وفي هذا الحديث أوضح دليل على المنع من بدعتي المأتم والمولد لأنهما من المحدثات التي لا مستند لها من كتاب ولا سنة، وإنما يستند المتفونون بهما على مجرد الأهواء وما تستحسنه عقولهم من الأعمال التي قد وجدوا آباءهم وشيوخهم يعملون بها.
وفي الحديث أيضًا أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى أمثاله من المفتونين ببدعتي المأتم والمولد.
البرهان الحادي والعشرون: قول النبي - ﷺ -: «قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك» رواه الإمام أحمد وابن ماجه والحاكم في مستدركه من حديث العرباض بن سارية ﵁. ورواه ابن ماجه أيضًا من حديث أبي الدرداء ﵁ ولفظه «وأيم الله لقد تركتكم على مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء» قال أبو الدرداء: صدق والله رسول الله - ﷺ - تركنا والله على مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء.
وفي هذين الحديثين أوضح دليل على المنع من بدعتي المأتم والمولد لأنهما من المحدثات في الإسلام وليستا من المحجة البيضاء التي ترك عليها رسول الله - ﷺ - أمته.
وفي الحديثين أيضًا أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى أمثاله من المفتونين ببدعتي المأتم والمولد.
البرهان الثاني والعشرون: قول النبي - ﷺ -: «ما بقي شيء يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بيّن لكم» رواه الطبراني في الكبير من حديث أبي ذر ﵁، قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن عبد الله بن يزيد المقري وهو ثقة.
[ ٦٩ ]
وفي هذا الحديث دليل على المنع من إقامة الولائم في المآتم ومن اتخاذ ليلة المولد النبوي عيدًا لأنه لو كان في هاتين البدعتين شيء من الفضائل التي تقرّب من الجنة وتباعد من النار لبيّن ذلك النبي - ﷺ - لأمته لأنه لا خير إلا وقد دلهم عليه ورغبهم فيه ولا شر إلا وقد نهاهم عنه وحذرهم منه، ومن استحسن هاتين البدعتين وزعم أن فيهما شيئًا من الفضائل التي تقرب من الجنة وتباعد من النار فإنه يلزم على قوله أن يكون النبي - ﷺ - قد قصّر في البيان لأمته وكتم عنهم ما فيه خير لهم في معادهم، وهذا قول سوء لا يصدر إلا من إنسان مشكوك فيه إسلامه.
وفي الحديث أيضًا أبلغ رد على صاحب المقال الباطل وعلى كل من استحسن بدعتي المأتم والمولد وزعم أن فيهما فضائل ترجى بركتها ونفعها في الدار الآخرة لأن هذا القول الباطل يتضمن الاستدراك على النبي - ﷺ -. وليس الاستدراك عليه أمرًا هينًا وإنما هو من الأمور المنافية للإيمان لأن الله تعالى يقول: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا﴾ وقد أمر النبي - ﷺ - أمته بالتمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين وأمرهم أن يعضوا عليها بالنواجذ وأخبرهم أن خير الهدي هديه وأن شر الأمور محدثاتها وأن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، وحذرهم من المحدثات وبالغ في التحذير منها وأمر بردها وأخبر أنه لا يؤمن أحد حتى يكون هواه تبعًا لما جاء به - ﷺ -. فهذا من أقضيته التي أمر الله تعالى بتحكيمه فيها وأن لا يكون في النفوس حرج منها وأن تقابل بالقبول والتسليم، وفي كل جملة من هذه الأقضية العظيمة أبلغ رد على الذين
[ ٧٠ ]