- ﷺ - وأمر برده، فمن امتثل أمر الرسول - ﷺ - باجتناب المحدثات وامتثل أمره بردها فقد استقام على العقيدة الصحيحة. ومن خالف أمره وارتكب نهيه ولم يبال بتحذيره من المحدثات فهو مخالف للعقيدة الصحيحة شاء أم أبى.
فصل
وقال صاحب المقال الباطل إنه سيظل يطالب خطباء المساجد وخطيب المسجد الحرام بالذات بأن يتركوا الأمور الخلافية وأن يعظوا ويأمروا وينهوا ويخاطبوا الناس عن المنكرات المجمع عليها ويدعوهم إلى الخيرات. منعًا للبلبلة وتشويش الأذهان وإعطاء فكرة سيئة عن الإسلام، ثم أورد قول النبي - ﷺ -: «الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور متشابهات فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه».
والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن يقال: إن خطباء المساجد وخطيب المسجد الحرام بالذات لم ينهوا الناس عن الأمور الخلافية كما قد زعم ذلك صاحب المقال الباطل وإنما كانوا ينهون الناس عما هو مخالف لكتاب الله تعالى وسنة رسوله - ﷺ - من البدع ومنكرات الأقوال والأفعال، ومن رزقه الله السلامة من تقليد الآباء والشيوخ فيما يفعلونه من العادات المبتدعة التي وجدوا آبائهم وشيوخهم يعملون بها لم يخف عليه أن خطباء المساجد وخطيب المسجد الحرام بالذات لم يخرجوا عن الطريق المستقيم وإنما كانوا ينهون الناس عن الأمور المحرمة التي لا خلاف في تحريمها، وأما من أعماه التقليد للآباء والشيوخ فإنه لا بد أن يرى الحق في صورة الباطل أو على الأقل في صورة الأمور الخلافية، وأن يرى الباطل في صورة الحق كما هو الواقع من أهل اللغو في بدعتي المأتم
[ ٨٩ ]
والمولد، وقد دعاهم الغلو في هاتين البدعتين إلى التعصب لهما والدفاع عنهما بالشبه الملفقة والجدال بالباطل.
الوجه الثاني: أن يقال كل ما خالف الكتاب والسنة فهو من المنكرات بالإجماع قال الله تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ ولا يخفى على طالب العلم أن رسول الله - ﷺ - لم يأمر ببدعتي المأتم والمولد ولم يفعلهما ولم يقر أحدًا على فعلهما، ولا يخفى أيضًا أنهما إنما أحدثتا بعد زمان رسول الله - ﷺ - بمدة طويلة، وكل أمر ليس عليه أمر رسول الله - ﷺ - فهو مردود على صاحبه كائنًا من كان، وفاعله متعرض للوعيد الشديد المذكور في الآية الكريمة من سورة النور.
الوجه الثالث: أن يقال إن البلبلة وتشويش الأذهان وإعطاء الفكرة السيئة عن الإسلام هي في الحقيقة واقعة من المصرِّين على فعل الأمور المبتدعة المخالفة لكتاب الله تعالى وسنة رسوله - ﷺ - وما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم، وهؤلاء المخالفون للكتاب والسنة وما كان عليه الصحابة ﵃ لم يكتفوا بالإصرار على فعل البدع بل ضموا إلى ذلك الدفاع عنها بالشبه والأباطيل والحجج الداحضة، وهذا عين المشاقة لله ولرسوله - ﷺ - واتباع غير سبيل المؤمنين. وقد قال الله تعالى: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرًا﴾.
فأما خطباء المساجد الذين ينهون الناس عن البدع التي قد دل الكتاب والسنة على المنع منها ويأمرون الناس بلزوم الكتاب والسنة وما كان عليه الصحابة ﵃ فهؤلاء قد أحسنوا غاية الإحسان
[ ٩٠ ]