والتابعين ما يفيق على مائة ألف أو يزيدون، وشغلهم ذلك الأمر عن أن يفتحوا مدينة بل ولا قرية أو يزيدوا في ممالك الإسلام ضيعة أو مزرعة، وربما ضعف الحال إلى أن استولى الكفار على أماكن استعادوها وجماعات من المسلمين أهلكوها وأبادوها. فأين السياسة من السياسة.
ومنها أنهم قالوا كان علي - ﵁ - أقرأ الصحابة وأتقاهم.
وبطلان هذه الدعوى ظاهر لمن له أدنى إلمام بمعرفة الصحابة. ونحن نوضحه للجاهل بوجوه. منها أن هذا الكلام والدعوى رد لقول رسول الله - ﷺ - الثابت عنه في جميع الكتب الصحاح من دواوين الإسلام. وقد تقدم مبينا
[ ٥٤ ]
موضحا، والحمد لله تعالى.
وأما التقوى، فلقد كان علي ﵁ وأرضاه تقيا نقيا، إلا أن الفضائل يتفاضل فيها أهلها، وما كان أتقاهم له إلا أبا بكر. والبرهان على ذلك أنه لم يسؤ قط أبو بكر رسول الله - ﷺ - في كلمة، ولا خالف إرادته في شيء قط ولا تأخر عن تصديقه ولا تردد عن الائتمار له يوم الحديبية إذ تردد من تردد. وقد تكلم رسول الله - ﷺ - على المنبر إذ أراد علي نكاح ابنة أبي جهل بما عُرف. وما وجدنا قط لأبي بكر توقفا عن شيء أمره به رسول الله - ﷺ -[إلا مرة واحدة عذره] فيها وأجاز له فعله، وهي إذ أتى رسول الله - ﷺ - من قباء فوجده يصلي بالناس، فلما رآه أبو بكر تأخر وأشار إليه النبي - ﷺ - أن أقم مكانك، فحمد الله أبو بكر على ذلك ثم تأخر فصار في الصف، وتقدم رسول الله - ﷺ - فصلى بالناس، فلما أتم قال له النبي - ﷺ -: «ما منعك أن تثبت حين أمرتك» فقال أبو بكر: ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله - ﷺ -.
فهذا غاية التعظيم والطاعة والخضوع لرسول الله - ﷺ -. وما
[ ٥٥ ]