم - وفي رواية: تعرض بنفسه ﵇ (أي أراد من العبد نفسه) " (١).
وعنون بابًا آخر بعنوان (باب الروح التي قال الله: ﴿ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي﴾: (٢) إنها في رسول الله - ﷺ - وأهل بيته ﵈ يسددهم ويوفقهم ويفقههم).
وذكر تحته اثنى عشر حديثًا، منها ما رواه عن أبي بصير قال:
"سمعت أبا عبد الله ﵇ يقول: ﴿يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي﴾ قال: ملك أعظم من جبرئيل وميكائيل لم يكن مع أحد ممن مضى غير محمد - ﷺ -، وهو مع الأئمة يسددهم" (٣).
وأورد هذه الروايات الكليني في (الكافي) عن أبي بصير أيضًا وغيره بلفظ: "وهو من الملكوت" (٤).
ثم عقد الصفار بابًا آخر (باب في الروح التي قال الله ﷿: ﴿ينزل الملائكة بالروح من أمره ..﴾. (٥) وهي تكون مع الأنبياء والأوصياء) (٦).
وذكر تحته روايات عديدة. كما بوّب بابًا آخر بعنوان (باب في الإمام أنه يعلم الساعة التي يمضي فيها وما يزاد في الليل والنهار ولا يوكّل إلى نفسه).
وأورد تحته تسع روايات (٧).
_________________
(١) بصائر الدرجات الباب السابع عشر من الجزء التاسع ص٤٧٨، ٤٧٩
(٢) سورة الإسراء - ٨٥
(٣) بصائر الدرجات الكبرى الباب الثامن عشر من الجزء التاسع ص٤٨١
(٤) الكافي كتاب الحجة باب الروح الذي يسدد الله به الأئمة ج١ ص٢٧٣
(٥) سورة النحل - ٢
(٦) انظر الباب التاسع عشر من الجزء التاسع ص٤٨٣
(٧) انظر الباب العشرين من الجزء التاسع ص٤٨٤
[ ١٣١ ]
وقبل أن ننتقل إلى الجزء الآخر من هذا الكتاب نريد أن نذكر أنه ما من كتاب في الأخبار والروايات والحديث عند الشيعة إلا وفيه أبواب مستقلة بمثل هذه الأبواب التي بوبها الصفار، وأورد أصحابها تلك الروايات بعينها أو مثيلاتها التي أوردها الصفار في (بصائر الدرجات)، من المتقدمين والمتأخرين.
فمثلًا يعقد الحر العاملي بابًا في كتابه (الفصول المهمة في أصول الأئمة) جاء فيه: إن الملائكة ينزلون ليلة القدر إلى الأرض ويخبرون الأئمة ﵈ بجميع ما يكون في تلك السنة من قضاء وقدر، وإنهم يعلمون كل علم الأنبياء ﵈.
ثم سرد تحته روايات كثيرة في هذا المعنى (١).
كما أنه عقد أبوابًا أخرى لبيان هذه العقيدة الواضحة الصريحة الثابتة لدى الشيعة مثل غيره من محدثي الشيعة ومتكلميهم، ونحن نورد بعضًا منها في خاتمة الكلام.
ولقد بوب الصفار أبوابًا عديدة في الجزء الثامن من كتابه لبيان أن أئمة الشيعة يوحى إليهم، ويتنزل عليهم الملائكة.
فإنه عنون الباب التاسع من الجزء الثامن بعنوان (باب ما تزاد الأئمة ويعرض على كل من كان قبلهم من الأئمة، رسول الله ومن دونه من الأئمة ﵈).
وروى تحته أحد عشر حديثًا ومنها ما رواه عن سماعة بن مهران قال:
"قال أبو عبد الله ﵇: إن لله عالمين، عالمًا أظهر عليه ملائكته، وأنبياءه ورسله، فما أظهر عليه ملائكته ورسله وأنبياءه فقد علمناه، وعالمًا استأثر به، فإذا بدا لله في شيء منه أعلمناه ذلك، وعرض على الأئمة الذين كانوا من قبلنا" (٢).
وفي باب آخر بعنوان (باب في الأئمة أنهم يزادون في الليل والنهار،
_________________
(١) انظر كتاب الفصول المهمة في أصول الأئمة باب ٩٤ ص١٤٥
(٢) بصائر الدرجات الكبرى الباب التاسع من الجزء الثامن ص٤١٤
[ ١٣٢ ]
ولولا ذلك لنفد ما عندهم) سرد ثماني روايات، منها ما رواه عن أبي حمزة الثمالي قال:
"قلت: جعلت فداك كل ما كان عند رسول الله - ﷺ - فقد أعطاه أمير المؤمنين بعده، ثم الحسن بعد أمير المؤمنين ﵇، ثم الحسين، ثم كل إمام إلى أن تقوم الساعة؟
قال: نعم، مع الزيادة التي تحدث في كل سنة وفي كل شهر، إي والله .. وفي كل ساعة" (١).
وما رواه عن بشر بن إبراهيم أنه قال:
"كنت جالسًا عند أبي عبد الله ﵇ إذ جاءه رجل فسأله عن مسألة؟ فقال: ما عندي فيها شيء، فقال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون، هذا الإمام مفترض الطاعة سألته عن مسألة فزعم أنه ليس عنده فيها شيء، فأصغى أبو عبد الله ﵇ أذنه إلى الحائط كأن إنسانًا يكلمه، فقال:
أين السائل عن مسألة كذا وكذا؟ وكان الرجل قد جاوز أسكفة (عتبة) الباب. قال: هاأنذا، فقال: القوم فيها هكذا. ثم التفت إلي فقال:
لولا نزاد لنفد ما عندنا" (٢).
ثم أورد بابًا آخر (باب في الأئمة أنهم يعرفون بالإخبار من هو غائب عنهم).
وسرد تحته روايات عديدة (٣).
وبالمناسبة ما دمنا أوردنا روايات وذكرنا أبوبًا من (بصائر الدرجات الكبرى) لثقة الشيعة بالأئمة وعظيم تقديرهم لأوصاف الأئمة نريد أن نذكر بابًا آخر عقده في آخر جزء من هذا الكتاب لطرافته ولو أنه لا علاقة له بموضوعنا رأسًا، وهو باب عنونه بعنوان (باب في ركوب أمير المؤمنين ﵇ السحاب، وترقيه في الأسباب والأفلاك).
_________________
(١) بصائر الدرجات الكبرى الباب العاشر من الجزء الثامن ص٤١٥
(٢) بصائر الدرجات الكبرى الباب العاشر من الجزء الثامن ص٤١٦
(٣) بصائر الدرجات الكبرى الباب الحادي عاشر ص٤١٦ وما بعد
[ ١٣٣ ]
وأطرف من ذلك أن المعلق على الكتاب وهو علامة الشيعة وحجتهم ميرزه محسن، علق على العنوان بقوله:
ولا يخفى ما في عنوان الباب فإنه لا يختص بعلي ﵇ بل به، وبالحجة المنتظر ﵉" (١).
وروى تحت هذا الباب روايات عديدة، منها ما روي عن أبي جعفر أنه قال:
"أما إن ذا القرنين قد خير السحابين، فاختار الذلول وذخر لصاحبكم الصعب. قلت: وما الصعب؟
قال: ما كان من سحاب فيه رعد وبرق وصاعقة فصاحبكم يركبه، أما إنه سيركب السحاب ويرقى في الأسباب أسباب السماوات السبع، خمسة عوامر واثنين خراب، وفي رواية أخرى: أسباب السماوات السبع والأرضين السبع" (٢).
ونرجع إلى موضوعنا فنقول: إن الصفار أدرج في الجزء السابع من الكتاب أيضًا أبوابًا كثيرة في هذا الموضوع، وسرد تحتها روايات كثيرة، منها الباب الثاني بعنوان (باب في الإمام بأنه إن شاء أن يعلم العلم لعلم).
منها ما رواه عن عمرو بن سعيد المدائني:
عن أبي عبد الله ﵇ قال:
"إذا أراد الإمام أن يعلم شيئًا علمه الله ذلك" (٣).
وبابًا آخر بعنوان (ما يفعل بالإمام من النكت والقذف والنقر في قلوبهم وآذانهم).
أورد تحته ثلاث عشرة رواية. منها عن الحارث بن مغيرة أنه قال:
"قلت لأبي عبد الله ﵇: هذا العلم الذي يعلمه عالمكم أشيء يلقى في قلبه أو ينكت في أذنه، فسكت حتى غفل القوم، ثم قال: ذاك وذاك" (٤).
_________________
(١) بصائر الدرجات الكبرى الباب الخامس عشر من الجزء الثامن ص٤٢٨، وهامش رقم ١ أيضًا
(٢) بصائر الدرجات الكبرى الباب الخامس عشر من الجزء الثامن ص٤٢٩
(٣) بصائر الدرجات الكبرى الباب الثاني من الجزء السابع ص٣٣٥
(٤) بصائر الدرجات الكبرى الباب الثالث من الجزء السابع ص٣٣٧
[ ١٣٤ ]
وفي رواية: فقال: وحي كوحي أم موسى، ورواية أخرى: وقد يكونان معًا" (١).
وعن النجاشي عن أبي عبد الله ﵇ أنه قال:
"فينا والله من ينقر في أذنه وينكت في قلبه وتصافحه الملائكة.
قلت: كان، أو يكون، أو اليوم؟
قال: بل اليوم.
قلت: كان، أو اليوم؟
قال: بل اليوم والله يا ابن النجاشي حتى قالها ثلاثًا" (٢).
وباب آخر (باب فيه تفسير الأئمة لوجود علومهم الثلاثة وتأويل ذلك).
وروى تحته روايات منها ما رواها عن علي السائي قال:
"سألت الصادق ﵇ عن مبلغ علمهم؟ فقال: مبلغ علمنا ثلاثة وجوه: ماض وغابر وحادث، فأما الماضي فمفسر، وأما الغابر فمزبور (٣). وأما الحادث فقذف في القلوب ونقر في الأسماع وهو أفضل علمنا ولا نبي بعد نبينا، وفي رواية: وأما النقر في الأسماع فإنه من الملك" (٤).
وباب آخر (باب في الأئمة ﵈ محدثون مفهمون)، وروى تحته ثماني روايات، منها:
"عن الحكم بن عيينة قال: دخلت على علي بن الحسن يومًا فقال لي: يا حكم .. هل تدري ما الآية التي كان علي بن أبي طالب ﵇ يعرف بها صاحب قتله ويعلم بها الأمور العظام التي كان يحدث بها الناس؟ قال الحكم: فقلت في نفسي: قد وقفت على علم من علم علي بن الحسين أعلم بذلك تلك الأمور العظام. قال: فقلت: لا والله! لا أعلم به، أخبرني بها يا ابن رسول الله - ﷺ -. قال:
_________________
(١) بصائر الدرجات الكبرى الباب الثالث من الجزء السابع ص٣٣٧، ٣٣٨
(٢) بصائر الدرجات الكبرى الباب الثالث من الجزء السابع ص٣٣٨
(٣) أي مكتوب
(٤) بصائر الدرجات الكبرى الباب الرابع من الجزء السابع ص٣٣٨
[ ١٣٥ ]
والله! قول الله: ﴿وما أرسلنا من رسول ولا نبي ولا محدث﴾، فقلت: وكان علي بن أبي طالب محدثًا؟
قال: نعم! وكل إمام منا أهل البيت فهو محدث" (١).
وفي الباب الذي يليه يبين من هو المحدث، وما هو شأنه؟ بعنوان (باب في أن المحدث كيف صفته؟ وكيف يصنع به؟ وكيف يحدث الأئمة؟).
وأورد تحته ثلاث عشرة رواية، ومنها ما يرويها عن ابن أبي يعفور أنه قال:
"قلت لأبي عبد الله ﵇: إنا نقول: إن عليًا ﵇ لينكت في قلبه، أو ينقر في صدره وأذنه؟
قال: إن عليًا ﵇ كان محدثًا. قال: فلما أكثرت عليه قال: إن عليًا ﵇ كان يوم بني قريظة وبني النضير كان جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن يساره يحدثانه" (٢).
وروى عن علي بن الحسين أنه قال:
"علم علي ﵇ في آية من القرآن وكتمنا الآية. قال: اقرأ يا حمران فقرأت: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي. قال: فقال أبو جعفر ﵇: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث. قلت: وكان علي ﵇ محدثًا؟
قال: نعم! فجئت إلى أصحابنا، فقلت: قد أصبت الذي كان الحكم يكتمنا. قال: قلت: قال أبو جعفر ﵇ كان يقول: علي ﵇ محدث، فقالوا لي: ما صنعت شيئًا .. ألا سألته من يحدثه؟
قال: فبعد ذلك إني أتيت أبا جعفر ﵇ فقلت: أليس حدثني أن عليًا ﵇ كان محدثًا؟
قال: بلى! قلت: من يحدثه؟
قال: ملك يحدثه. قال: قلت: أقول: إنه نبي أو رسول؟
_________________
(١) بصائر الدرجات الكبرى الباب الخامس من الجزء السابع ص٣٣٩، ٣٤٠
(٢) بصائر الدرجات الكبرى الباب السادس من الجزء السابع ص٣٤١
[ ١٣٦ ]
قال: لا. قال: بل مثله مثل صاحب سليمان ومثل صاحب موسى، ومثله مثل ذي القرنين" (١).
وباب آخر (باب من يلقى شيء بعد شيء يومًا بيوم وساعة بساعة مما يحدث).
وروى تحته عن ضريس أنه قال:
"كنت مع أبي بصير عند أبي جعفر ﵇، فقال له أبو بصير: بم يعلم عالمكم جعلت فداك؟
قال: يا أبا محمد! إن عالمنا لا يعلم الغيب، ولو وكل الله عالمنا إلى نفسه كان كبعضكم ولكن يحدث إليه ساعة بعد ساعة" (٢).
وروى أيضًا عن أبي بصير قال:
"قلت لأبي عبد الله ﵇: جعلت فداك، أي شيء هو العلم عندكم؟ قال: ما يحدث بالليل والنهار والأمر بعد الأمر والشيء بعد الشيء إلى يوم القيامة، وفي رواية أخرى: ما يحدث بالليل والنهار يومًا بيوم وساعة بساعة" (٣).
وباب آخر (باب في الأئمة ﵈ ورثوا العلم عن رسول الله - ﷺ - وعن علي ﵇، وإن العلم يقذف في صدورهم وينكت في آذانهم).
وأورد تحته تسع روايات.
وفي الجزء السادس روى رواية في (باب في أمير المؤمنين ﵇ أن النبي - ﷺ - علمه العلم كله، وشاركه في العلم ولم يشاركه في النبوة).
عن حمران أنه قال:
"قلت لأبي عبد الله ﵇: جعلت فداك: قد بلغني أن الله قد ناجى
_________________
(١) بصائر الدرجات الكبرى الباب السادس من الجزء السابع ص٣٤٤
(٢) بصائر الدرجات الكبرى الباب السادس من الجزء السابع ص٣٤٥
(٣) بصائر الدرجات الكبرى الباب السابع من الجزء السابع ص٣٤٥
[ ١٣٧ ]
عليًا؟ قال: أجل! قد كان بينهما مناجاة بالطائف ونزل بينهما جبريل، وقال: إن الله علم رسوله الحلال والحرام والتأويل، فعلم رسول الله - ﷺ - عليًا ﵇ علمه كله" (١).
وعلى ذلك ذكر في الجزء الرابع من كتابه (باب في أن الأئمة يخاطبون ويسمعون الصوت ويأتيهم صور أعظم من جبريل وميكائيل) عن أبي عبد الله أنه قال:
"إنا لنزاد في الليل والنهار، ولو لم نزد لنفد ما عندنا، قال أبو بصير: جعلت فداك من يأتيكم به؟
قال: إن منا من يعاي، وإن منا من ينقر في قلبه كيت وكيت، وإن منا لمن يسمع بأذنه وقعًا كوقع السلسلة في الطست. قال: فقلت له: من الذي يأتيكم بذلك؟
قال: خلق أعظم من جبريل وميكائيل" (٢).
وكذلك روي في الباب الثامن من هذا الجزء بعنوان (باب في الإمام أنه تراءى له جبريل وميكائيل وملك الموت).
وروي تحت روايات "أن جعفرًا وأباه الباقر جاءهما جبريل وملك الموت بصورة شيخ طويل جميل أبيض الرأس واللحية، ورجل أدم حسن الوجه والشيمة وكان الأول جبريل، والثاني ملك الموت" (٣).
وعلى ذلك ينص القوم بأن أئمتهم أفضل من جميع الأنبياء بما فيهم أولو العزم من الرسل وأعلم منهم، كما بوب صاحبنا هذا محمد بن الحسن الصفار (باب في أمي المؤمنين ﵇ وأولو العزم أيهم أعلم) (٤).
كما أن الحر العاملي بوب بابًا بعنوان (إن النبي والأئمة الاثنى عشر ﵈ أفضل من سائر المخلوقات من الأنبياء والأوصياء السابقين، والملائكة وغيرهم، وإن الأنبياء أفضل من الملائكة) (٥).
_________________
(١) بصائر الدرجات الكبرى الباب العاشر من الجزء السادس ص٣١١
(٢) بصائر الدرجات الكبرى الباب السابع من الجزء الخامس ص٢٥٢
(٣) بصائر الدرجات الكبرى الباب الثامن من الجزء الخامس ص٢٥٣ وص٢٥٤ الرواية الأولى والثالثة
(٤) بصائر الدرجات الكبرى الباب الخامس من الجزء الخامس ص٢٤٧
(٥) الفصول المهمة في أصول الأئمة باب ١٠١ ص١٥١
[ ١٣٨ ]
وابن بابويه القمي الملقب بصدوق الشيعة بوب بابًا في كتابه بعنوان (أفضلية النبي - ﷺ - والأئمة على جميع الملائكة والأنبياء ﵈) (١).
ولا يخلو كتاب من كتب الشيعة إلا وفيه أبواب متشابهة في هذا المعنى.
وقد سردوا تحتها روايات أكثر من أن تحصى حسب تعبير محدث الشيعة الحر العاملي (٢).
منها ما رووا عن أبي جعفر أنه قال لأحد أتباعه: "يا عبد الله! ما تقول الشيعة في علي ﵇ وموسى وعيسى (٣)؟ قال:
قلت: جعلت فداك، وعن أي حالات تسألني؟
قال: أسألك عن العلم، فأما الفضل فهم سواء.
قال: قلت: جعلت فداك، فما عسى أقول فيهم.
فقال: هو والله أعلم منهما" (٤).
ورووا عن ابنه جعفر أنه قال:
"إن الله خلق أولي العزم من الرسل وفضلهم بالعلم، وأورثنا علمهم وفضلهم، وفضلنا عليهم في علمهم، وعلم رسول الله - ﷺ - ما لم يعلموا، وعلمنا علم رسول الله - ﷺ - وعلمهم" (٥).
وهناك باب آخر بعنوان (باب أن الأئمة ﵈ أفضل من موسى والخضر ﵉).
ثم روى تحته روايات عديدة، منها ما رواه عن أبي جعفر محمد الباقر أنه قال:
_________________
(١) عين أخبار الرضا ج١ ص٢٦٢
(٢) انظر الفصول المهمة ص١٥٤
(٣) انظر قوة القوم وإساءة أدبهم في حق أنبياء الله ورسله حيث لا يستعملون اسم واحد من أئمتهم إلا ويعقبونه بكلمة ﵇، وإنما يذكرون أنبياء الله ورسله فيبخلون بالصلاة والسلام عليهم
(٤) بصائر الدرجات الباب الخامس من الجزء الخامس ص٢٤٨، الفصول المهمة ص١٥١
(٥) بصائر الدرجات ص٢٤٨، الفصول المهمة ص١٥٢
[ ١٣٩ ]
لقد سأل موسى العالم (يعني الخضر) مسألة لم يكن عنده جوابها، ولقد سأل العالم موسى مسألة لم يكن عنده جوابها، ولو كنت بينهما لأخبرت كل واحد منهما بجواب مسألته، ولسألتهما عن مسألة لا يكون عندهما جوابها" (١).
هذا وإننا لنرى بأن ما أوردناه من الأبواب وسردناه من الروايات يكفي لبيان الحق والحقيقة، والمعتقدات الأصيلة الشيعية في أئمتهم حول نزول الوحي والملائكة عليهم، وأنه لا فرق بينهم وبين أنبياء الله ورسله حيث أنهم يخاطبون ويكلمون، ويقذف في قلوبهم، ويلقى في مسامعهم، وتنزل عليهم الملائكة، جبرئيل ومن دونه وفوقه، ويناجيهم الرب جل وعلا - تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا - ولا نريد إكثار الروايات المملة في هذا الموضوع مع وجود أضعاف الأضعاف منها في (بصائر الدرجات) وغيره من الكتب المعتبرة الموثقة المعتمدة (٢) لدى الشيعة، كما نريد أن نبين ههنا أنه لم يكن اختيارنا كتاب (بصائر الدرجات) هذا لبيان معتقدهم في نزول الوحي والملائكة على أئمتهم مع وجود هذه الروايات في كتب الحديث والتفسير الأخرى إلا أن صاحب (البصائر) وهو الصفار من أقدم المحدثين الشيعة وشيخ مؤلفي الصحاح الأربعة أو شيخ شيخهم.
وأيضًا فإن هذا الكتاب لم يؤلف إلا لسرد الروايات الشيعية من الأئمة المعصومين المزعومين في فضائلهم، وإننا لندرك أننا أكثرنا الروايات في هذا البحث خلاف البحوث المتقدمة لأننا لم نورد هذا المبحث وهذه الروايات في كتبنا الأربعة عن الشيعة (٣) ولأنه مهم في فهم أصول الشيعة وعقائدهم.
وجلاء للحق الذي هو واضح وجلي مما سبق نريد أن نذكر بعض العناوين
_________________
(١) بصائر الدرجات الكبرى الباب السادس من الجزء الخامس ص٢٥٠
(٢) ومن أراد الاستزادة فعليه أن يرجع إلى كتب التفسير والحديث فإنها مليئة بمثل هذه الخرافات والترهات
(٣) الشيعة والسنة، والشيعة وأهل البيت، والشيعة والقرآن، والشيعة والتشيع فرق وتاريخ
[ ١٤٠ ]
للأبواب التي ذكرها الكليني في (الأصول من الكافي) في هذا الخصوص فقط. وفي كتاب الحجة لا غير كي لا تبقى شبهة لشاك ولا ريب لمرتاب.
فهذه بعض عناوين الأبواب من كتاب الحجة في (الأصول من الكافي):
باب طبقات الأنبياء والرسل والأئمة.
باب أن الأئمة ولاة أمر الله وخزنة علمه.
باب أن الأئمة خلفاء الله ﷿ في أرضه، وأبوابه التي منها يؤتى.
باب أن الأئمة معدن العلم وشجرة النبوة ومختلف الملائكة.
باب عرش الأعمال على النبي والأئمة.
باب أن الأئمة ورثوا علم النبي وجميع الأنبياء والأوصياء الذين من قبلهم.
باب أن الأئمة عندهم جميع الكتب التي نزلت من عند الله ﷿ وأنه يعرفونها على اختلاف ألسنتهم.
باب ما عند الأئمة من آيات الأنبياء.
باب في أن الأئمة يزدادون في ليلة الجمعة.
باب لولا أن الأئمة يزدادون لنفد ما عندهم.
باب أن الأئمة يعلمون جميع العلوم التي خرجت إلى الملائكة والأنبياء والرسل.
باب أن الأئمة إذا شاءوا أن يعلموا علموا.
باب أن الأئمة يعلمون علم ما كان وما يكون وأنه لا يخفى عليهم الشيء.
باب أن الله ﷿ لم يعلم نبيه علمًا إلا أمره أن يعلمه أمير المؤمنين، وأنه كان شريكه في العلم.
باب أن الأئمة محدثون مفهمون.
باب فيه ذكر الأرواح التي في الأئمة.
باب الروح التي يسدد الله بها الأئمة.
باب أن الأئمة لم يفعلوا شيئًا ولا يفعلون إلا بعهد من الله ﷿ وأمر منه لا يتجاوزونه.
باب أن الأئمة تدخل الملائكة بيوتهم، وتطأ بسطهم، وتأتيهم بالأخبار، وهذا آخر ما أردنا ثبته في هذا الباب.
وإن في ذلك لعبرة لأولي الألباب.
[ ١٤١ ]