مثل ما أصابهم، والسعيد من وعظ بغيره، والشقي من كان عبرة وعظة للناس.
وأما قوله: فقد كان من الملاحظ أنه لم يبدأ الخطيب في الكلام عن مآدب المآتم وتحريمها حتى نهض المصلون تركوا المسجد رغبة عن السماع لمثل هذا الكلام.
فجوابه: أن يقال لا يخفى ما في هذا الكلام من المجازفة التي يكذبها الواقع، فإن كان الكاتب قد أراد المسجد الحرام وأن المصلين فيه قد نهضوا وتركوا المسجد الحرام رغبة عن سماع الكلام في مآدب المآتم فهذا لا يقوله إلا إنسان قد فقد شعوره، وإن كان قد أراد غيره من المساجد فوقوع ذلك بعيد جدًا، بل يبعد أن يقع ذلك من جزء قليل من المصلين فضلًا عن الجميع، ولو وقع نهوض المصلين من بعض المساجد أو نهوض بعضهم منها وتركهم الصلاة فيها رغبة عن سماع الكلام في مآدب المآتم لكان لذلك نبأ عند الناس ولسارع أهل الصحف إلى ذكره، وفي انفراد الكاتب بذكر ذلك دليل على أنه لا صحة لهذه الخبر. فأما وقوع ذلك من أفراد قليلين من المفتونين بإقامة المآدب في المآتم فهو غير مستبعد ولكن لا عبرة بأفعال الجهال والمفتونين بالبدع.
وقد ورد التشديد في الخروج من المسجد بعد الأذان وذلك فيما رواه مسلم عن أبي الشعثاء - واسمه سليم بن أسود - قال: كنا قعودًا في المسجد مع أبي هريرة فأذن المؤذن فقام رجل من المسجد يمشي فاتبعه أبو هريرة بصره حتى خرج من المسجد فقال أبو هريرة: «أما هذا فقد عصى أبا القاسم - ﷺ -» وفي رواية له عن أبي الشعثاء قال: سمعت أبا هريرة ورأى رجلًا يجتاز المسجد خارجًا بعد الأذان فقال:
[ ٣٩ ]
«أما هذا فقد عصى أبا القاسم - ﷺ -» وقد رواه الإمام أحمد وأهل السنن بنحوه وقال الترمذي حديث حسن صحيح، وزاد أحمد في رواية له من طريق شريك عن أشعث بن أبي الشعثاء عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال: أمرنا رسول الله - ﷺ - «إذا كنتم في المسجد فنودي بالصلاة فلا يخرج أحدكم حتى يصلي» قال الشيخ أحمد محمد شاكر في تعليقه على جامع الترمذي: في رواية شريك التي روى أحمد فائدة جليلة وهي التصريح برفع الحديث إلى النبي - ﷺ - لأن قول الصحابي، من فعل كذا فقد عصى الرسول ونحو ذلك مما اختلف في أنه مرفوع أو موقوف والصحيح الراجح أنه مرفوع انتهى. وقد ترجم النسائي على هذا الحديث بقوله: «التشديد في الخروج من المسجد بعد الأذان» قال الترمذي وفي الباب عن عثمان، قلت حديث عثمان ﵁ قد رواه ابن ماجه في سننه بإسناد ضعيف ولفظه، قال رسول الله - ﷺ -: «من أدركه الأذان في المسجد ثم خرج لم يخرج لحاجة وهو لا يريد الرجعة فهو منافق» وروى مالك في الموطأ أنه بلغه أن سعيد بن المسيب قال: «يقال لا يخرج أحد من المسجد بعد النداء إلا أحد يريد الرجوع إليه إلا منافق».
قال ابن عبد البر هذا لا يقال مثله من جهة الرأي ولا يكون إلا توقيفًا وقد صح مرفوعًا عن أبي هريرة برجال الصحيح، وروى الدارمي في سننه عن أبي المغيرة حدثنا الأوزاعي حدثنا عبد الرحمن بن حرملة قال: جاء رجل إلى سعيد بن المسيب يودعه بحج أو عمرة فقال له: لا تبرح حتى تصلي فإن رسول الله - ﷺ - قال: «لا يخرج بعد النداء من المسجد إلا منافق إلا رجل أخرجته حاجة وهو يريد الرجعة إلى المسجد» فقال: إن أصحابي بالحرة قال: فخرج قال: فلم يزل سعيد يولع بذكره حتى أخبر أنه وقع من راحلته فانكسرت فخذه. وهذا مرسل صحيح
[ ٤٠ ]