سعيد بن جبير قال: ثلاث من عمل الجاهلية النياحة والطعام على الميت وبيتوتة المرأة عند أهل الميت ليست منهم. وروى ابن أبي شيبة أيضًا عن معن بن عيسى عن ثابت بن قيس قال: أدركت عمر بن عبد العزيز يمنع أهل الميت الجماعات يقول: ترزون وتغرمون.
قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى وأما صنعة أهل الميت طعامًا يدعون الناس إليه فهذا غير مشروع وإنما هو بدعة انتهى.
ونقل العلامة أبو الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي في «عون المعبود» قول ابن الهمام: في «فتح القدير» شرح الهداية. يستحب لجيران أهل الميت والأقرباء الأباعد تهيئة طعام لهم يشبعهم يومهم وليلتهم، ويكره اتخاذ الضيافة من الطعام من أهل البيت لأنه شرع في السرور لا في الشرور وهي بدعة مستقبحة انتهى. قال أبو الطيب ويؤيده حديث جرير بن عبد الله البجلي قال: «كنا نرى الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام من النياحة» أخرجه ابن ماجه: وبوّب «باب ما جاء في النهي عن الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام» وهذا الحديث سنده صحيح ورجاله على شرط مسلم قاله السندي. وقال أيضًا: قوله كنا نرى. هذا بمنزلة رواية إجماع الصحابة أو تقرير من النبي - ﷺ -، وعلى الثاني فحكمه الرفع وعلى التقديرين فهو حجة، وبالجملة فهذا عكس الوارد، إذ الوارد أن يصنع الناس الطعام لأهل الميت.
فاجتماع الناس في بيتهم حتى يتكلفوا لأجلهم الطعام قلب لذلك. وقد ذكر كثير من الفقهاء أن الضيافة لأهل الميت قلب للمعقول لأن الضيافة حقًا أن تكون للسرور لا للحزن انتهى. وقوله: أن الضيافة لأهل الميت. معناه من أهل الميت وهي إقامتهم الولائم للعزاء.
وقد نقل المباركفوري في «تحفة الأحوذي» قول ابن الهمام يكره
[ ١٤ ]
اتخاذ الضيافة من أهل الميت لأنه شرع في السرور لا في الشرور وهي بدعة مستقبحة. قال: وقال القاري واصطناع أهل الميت الطعام لأجل اجتماع الناس عليه بدعة مكروهة، بل صح عن جرير ﵁ «كنا نعده من النياحة» وهو ظاهر في التحريم انتهى.
ونقل النووي في الروضة وشرح المهذب عن صاحب الشامل أنه قال: وأما إصلاح أهل الميت طعامًا وجمعهم الناس عليه فلم ينقل فيه شيء. قال: وهو بدعة غير مستحبة. قال النووي في الروضة وهو كما قال انتهى واستدل في «شرح المهذب» على كونه بدعة بحديث جرير بن عبد الله ﵁ الذي تقدم ذكره وقال: رواه أحمد بن حنبل وابن ماجه بإسناد صحيح.
ونقل الشيخ محمد الشربيني الخطيب في «مغني المحتاج. إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج» عن ابن الصباغ وغيره أنهم قالوا: أما إصلاح أهل الميت طعامًا وجمع الناس عليه فبدعة غير مستحب، ثم استدل على كونه بدعة بحديث جرير بن عبد الله ﵁ الذي تقدم ذكره.
وقال شمس الدين محمد بن أبي العباس أحمد بن حمزة بن شهاب الدين الرملي في كتابه «نهاية المحتاج. إلى شرح المنهاج» ويكره كما في الأنوار وغيره أخذًا من كلام الرافعي والمصنف - يعني النووي - أنه بدعة لأهله صنع طعام يجمعون الناس عليه قبل الدفن وبعده لقول جرير: «كنا نعد ذلك من النياحة» انتهى.
وقال ابن الحاج في «المدخل»: وأما إصلاح أهل الميت طعامًا وجمع الناس عليه فلم ينقل فيه شيء وهو بدعة غير مستحب. قال: وقد سئل مالك ﵀ عن جمع الناس على العقيقة فأنكر ذلك وقال: تشبه بالولائم. قال ابن الحاج: فإذا كان هذا قوله في العقيقة فما بالك به في
[ ١٥ ]
الطعام الذي اعتاد بعضهم عمله في بيت الميت وجمع الناس عليه. قال وقال أزهر بن عبد الله: من صنع طعامًا لرياء وسمعة ولم يستجب الله لمن دعا له ولم يخلف الله عليه نفقة ما أنفق. قال ابن الحاج: وإذا كان هذا في وليمة العرس والختان فما بالك بما اعتاده بعضهم في هذا الزمان من أهل الميت يعملون الطعام ثلاث ليال ويجمعون الناس عليه عكس ما حكي عن السلف ﵃. فليحذر من فعل ذلك فإنه بدعة مكروهة انتهى.
وكلام العلماء في المنع من إقامة الولائم في المآتم وتصريحهم بأن ذلك من البدع كثير جدًا، وفيما ذكرته ههنا كفاية لمن أراد الله به خيرًا، ومن يضلل الله فلا هادي له.
وفيما ذكرته من الأحاديث الثابتة عن النبي - ﷺ - في التحذير من المحدثات والأمر بردها. وما رواه ابن أبي شيبة عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: في اجتماع النساء على الميت وإطعام الطعام تلك النياحة. وما رواه الإمام أحمد وابن ماجه عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ أنه ذكر عن الصحابة ﵃ أنهم كانوا يعدون الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام من النياحة. وما رواه ابن أبي شيبة عن أبي البختري وسعيد بن جبير وعمر بن عبد العزيز أنهم أنكروا الاجتماع إلى أهل الميت وإطعام الطعام، كل هذا فيه رد على الكاتب الذي تهجم على خطباء المساجد وأنكر عليهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتحذير من البدع والمحدثات، ومنها إقامة الولائم في المآتم والاحتفال بالمولد النبوي، وفيما ذكرته أيضًا عن العلماء من الذم لإقامة الولائم في المآتم وتصريحهم أن ذلك بدعة مستقبحة وأنه من قلب المعقول. فيه أبلغ رد على الكاتب الذي بذل جهده في تقرير
[ ١٦ ]