مقدمة التحقيق
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، ملء السموات والأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد. وأصلي وأسلم على مَن بعثه الله رحمة للعالمين، وحجة على الخلق أجمعين، من تمسَّك بغَرْزه نجى، ومن اقتفى أثره وسلك سبيله ولزم محجَّتَه هُدي إلى صراط مستقيم. ومَن تنكَّب سبيله وحاد عن منهجه أو استبدل به غيره تنازعَتْه الأهواءُ وتشعَّبت به السُبل.
أما بعد؛ فهذا أثر عزيز من آثار الإمام العلامة أبي العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية رحمة الله عليه، خصصه هذه المرة لجواب سؤال وردَ إليه عن «حزب البحر» لأبي الحسن الشاذلي (ت ٦٥٦)، ثم جاد الشيخُ (وجُودُه العلميُّ سابغ) ببيان ما في حزبه الآخر المسمّى «حزب البر» من الأخطاء العقدية، والعبارات الملتبسة، والأدعية الممنوعة الباطلة. ثم أَتْبَعَه بنقد كلامه فيما «صنَّفَه في آداب الطريق في علم الحقيقة».
ولا يخفى أنّ أتْبَاعَ الطرق الصوفية قد استبدلوا الأدعيةَ المرتبة والأحزاب الصوفية المخترعة بما جاء في السنة المطهرة على لسان مَن لا ينطق عن الهوى، فاستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير؛ فوقعوا في مخالفة الشرع الحنيف، وفاتهم الخير العظيم.
وقد نبَّه المؤلف على ذلك في مواضع من كتبه، قال: «المشروع للإنسان أن يدعو بالأدعية المأثورة، فإن الدعاء من أفضل العبادات، وقد نهانا الله عن الاعتداء فيه، فينبغي لنا أن نتّبع فيه ما شرَعَ وسَنَّ، كما أنه ينبغي لنا ذلك في غيره من العبادات.
[ ٧ ]
والذي يعدل عن الدعاء المشروع إلى غيره ــ وإن كان من أحزاب بعض المشايخ ــ الأحسنُ له أن لا يفوته الأكمل الأفضل وهي الأدعية النبوية؛ فإنها أفضل وأكمل باتفاق المسلمين من الأدعية التي ليست كذلك وإن قالها بعض الشيوخ
ومن أشد الناس عيبًا من يتخذ حزبًا ليس بمأثور عن النبي - ﷺ -، وإن كان حزبًا لبعض المشايخ ويدع الأحزابَ النبويةَ التي كان يقولها سيد بني آدم وإمام الخلق وحجة الله على عباده» (^١) اهـ.
وقال أيضًا: «وأما ما يفعله من يريد التقرب إلى الله من واجب ومستحب؛ فكلهم يأخذه عن الكتاب والسنة، فإنّ القرآن والحديث مملوء من هذا، وإن تكلم أحدهم في ذلك بكلام لم يسنده هو يكون هو أو معناه مسندًا عن الله ورسوله، وقد ينطق أحدهم بالكلمة من الحكمة فتجدها مأثورة عن النبي - ﷺ - ولكن كثير من أهل العبادة والزهادة أعرض عن طلب العلم النبوي الذي يُعرف به طريق الله ورسوله فاحتاج لذلك إلى تقليد شيخ.
وفي السلوك مسائل تنازع فيها الشيوخ لكن يوجد في الكتاب والسنة من النصوص الدالة على الصواب في ذلك ما يفهمه غالب السالكين، فمسائل السلوك من جنس مسائل العقائد كلها منصوصة في الكتاب والسنة، وإنما اختلف أهلُ الكلام لمّا أعرضوا عن الكتاب والسنة، فلما دخلوا في البدع وقع الاختلاف. وهكذا طريق العبادة عامةُ ما يقع فيه من الاختلاف إنما هو
_________________
(١) «مجموع الفتاوى»: (٢٢/ ٥٢٥).
[ ٨ ]