تابعه منهم إلا الأقل، سوى أزيد من مائتي ألف مسلم بالشام ومصر والعراق والحجاز كلهم امتنع عن بيعته، وحكمهم في ذلك حكم علي - ﵁ - في مدة تأخره عن بيعة أبي بكر.
وإذا بطل كل ما ادعاه الرافضة والضلال المردة الجهال، صح أن أبا بكر - ﵁ - هو الذي فاز بالسبق والحظ في العلم والقراءة والجهاد والزهد والتقوى والخشية والصدقة والعتق والطاعة والسياسة. فهذه وجوه الفضل كلها، فهو بلا شك أفضل الصحابة كافة.
ولم نحتج عليهم بالأحاديث، لأنهم لا يصدقون أحاديثنا وإن كانت مما يجب تصديقه لكونه المتواتر متنا والمشهور [أثرا]، فإن صحيحي البخاري ومسلم قد تلقتهما الأمة بالقبول، والأمة معصومة من الإجماع على ضلال وباطل. ونحن لا نصدق أحاديثهم التي انفردوا بها، لأن بطلانها
[ ٥٧ ]
وفريتها ثابت بشهادة من طعن فيها من الأئمة الثقات والأئمة الأثبات، كالإمام أبي عبد الله محمد بن إدريس وأبي عبد الله أحمد بن حنبل وأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري وأضرابهم. ونحن اقتصرنا في الرد عليهم على البراهين الضرورية بنقل الكواف عن الكواف.
وإنما يجب أن يحتج الخصوم بعضهم على بعض بما يصدقه الذي تقام عليه الحجة به سواء صدقه المحتج أو لم يصدقه، لأن من صدق بشيء لزمه القول به أو بما يوجبه العلم الضروري، فيصير الخصم يومئذ مكابرا منقطعا إن ثبت على ما كان عليه. إلا أن بعض ما يشغبون به أحاديث صحاح نوافقهم على صحتها. منها قول رسول الله - ﷺ - لعلي - ﵁ -: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي».
وإن كانت الإمامة تستحق بالتقدم بالفضائل فأبو بكر أحق بها. فكيف والنص على خلافته صحيح. وإذ قد صحت إمامة أبي بكر فطاعته فرض في استخلافه عمر بما ذكرنا، وبإجماع المسلمين عليها. ثم أجمعت الأمة جميعا بلا خلاف على صحة إمامة عثمان.
وأما خلافة علي فحق لا شك فيه ولا ريب، ولكن لا بنص ولا بإجماع بل ببرهان آخر. وذلك أنه إذا مات الإمام ولم يعهد إلى أحد فبادر رجل مستحق الإمامة ودعا إلى نفسه ولا معارض له ففرض اتباعه والانقياد لبيعته والتزام إمامته وطاعته. وهكذا فعل علي - ﵁ - فوجب اتباعه. وكذلك فعل ابن الزبير. وقد فعل قبلهما خالد بن الوليد إذ قتل
[ ٥٨ ]