النياحة، وما كان بهذه المثابة فإنه غير جائز. وفيه أيضًا أنه من المحدثات والأعمال التي ليس عليه أمر النبي - ﷺ -، والمحدثات كلها شر وضلالة بنص رسول الله - ﷺ -، وقد أمر النبي - ﷺ - برد المحدثات والأعمال التي ليس عليها أمره، وقد قال الله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب﴾ وقال تعالى: ﴿وإن تطيعوه تهتدوا﴾ وقال تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى أتدري ما الفتنة. الفتنة الشرك لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك ثم جعل يتلو قول الله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا﴾.
وأما قوله وهل كل ما لم يفعله الرسول وأصحابه حرام أم العكس هو الصحيح، أي إن الأصل في كل الأعمال هو الحل إلا ما ورد نص بالتحريم له. وأين النص الصريح في تحريم المآدب في المآتم.
فجوابه من وجوه أحدها: أن يقال إن الأعمال التي يتقرب بها إلى الله تعالى مربوطة بالأمر الذي كان عليه رسول الله - ﷺ -. فمن عمل عملًا ليس عليه أمر النبي - ﷺ - فعمله مردود لقوله - ﷺ -: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه من حديث عائشة ﵂، وفي رواية لأحمد ومسلم والبخاري تعليقًا «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» وفي هذا الحديث نص صريح على رد الأعمال التي ليس عليها أمر النبي - ﷺ -. ومنها إقامة الولائم في المآتم
[ ٢٩ ]
لأن النبي - ﷺ - لم يشرع ذلك لأمته، ولأنه مخالف للسنة في بعث الطعام إلى أهل الميت. وما خالف السنة فهو مردود بنص حديث عائشة ﵂. وفي هذا النص أبلغ رد على ما لفقه صاحب المقال الباطل من التمويه والتلبيس على ضعفاء البصيرة.
الوجه الثاني: أن رسول الله - ﷺ - أمر أمته أن يأخذوا بسنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ونهاهم عن محدثات الأمور وحذرهم منها بأبلغ التحذير وأخبرهم أن كل محدثة بدعة وأن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وأن شر الأمور محدثاتها. وفي هذه النصوص أبلغ رد على من أباح بدعة الولائم في المآتم وعلى من أباح غيرها من المحدثات.
الوجه الثالث: أن يقال إن الصحابة ﵃ قد عدوا الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة. وهذا إجماع منهم على تحريم إقامة المآدب في المآتم لأن النياحة من أمر الجاهلية وهي حرام وملعون فاعلها، وإجماع الصحابة ﵃ حجة على كل مبطل. ومن خالف إجماعهم فقد تعرض للوعيد الشديد الذي ذكره الله في قوله: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرًا﴾. وقد وصف رسول الله - ﷺ - الفرقة الناجية من أمته بأنهم من كان على مثل ما كان عليه هو وأصحابه. وقد كان هدي رسول الله - ﷺ - وإجماع أصحابه على خلاف ما يفعله أهل البدع من إقامة الولائم في المآتم:
وكل خير في اتباع من سَلَف وكل شيء في ابتداع من خَلَف
الوجه الرابع: أن يقال إنه لا يتم الإيمان لأحد حتى يحقق الشهادة
[ ٣٠ ]