خلقَه، فإن النفسَ مضطرة إلى من يُحَصِّل لها ما ينفعها، ويدفع عنها ما يضرها، فإن لم تطلب ذلك من الله طلبته (^١) من غيره. ولهذا يُوجد من يحض على ترك دعاء الله، ومدح (^٢) من يفعله سائلًا للخلق، فيرغبون عن دعاء الخالق ويدعون المخلوقين، وهذا (^٣) حال المشركين.
الموضع الثاني: قوله: (نسألَك العصمةَ في الحركات والسكنات (^٤) والكلمات والإرادات والخطَرات؛ من (^٥) الشكوك والظنون والأوهام الساترة للقلوب عن مطالعة الغيوب).
فهذا الدعاء ينافي حال من يقول: «علمُك حسبي»، فمن اكتفى بالعلم لم يسأل.
ثم يُقال: هذا الدعاء لا يجوز لأحدٍ أن يدعو به، بل هو من الاعتداء في الدعاء الذي نهى الله عنه بقوله: ﴿رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)﴾ (^٦) [الأعراف: ٥٥].
قال أبو مِجْلَز (^٧): «مِثْل أن يسال منازلَ الأنبياء».
_________________
(١) (ت): «يطلب طلبه».
(٢) (م): «يمدح».
(٣) (م): «هذه».
(٤) «والسكنات» سقطت من (م).
(٥) كتب تحتها في (م) بخط دقيق: «بيان الخطرات».
(٦) انظر «الاستقامة»: (٢/ ١٣٠ - وما بعدها) للمصنف، و«بدائع الفوائد»: (٣/ ٨٥٣ - ٨٥٦) لابن القيم.
(٧) أخرجه ابن جرير: (١٠/ ٢٤٩)، وابن أبي حاتم: (٥/ ١٥٠٠). وأبو مِجْلَز ــ بكسر الميم وسكون الجيم ــ هو: لاحق بن حُميد بن سعيد السدوسي البصري، من التابعين (ت ١٠٦). ترجمته في «تهذيب الكمال»: (٧/ ٥٠٧). وعلى طرة النسخة ترجمة موجزة له بخط دقيق.
[ ٤٩ ]
فإذا كان مَن دون الأنبياء ليس له أن يسأل منازَل الأنبياء، فكيف إذا سأل ما هو من خصائص الإلهية؟ !
ولا ريب أن رفعَ الأمور الساترة عن مطالعة الغيوب مطلقًا لا يحصل (^١) لغير الله تعالى، فإنه عالِمُ الغيبِ والشهادة، وإنما أَطْلَعَ مَن شاء من خلقه على قليل مما يشاء (^٢) من علمه، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال: ﴿أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [الإسراء: ٨٥].
وفي «الصحيحين» (^٣): «أن الخَضِرَ قال لموسى لما نَقَر العصفورُ نقرةً في البحر: ما نقصَ عِلْمي وعلمُك مِن علم الله إلا كما نقص هذا العصفورُ مِن هذا البحر».
فإذا كان موسى الذي قال الله فيه (^٤): ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥]، والخضر الذي قال فيه: ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥] عِلْمُهما في القِلَّة بهذه النسبة، فكيف بمن هو دونهما (^٥)؟ !
_________________
(١) (ت): «يُجْعَل».
(٢) (م): «على ما يشاء».
(٣) أخرجه البخاري (١٢٢)، ومسلم (٢٣٨٠) من حديث ابن عباس - ﵄ -.
(٤) (ت): «عنه».
(٥) (ت): «من دونهما».
[ ٥٠ ]