الشيعة الإثنا عشرية ومسألة الإمامة
إن الإمامة عند الشيعة الاثنى عشرية كالنبوة، والإمام عندهم كالنبي غير أنه لا يطلق عليه لفظ النبوة كما صرح بذلك الكليني في كافيه، حيث روى عن محمد بن مسلم أنه قال:
وسمعت أبا عبد الله ﵇ يقول: الأئمة بمنزلة رسول الله - ﷺ -، إلا أنهم ليسوا بأنبياء، ولا يحل لهم من النساء ما يحل للنبي - ﷺ -، فأما ما خلا ذلك فهم بمنزلة رسول الله - ﷺ - " (١).
وروي أيضًا عن جعفر أنه قال:
"نحن خزان علم الله، نحن تراجمة أمر الله، نحن قوم معصومون، أمر الله ﵎ بطاعتنا، ونهى عن عصيتنا، نحن الحجة البالغة على من دون السماء وفوق الأرض" (٢).
وأورد رواية أخرى عن مفضل بن عمر عن جعفر أنه سئل عن علم الإمام بما في أقطار الأرض وهو في بيته مرخي عليه ستره، فقال:
"يا مفضل، إن الله ﵎ جعل في النبي - ﷺ - خمسة أرواح، روح الحياة فيه دب ودرج، وروح القوة فيه نهض وجاهد، وروح الشهوة فيه أكل وشرب وأتى النساء من الحلال، وروح الإيمان فيه آمن وعدل، وروح القدس فيه حمل النبوة، فإذا قبض النبي - صلى الله
_________________
(١) الكافي في الأصول كتاب الحجة باب في أن الأئمة بمن يشبهون ممن مضى ج١ ص٢٧٠
(٢) الأصول من الكافي ج٢ ص٢٦٩
[ ١٩١ ]
عليه وسلم - انتقل روح القدس فصار إلى الإمام (١)، وروح القدس لا ينام ولا يغفل، ولا يلهو ولا يزهو، وأربعة الأرواح تنام وتغفل، وتزهو وتلهو، وروح القدس كان يرى به" (٢).
وكما روى الكليني هذا أيضًا عن جعفر أنه سأله رجل من أهل هيت عن قول الله ﷿: ﴿وكذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا﴾، فقال: منذ أنزل الله ﷿ ذلك الروح على محمد - ﷺ - ما صعد إلى السماء وإنه لفينا، وفي رواية: كان مع رسول الله - ﷺ - يخبره ويسدده - وهو مع الأئمة من بعده - وهو من الملكوت" (٣).
وهناك روايات أخرى صريحة أكثر من ذلك قد ذكرنا بعضًا منها فيما سبق، ونكتفي ههنا بذكر روايتين من الصفار عن أبي جعفر محمد الباقر أنه قال:
"إن جبريل أتى رسول الله - ﷺ - برمانتين فأكل رسول الله - ﷺ - إحداهما وكسر الأخرى نصفين، فأكل نصفها وأطعم رسول الله عليًا نصفها، ثم قال رسول الله - ﷺ -:
يا أخي: هل تدري ما هاتان الرمانتان؟
قال: لا.
قال: أما الأولى فالنبوة، ليس لك فيها شيء، وأما الأخرى فالعلم، أنت شريكي فيه، فقلت: أصلحك الله كيف يكون شريكه فيه؟
قال: لا يعلم الله محمدًا علمًا إلا وأمره أن يعلم عليًا" (٤).
_________________
(١) وهل يمكن أن يقال بعد هذا: بأنهم يعتقدون باعتقاد ختم نبوة محمد - ﷺ - وأنهم ليسوا بأول من أنكر ختم النبوة عليه واعتقدوا بجريانها بعده؟
(٢) الأصول من الكافي كتاب الحجة باب فيه ذكر أرواح الأئمة ﵈ ج١ ص٢٧٢
(٣) الأصول من الكافي كتاب الحجة باب الروح التي يسدد الله بها الأئمة ﵈ ج١ ص٢٧٣
(٤) بصائر الدرجات الكبرى باب في أمير المؤمنين ﵇ أن رسول الله - ﷺ - مشاركه في العلم ولم يشاركه في النبوة، وذكر الرمانين ص٣١٢
[ ١٩٢ ]
وروي أيضًا عن علي بن الحسين:
"إن محمدًا - ﷺ - كان أمين الله في أرضه، فلما قبض محمد - ﷺ - كنا أهل البيت ورثته، ونحن أمناء الله في أرضه، عندنا عل البلايا والمنايا وأنساب العرب ومولد الإسلام، وإنا لنعرف الرجل إذا رأيناه بحقيقة الإيمان وحقيقة النفاق، وأن شيعتنا لمكتوبون بأسمائهم وأسماء آبائهم، أخذ الله علينا وعليهم الميثاق، يردون موردنا، ويدخلون مدخلنا، نحن النجباء، وأفراطنا أفراط الأنبياء، ونحن أبناء الأوصياء، ونحن المخصصون في كتاب الله، ونحن أولى الناس بالله، ونحن أولى الناس بكتاب الله، ونحن أولى الناس بدين الله، ونحن الذين شرع لنا دينه، فقال في كتابه: شرع لكم يا آل محمد من الدين ما وصى به نوحًا، وقد وصانا بما أوصى به نوحًا، والذي أوحينا إليك يا محمد وما وصينا به إبراهيم وإسماعيل وموسى وعيسى وإسحاق ويعقوب، فقد علمنا وبلغنا ما علمنا، واستودعنا علمهم، نحن ورثة الأنبياء، ونحن ورثة أولي العزم من الرسل: أن أقيموا الدين يا آل محمد ولا تفرقوا فيه وكونوا على جماعة كبر على المشركين من أشرك بولاية على ما تدعوهم إليه من ولاية علي إن الله يا محمد يهدي إليه من ينيب من يجيبك إلى ولاية علي (١) ﵇" (٢).
فهذه هي الإمامة عند الشيعة وهذا هو الإمام، ولا بأس أن نورد ههنا روايتين أخريين أوردهما صدوق الشيعة - وهو كذوب - ابن بابويه القمي، وهو واحد من أصحاب الصحاح الأربعة أنه روى عن جعفر بن محمد الباقر عن أبيه محمد بن علي عن أبيه علي بن الحسين (٣) أنه قال:
_________________
(١) ومن المعروف أن هذه العبارة ليست من القرآن بل إنها مختلفة مزورة مكذوبة على لسان علي زين العابدين، وأن علي بن الحسن وأمثاله براء مما يعتقده الشيعة من التحريف في القرآن
(٢) بصائر الدرجات الكبرى - باب في الأئمة أنهم ورثوا علم أولي العزم من الرسل وجميع الأنبياء، وأنهم صلوات الله عليهم أمناء الله في أرضه، وعندهم علم البلايا والمنايا وأنساب - العرب ص١٣٨
(٣) وهذا أصح الروايات عند الشيعة حيث يروي إمام معصوم حسب زعمهم عن إمام معصوم إلى آخره
[ ١٩٣ ]
"نحن أئمة المسلمين وحجج الله على العالمين، وسادة المؤمنين، وقادة الغر المحجلين، وموالي المؤمنين، ونحن أمان لأهل الأرض، كما أن النجوم أمان لأهل السماء، ونحن الذين بنا يمسك الله السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، وبنا يمسك الأرض أن تميد بأهلها، وبنا ينزل الغيث، وتنشر الرحمة، وتخرج بركات الأرض، ولولا ما في الأرض منا لساخت بأهلها، ثم قال:
"ولم تخل الأرض منذ خلق الله آدم من حجة الله فيها ظاهر مشهور، أو غائب مستور، ولا تخلو إلى أن تقم الساعة من حجة الله فيها، ولولا ذلك لما يعبد الله، قال سليمان: فقلت للصادق ﵇:
فكيف ينتفع الناس بالحجة الغائب المستور؟
قال: كما ينتفعون بالشمس إذا سترها السحاب" (١).
وروي أيضًا عن محمد الباقر أنه قال:
"نحن جنب الله، ونحن صفوته، ونحون حوزته، ونحن مستودع مواريث الأنبياء، ونحن أمناء الله ﷿، ونحن حجج الله، ونحن أركان الإيمان، ونحن دعائم الإسلام، ونحن من رحمة الله على خلقه، ونحن من بنا يفتح وبنا يختم، ونحن أئمة الهدى، ونحن مصابيه الدجى، ونحن منار الهدى، ونحن السابقون، ونحن الآخرون، ونحن العلم المرفوع للخق، من تمسك بنا لحق، ومن تأخر عنا غرق، ونحن قادة الغر المحجلين، ونحن خيرة الله، ونحن الطريق الواضح والصراط المستقيم إلى الله ﷿، ونحن من نعمة الله ﷿ على خلقه، ونحن المنهاج، ونحن معدن النبوة، ونحن موضع الرسالة، ونحن الذين إلينا تختلف الملائكة، ونحن السراج لمن استضاء بنا، ونحن السبيل لمن اقتدى بنا، ونحن الهداة إلى الجنة، ونحن عرى الإسلام، ونحن الجسور والقناطر، من مضى عليها لم يسبق، ومن تخلف عنها محق، ونحن السنام العظام، ونحن الذين بنا ينزل الله ﷿ الرحمة، وبنا يسقون
_________________
(١) كمال الدين وتمام النعمة لابن بابويه القمي، باب العلة التي من أجلها يحتاج إلى الإمام ج١ ص٢٠٧
[ ١٩٤ ]
الغيث، ونحن الذين بنا يصر عنكم العذاب، فمن عرفنا وأبصرنا وعرف حقنا وأخذ بأمرنا فهو منا وإلينا" (١).
وعلى ذلك قالوا: "يجب على الله نصب الإمام كنصب النبي" (٢).
وليس للخلائق خيار في اختيار الإمام وتعيينه، والله نصب للعالم أجمع اثنى عشر إمامًا، أولهم علي وآخرهم معدومهم الذي يزعمونه ابنًا للحسن العسكري الذي لم يولد قط.
ومن الغرائب أن واحدًا من هؤلاء الاثنى عشر لم يملك زمام الحكم أبدًا غير علي بن أبي طالب ﵁ الذي جعل الإمام باختيار من الناس بعد خلفاء رسول الله الثلاثة الذين سبقوه على منصب الإمامة والزعامة بعد رسول الله - ﷺ -، والذين استشهد علي ﵁ على صحة خلافته بصحة خلافتهم حيث قال كما ورد في أقدس كتاب شيعي (نهج البلاغة) - عكس ما يقوله القوم ورغم أنوفهم:
"إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسموه إمامًا كان ذلك لله رضى، فإن خرج عن أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى" (٣).
وحاصل الكلام: "أننا لا نفهم الإمامة الشيعية التي يجعلونها واجبة، والتي يقولون فيها: إن على الله أن ينصب من يشغلها ويجوز بها لردع الظالم عن ظلمه وحمل الناس على الخير وردعهم عن الشر" (٤).
_________________
(١) كمال الدين وتمام النعمة لابن بابويه القمي ج١ ص٢٠٦
(٢) انظر لذلك منهاج الكرامة للحلي ص٧٢، وأيضًا أعيان الشيعة الجزء الأول، القسم الثاني ص٦، أيضًا الشيعة في التاريخ لمحمد حسين الزي ص٤٤، ٤٥، أيضًا أصول المعارف لمحمد الموسوي ص٨٢، أيضًا الألفين الفارق بين الصدق والمين للمحلي ص١٥
(٣) نهج البلاغة بتحقيق صبحي صالح ص٣٦٦، ٣٦٧ - ط بيروت
(٤) أعيان الشيعة الجزء الأول القسم الثاني ص٦
[ ١٩٥ ]
و: لحفظ الشريعة من الضياع ورفع الفساد وإقامة الحدود ونشر الأحكام والانتصاف للمظلوم من الظالم" (١).
و: إن الناس متى كان لهم رئيس منبسط اليد، قاهر، عادل، يردع المعاندين، ويقمع المتغلبين، وينتصف للمظلومين من الظالمين، اتسقت الأمور، وسكنت الفتن، ودرت المعايش، وكان الناس مع وجوده إلى الصلاح أقرب. ومتى خلوا من رئس صفته ما ذكرناه تكدرت معايشهم وتغلب القوي على الضعيف، وانهمكوا في المعاصي، ووقع الهرج والمرج، وكانوا إلى الفساد أقرب، ومن الصلاح أبعد" (٢).
لأن أئمتهم الاثنى عشر بما فيهم علي رضي الله تعالى عنه - حسب مقولتهم - لم يستطيعوا ردع الظالم عن ظلمه إياهم، ولم يتمكنوا بإقامة الحدود ولا رفع الفساد، ولا الانتصاف لأنفسهم من الظالم .. فضلًا عن غيرهم من المظلومين، وبذلك رد عليهم شيخ الإسلام ابن تيمية بعد ذكر كلام الحلي: إنه نصب أولياء معصومين لئلا يخلي الله العالم من لطفه، فقال:
هم يقولون: إن الأئمة المعصومين مقهورون مظلومون عاجزون، ليس لهم سلطان ولا قدرة حتى إنهم يقولون ذلك في علي ﵁ منذ مات النبي - ﷺ - إلى أن استخلف، وفي الاثنى عشر، ويقرون أن الله ما مكنهم ولا ملكهم، وقد قال الله تعالى: ﴿. . فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكًا عظيمًا﴾، فإن قيل: المراد بنصبهم أنه أوجب عليهم طاعتهم فإذا أطاعوهم هدوهم، ولكن الخلق عصوهم، فيقال: لم يحصل - بمجرد ذلك - في العالم، لا لطف ولا رحمة، بل إنما حصل تكذيب الناس لهم ومعصيتهم إياهم. و(المنتظر) ما انتفع به من أقر به ولا من جحده، وأما سائر الاثنى عشر - سوى علي ﵁ - فكانت المنفعة بأحدهم كالمنفعة بأمثاله من أئمة الدين والعلم، وأما المنفعة
_________________
(١) أصول المعارف لمحمد الموسوي ص٨٢
(٢) تلخيص الشافي للطوسي ج١ ص٦٠ ط قم - إيران الطبعة السادسة صنة١٩٧٤م
[ ١٩٦ ]
المطلوبة من أولي الأمر فلم تحصل بهم، فتبين أن ما ذكره من (اللطف) تلبيس وكذب" (١).
وقد ذكرنا عجزههم، وما حل بهم من قهر وظلم، وغلبة الغير عليهم من كتب القوم أنفسهم في كتابنا (الشيعة وأهل البيت) وكتابنا (الشيعة والتشيع)، وأكثر من ذلك أثبتنا أن المنفعة الدينية أيضًا لم تكن تحصل منهم للخلق حيث أنهم كانوا يخافون الحكام ويهابون المخالفين، ولم يكونوا يستطيعون أن يظهروا ما في قلوبهم حسب علمهم وإيمانهم، وقد أوردنا في ذلك روايات كثيرة، منها ما ذكرناها عن الكليني أنه روى عن زرارة بن أعين أنه قال:
سألت أبا جعفر ﵇ عن مسألة فأجابني، ثم جاء رجل فسأله عنها فأجابه بخلاف ما أجابني، ثم جاء رجل فسأله فأجابه بخلاف ما أجابني وأجاب صاحبي، فلما خرج الرجلان قلت: يا ابن رسول الله، رجلان من أهل العراق من شيعتكم قدما يسألان فأجبت كل واحد منهما بغير ما أجبت به صاحبه؟.
فقال: يا زرارة، إن هذا خير لنا وأبقى لكم، ولو اجتمعتم على أمر واحد لصدقكم الناس علينا ولكان أقل لبقائنا وبقائكم.
قال: ثم قلت لأبي عبد الله ﵇: شيعتكم لو حملتموهم على الأسنة أو على النار لمضوا وهم يخرجون من عندكم مختلفين؟ قال: فأجابني بمثل جواب أبيه" (٢).
وكما أوردنا رواية في مبحث التقية عن جعفر أنه قال لأحد متبعيه:
"يا سليمان، إنكم على دين من كتمه أعزه الله، ومن أذاعه أذله الله" (٣).
وهناك روايات في هذا المعنى أكثر من أن تعد وتحصى.
وحاصل الكلام: أن هذه هي الإمامة الشيعية التي يوجبونها على الله
_________________
(١) المنتقى من منهاج الاعتدال للذهبي ص٣٤
(٢) الأصول من الكافي في باب اختلاف الحديث ج١ ص٦٥
(٣) الكافي في الأصول ج٢ ص٢٢٢ باب التقية - ط إيران
[ ١٩٧ ]
ولم تحصل لأحد، ولم تثبت ولم تتحقق .. وقد بحثناها مفصلًا في كتابنا (الشيعة والتشيع).
وهؤلاء هم أئمتهم: علي وأولاده الأحد عشر بما فيهم المعدوم، ويعدون غيرهم وكل من تولى الخلافة والإمامة في زمنهم خلفاء غاصبين مغتصبين (١) بما فيهم أبو بكر وعمر وعثمان الخلفاء الراشدون الثلاثة ﵁ أجمعين، ويوجبون البراءة منهم، والولاء لأئمتهم، ويجعلون ولايتهم أصلًا من أصول الإسلام وأساسًا من أسسه ودعائمه، لا يؤمن من لا يعتقد بها، ولا يكفر من يؤمن بها. والروايات والتصريحات في هذا لكثيرة جدًا، فالخلاف بيننا وبينهم في هذه المسألة خلاف جوهري وأصولي وعقائدي، لا كما زعمه السيد الدكتور وصرح به حيث يقول:
"إن خلافهم معنا في هذا الصدد خلاف نظري وأقرب أن يكون اختلافًا في حقائق التاريخ ولا يؤثر في إيمانهم شيئًا" (٢).
وعلى ذلك يكفر الشيعة كل من ينكر إمامة أئمتهم المزعومين، كما أن منكر النبوة كافر بالاتفاق، لأن الإمامة لا تختلف مع النبوة في أصلها، وجوهرها كما بيناه مقدمًا، وكما صرح بذلك أساطين الشيعة وصناديدها الذين نحن بصدد ذكرهم الآن، وكما دلت عليه روايات كثيرة عن أئمتهم المعصومين - حسب زعمهم - وسيأتي ذكرها إن شاء الله، لا كما زعمه سيادة الدكتور حيث قال:
إنهم لم يحكموا بالكفر على من لا يعتقد بالإمامة على النحو الذي ذكروه ولو أنهم حكموا بذلك لكان لنا معهم موقف آخر إذ يكون معنى حكمهم هذا تكفير جميع أهل السنة (٣).
يا لتساهل الدكتور، وفي هذا العمر!!!
_________________
(١) انظر: (عقائد الشيعة) تأليف الحاج ميرزا آقاسي - نقلًا عن (عقيدة الشيعة) لرونالدسن - ط عربي القاهرة ص٣٥ باب (الغاصبون الثلاثة) وغيره من كتب الشيعة الكثيرة
(٢) بين الشيعة وأهل السنة ص٧٥
(٣) بين الشيعة وأهل السنة ص٧٧
[ ١٩٨ ]
ويا لتحمسه لأهل السنة المساكين!!!
ولقد ذكرني قوله هذا ببيت شعر أورد ما معناه: لم يكن يسعنا إلا أن نموت من شدة الفرح والسرور لو كنا نعرف صدق وعده ووفائه.
واأسفاه على عدم معرفة السيد الدكتور عقائد القوم وعدم علمه بالحقائق الثابتة الموجودة المسطورة في جميع كتبهم من التفسير والحديث والعقائد والكلام والتاريخ، وأنها كلها مليئة بتكفير أهل السنة قاطبة وتسميتهم النواصب. اللهم إلا بعض الكتب الدعائية التي لم تكتب لبيان المعتقدات وتعليمها وتفهيمها الشيعة، بل لمغالطة أهل السنة وخداعهم والتلبيس عليهم وتزوير الحقائق أمامهم، وإن لم يكن كذلك فلأي شيء حصل الافتراق والاختلاف؟.
وإن القوم الذين حكموا على أصحاب رسول الله - ﷺ - بالردة، خيار خلق الله بعد الأنبياء والمرسلين، وصفوتهم، لم يحكموا عليهم بهذا الحكم القدسي الجاني إلا لعدم مبايعتهم عليًا ﵁ - حسب زعمهم - ومبايعتهم أبا بكر الصديق، وبعده عمر الفاروق، وبعده عثمان ذا النورين ﵃ أجعين، وتركهم مناصرة علي وخذلانهم إياه كما يذكرون!!
فهذا هو الكليني وغيره يروون عن أبي جعفر محمد الباقر أنه قال:
"كان الناس أهل ردة بعد النبي - ﷺ - إلا ثلاثة: المقداد بن الأسود، وسلمان الفارسي، وأبو ذر الغفاري. . وقال:
هؤلاء الذين دارت عليهم الرحى وأوا أن يبايعوا" (١).
وروى الكليني أيضًا عنه أنه قال:
أصبح رسول الله - ﷺ - يومًا كئيبًا حزينًا، فقال له علي ﵇: ما لي أراك يا رسول الله كئيبًا حزينًا؟.
قال: وكيف لا أكون كذلك وقد رأيت في ليلتي هذه أن بني تيم
_________________
(١) كتاب الروضة من الكافي للكليني ج٨ ص٢٤٦
[ ١٩٩ ]
(أي أبا بكر وقومه)، وبني عدي (أي عمر وقبيلته)، وبني أمية (أي عثمان وعشيرته) يصعدون منبري هذا يردون الناس عن الإسلام القهقرى:
فقلت (يعي الرسول): يا رب، في حياتي أو بعد موتي؟
فقال: بعد موتك" (١).
وبلغوا في اللؤم حيث كذبوا على محمد الباقر أنه قال:
ما كان ولد يعقوب أنبياء ولكنهم كانوا أسباط أولاد الأنبياء، ولم يكن يفارقون الدنيا إلا سعداء، تابوا وتذكروا ما صنعوا.
وإن الشيخين (يعني أبا بكر وعمر) فارقا الدنيا ولم يتوبا، ولم يتذكرا ما صنعا بأمير المؤمنين ﵇، فعليهما لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" (٢).
فمن كان هذا شأنهم مع أولئك الأخيار الأبرار فماذا سيكون موقفهم في أخلافهم، ومن يسلكون مسلكهم، وينهجون منهجهم، ويتبعونهم بإحسان؟.
فإن القوم لا يكتمون حقدهم وبغضهم وعقيدتهم في أولئك، فيقولون بكل صراحة ووقاحة:
"اتفقت الإمامية على كفر من أنكر إمامة أحد من الأئمة، وجحد ما أوجب الله تعالى له من فرض إطاعته فهو كافر ضال مستحق الخلود في النار" - قاله المفيد محمد بن النعمان العكبري (٣).
وقال أيضًا:
"اتفقت الإمامية على أن الإمامة بعد النبي - ﷺ - في بني هاشم خاصة، ثم في علي والحسن والحسين، ومن بعده في ولد الحسين ﵇ دون ولد الحسن إلى آخر العالم .. واتفقت الإمامية على أن رسول الله استخلف أمير المؤمنين ﵇ في حياته، ونص عليه بالإمامة بعد وفاته، وإن من دفع ذلك عنه دفع فرضًا من الدين" (٤).
_________________
(١) كتاب الروضة من الكافي للكليني ج٨ ص٢٤٦
(٢) كتاب الروضة من الكافي للكليني ج٨ ص٢٤٦
(٣) كتاب المسائل للمفيد المنقول من (البرهان في تفسير القرآن) مقدمة ص٢٠ - ط إيران
(٤) أوائل المقالات ص٤٨
[ ٢٠٠ ]
وقال ابن بابويه القمي:
"اعتقادنا فيم جحد إمامة أمير المؤمنين والأئمة من بعده ﵈ أنه بمنزلة من جحد نبوة الأنبياء ﵈، وفيمن أقر بأمير المؤمنين وأنكر واحدًا من بعده من الأئمة ﵈ أنه بمنزلة من آمن بجميع الأنبياء وأنكر نبوة محمد - ﷺ - " (١).
وقال أيضًا:
"يجب أن يعتقد أنه لا يتم الإيمان إلا بموالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه، وإن أعداء الأئمة كفار مخلدون في النار وإن أظهروا الإسلام، فمن عرف الله ورسوله والأئمة وتولاهم وتبرأ من أعدائهم فهو مؤمن، ومن أنكرهم أو شك فيهم أو في أحدهم أو تولى أعداءهم فهو ضال هالك، بل كافر، ولا ينفعه عمل ولا تقبل له طاعة" (٢).
هذا وقال السد المرتضى الملقب بعمل الهدى:
"إن المعرفة بهم (يعني الأئمة) كالمعرفة به تعالى فإنها إيمان وإسلام، وإن الجهل والشك فيهم كالجهل والشك فيه فإنه كفر وخروج من الإيمان، وهذه المنزلة ليست لأحد من البشر إلا لنبينا - ﷺ - والأئمة من بعده، على أولاده الطاهرين .. والذي يدل على أن معرفة إمامة من ذكرناه من الأئمة ﵈ من جملة الإيمان، وأن الإخلال بها كفر ورجوع عن الإيمان بإجماع الإمامية" (٣).
وقال الطوسي الملقب بشيخ الطائفة:
دفع الإمامة كفر، كما أن دفع النبوة كفر، لأن الجهل بهما على حد واحد، وقد روي عن النبي - ﷺ - أنه قال:
"من مات وهو لا يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية، وميتة الجاهلية لا تكون إلا على كفر" (٤).
_________________
(١) اعتقادات الصدوق - نقلًا عن مقدمة البرهان ص١٩، ٢٠
(٢) اعتقادات الصدوق - نقلًا عن مقدمة البرهان ص١٩، ٢٠
(٣) الرسالة الباهرة في العترة الطاهرة - نقلًا عن مقدمة البرهان ص٢٠
(٤) تلخيص الشافي للطوسي ج٤ ص١٣١ - ١٣٢
[ ٢٠١ ]
وقال أيضًا:
"إن المخالف لأهل الحق كافر، فيجب أن يكون حكمه حكم الكفار" (١).
وقال الهاشم البحراني:
"إن الإقرار بنبوة النبي وإمامة الأئمة والتزام حبهم وإطاعتهم وبغض أعدائهم ومخالفيهم أصل الإيمان مع توحيد الله ﷿ بحيث لا يصح الدين إلا بذلك كله، بل إنها سبب إيجاد العالم، وبناء حكم التكليف، وشرط قبول الأعمال، والخروج عن حد الكفر والشرك، وإنها التي عرضت كالتوحيد على جميع الخلق، وأخذ عليها الميثاق، وبعث بها الأنبياء، وأنزلت في الكتب، وكلف بها جميع الأمم ولو ضمنًا، وأن نسبة النبوة إلى الإمامة كنسبتها إلى التوحيد في تلازم الإقرار بها وبقرينها بحيث أن الكفر بأحدها في حكم الكفر بالآخر، ولا يفيد الإيمان ببعض دون بعض، وإن الأئمة مثل النبي في فرض الطاعة والأفضلية .. وإن الأحاديث غير المحصورة تدل على هذه الأمور المذكورة، بل أكثرها مما هو مجمع عليه عند علمائنا الإماميين.
وقد نص على حقيقته، بل كون جلها من ضروريات هذا المذهب أعاظم أصحابنا المحدثين" (٢).
وأما السيد حسين الملقب ببحر العلوم فقد أوضح أكثر مما قال به الآخرون حيث رجّح الإمامة على النبوة فقال:
"إن منطلق الإمامة هو منطلق النبوة بالذات، والهدف الذي من أجله وجبت النبوة هو نفسه الهدف الذي من أجله تجب الإمامة، وكما أن النبوة لطف من الله تعالى كذلك الإمامة لطف من الله أيضًا، واللحظة الحاسمة التي انبثقت فيها النبوة - وهي يوم الدار - هي نفسها اللحظة التي انبثقت فيها الإمامة، فما انطلق لسان النبي الأعظم - ﷺ - بالتشريع النبوي المقدس
_________________
(١) انظر: مقدمة البرهان ص١٢٠
(٢) انظر المقالة الثانية في: مقدمة تفسير البرهان للهاشم البحراني ص١٩
[ ٢٠٢ ]
إلا وضم إليه المحافظة والوزارة والخلافة لعلي ﵇ بقوله: "أنت وزيري وخليفتي". وهكذا استمرت الدعوة الإسلامية ذات لسانين: النبوة والإمامة في خط واحد، وامتازت الإمامة على النبوة: أنها استمرت بأداء الرسالة بعد انتهاء دور النبوة - ولن تزال - ببركة وجود صاحب الأمر عجل الله فرجه.
فالإمامة إذن قرين النبوة بالتشريع، وامتداد لها بالمحافظة والرعاية، وبهذا المعنى نفسر كلام الإمام الكاظم ﵇ - كما في أصول الكافي - أن النبوة لطف خاص، والإمامة لطف عام" (١).
وقال محدث الشيعة الكبير الحر العاملي:
"إن من ادعى الإمامة بغير حق، أو أنكر إمامة إمام الحق كفر" (٢).
أو بعد هذا كله مجال للشك بأن الشيعة لا يكفرون جميع أهل السنة؟
ثم .. ويجب أن يعلم بأن عقيدتهم هذه ليست إلا مبنية على تعاليم أئمتهم المعصومين - حسب زعمهم - وأقوالهم وتصريحاتهم.
وعلى ذلك نختم هذا الباب ونسأل الله الهداية والتوفيق.
_________________
(١) تلخيص الشافي للطوسي ج٤ ص١٣١، ١٣٢ - الهامش
(٢) الفصول المهمة في معرفة أصول الأئمة ص١٤٢
[ ٢٠٣ ]